عن أبي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ بنُ أبي طَالِبٍ - ﵁ - وهوَ سِبْطُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ورَيْحَانَتُهُ -قالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلى مَا لا يَرِيبُكَ".
رواهُ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسَائِيُّ.
وقالَ التِّرْمِذيُّ: "حَسَنٌ صحيحٌ" (١).
* * *
الكلامُ عليهِ مِنْ وُجُوهٍ:
أحَدُها: في طرفٍ مِن حالِ راوِيهِ، وهو -كما ذكرهُ اسمًا وكُنْيَةً- قرَشيٌّ هاشِمِيٌّ مَدَنيٌّ، والسِّبط هنا: ابن البنت؛ فأُمُّهُ فاطمة الزَّهراء بنت سيد المرسَلِين -صلوات الله وسلامه عليه-.
_________________
(١) رواه أحمد (٣/ ٢٥٢ رقم ١٧٢٣، ١٧٢٧)، والترمذي (٤/ ٢٨٦ رقم ٢٥١٨)، والنسائي (٨/ ٣٢٧ - ٣٢٨ رقم ٥٧١١)، و"الكبرى" (٥/ ١١٧ رقم ٥٢٠١)، والطيالسي (٢/ ٤٩٩ رقم ١٢٧٤)، والدارمي (٣/ ١٦٤٨ رقم ٢٥٧٤)، وابن خزيمة (٤/ ٥٩ رقم ٢٣٤٨)، وابن حبان (٢/ ٤٩٨ رقم ٧٢٢)، وأبو يعلى (١٢/ ١٣٢ رقم ٦٧٦٢)، والحاكم (٢/ ١٣)، (٤/ ٩٩)، والبيهقي في "الكبرى" (٥/ ٣٣٥). والحديث صحَّحه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والذهبي، وأحمد شاكر في "المسند" (٣/ ١٦٩ رقم ١٧٢٣)، والألباني في "الإرواء" (١/ ٤٤ رقم ١٢)، و"السنن".
[ ١٩٠ ]
و"ريحَانَتُهُ" أَشَارَ بِهِ إلى قوله -﵊- فيه وأخيه الحُسَيْن: "هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنيا" (١)، وهو أحدُ سيِّدَي "شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ" أيضًا (٢).
وقال فيه أيضًا: "إنَّ ابني هذا سيِّدٌ" (٣).
وُلِدَ في النِّصف مِن رمضان سنةَ ثلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ على الأصَحِّ.
روى عن: جَدِّه رسول الله، وأبيه، وأخيه الحُسين، وخاله: هند بن أبي هالة، وعنه: ابنه الحسين، وأبو الجوزاء، وربيعة، وعكرمة، وخَلْقٌ.
وكان أشبَهَ وجهًا برسول الله - ﷺ -، ومَنَاقِبُهُ جَمَّة.
ماتَ سنة خمسين -وفيه خلاف- ودُفِنَ بالبقيع.
وكانَ مِنَ الحُكَمَاءِ الكُرماءِ الأسخياءِ، وكانَ مِطْلاقًا، يُقال: أنه أَحصَنَ أكثر من مائة امرأة! (٤).
و"الترمذي": اسمه محمد بن عيسى الحافظ، أبو عيسى الضرير، قيل: وُلِدَ أَكْمَهَ.
_________________
(١) رواه البخاري (٥/ ٢٧ رقم ٣٧٥٣، ٥٩٩٤) عن ابن عمر - ﵁ -.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنَّف" (١١/ ١٦٣ رقم ٣٢٧١٣)، وأحمد (١٧/ ٣١ رقم ١٠٩٩٩)، وفي "فضائل الصحابة" (٢/ ٩٦٧ رقم ١٣٦٠)، والترمذي (٦/ ١١٤ رقم ٣٧٦٨)، والنسائي في "الكبري" (٧/ ٣١٨ رقم ٨١١٣، ٨٤٧٢ - ٨٤٧٥)، وابن حبان (١٥/ ٤١٢ رقم ٦٩٥٩)، والطبراني في "الكبير" (٣/ ٣٨ رقم ٢٦١٠ - ٢٦١٣)، و"الأوسط" (٢/ ٣٤٧ رقم ٢١٩٠)، وأبو يعلى (٢/ ٣٩٥ رقم ١١٦٩)، والحاكم (٣/ ١٦٦ - ١٦٧) عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -. والحديث صحَّحه الترمذي، وابن حبان، والحاكم، والألباني في "السلسلة الصحيحة" (٢/ ٤٣٨ - ٤٤٨ رقم ٧٩٦) وأطال في تخريجه وقال في آخره: "وبالجملةِ فالحديثُ صحيحٌ بلا رَيْبٍ، بل هو متواتر كما نَقَلَهُ المناوي".
(٣) رواه البخاري (٣/ ١٨٦ رقم ٢٧٠٤، ٣٦٢٩، ٣٧٤٦، ٧١٠٩) عن أبي بكرة - ﵁ -.
(٤) انظر: "أسد الغابة" (٢/ ١٠)، و"تهذيب الكمال" (٦/ ٢٢٠)، و"السِّيَر" (٣/ ٢٤٥).
[ ١٩١ ]
سمع: قُتيبة، وأبا مصعب وخَلْقًا، وتَعَلَّم أكثر من البخاري.
وروى عنه: المَحْبُوبيُّ (١)، والهيثم الشَّاشي، وخَلْقٌ.
ماتَ في رجبٍ سنةَ تِسعٍ وسبعين ومِائتَين (٢).
و"النَّسائي" اسمه: أحمدُ بن شُعَيبٍ الخُرَاسانيُّ، وُلِدَ سنةَ خمس عشرة ومائتين، برعَ وتَفَرَّدَ وأتقنَ، واستَوْطَنَ بمِصرَ، ومات بالرَّملة سنةَ ثلاثٍ وثلاثمائةٍ (٣).
ثانيها: "يَريبُكَ" بفتحِ أوّله -على الأفصح- ويجُوزُ ضَمُّها، وأصله هل هو ثلاثي: راب يريب، أو رباعي أراب يريب مِنَ الرِّيبة، وهي: الشَّكُّ والتَّرَدّد، فراب وأراب بمعنى: شَكَّكَ، وقيل: أرابني شكَّكَني وأوهمني الريبة فيه، فإذا اشْتَقَقْتَ قُلتَ: رابَنِي (٤).
ثالثها: معنى الحديث: اترك ما فيهِ شكّ مِنَ الأفعالِ إلى مَا لا شَكَّ فيه منها، ومِنْهُ حديث عمر: "مَكْسَبَةٌ فيها بعضُ الريِّبَةِ خيرٌ مِن المسأَلَةِ" (٥) أي: كَسْبٌ فيه بعض الشك أحلالٌ هو أو حرام؛ خيرٌ مِن سؤال الناس.
_________________
(١) في الأصل: "المجبولي" والصواب ما أثبتناه، وهو: أبو العباس محمد بن أحمد المَحْبُوبي المَروزي رَاوِي "الجامع" للترمذي. انظر: "تهذيب الكمال" (٢٦/ ٢٥٣) وترجمته في "السير" (١٥/ ٥٣٧)، و"الشاشي" هو راوِي "الشمائل" للترمذي.
(٢) انظر: "تهذيب الكمال" (٢٦/ ٢٥٠)، و"السير" (١٣/ ٢٧٠).
(٣) انظر: "تهذيب الكمال" (١/ ٣٢٨)، و"السير" (١٥/ ١٢٥).
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" (١٥/ ٢٥٢ - ٢٥٤).
(٥) رواه ابن حبان في "الثقات" (٨/ ٢٠٤)، وابن أبي الدُّنيا في "إصلاح المال" (٢٩٨ رقم ٣٢١)، وابن عبد البر في "التمهيد" (١٨/ ٣٣٠)، وابن الجوزي في "مناقب عمر" (١٩٤).
[ ١٩٢ ]
ومعنى الحديث راجِعٌ إلى معنى الحديث السالف: "إِنَّ الحلال بيِّنٌ " إلى آخره.
وهو أصلٌ عظيمٌ في الوَرَعِ، فأطلَقَ الشَّرعُ الأيدي على الحلال وقَصَرها عن الحرام، وَوَرَّعَ عن المُشْتَبَهِ في قولٍ، وَمَنعَ مِنْهُ في آخر، وفصَّل مرَّةً فقال: إن كان مِنَ الفواحشِ الكبار التحقت فيه الشُّبهَةُ بالحرام، وإن كان من غير ذلك بنى على هذا الأصل (١) كمسألة العِينَة؛ جوَّزها قومٌ للحاجة، ومَنَعَهَا آخرون، والورع لا يخفى، وقد سلف في الحديث: "لَا يَبْلُغُ أَحَدٌ أَنْ يَكُونَ مِنَ المتَّقينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لا بَأسَ بهِ حذارًا مِمَّا بِهِ بَأْسٌ" (٢).
وأعلى مِن ذلِكَ: تَرْكُ الحَلالِ مَخَافَةَ الوُقوعِ في الحَرَام، وقد تقعُ الريبة في العبادات والمُنَاكحات وعِدَّة من أبواب الفقه المشتبهات، ولا شَكَّ أَنَّ التَّركَ أسْلَمُ للدِّين، كَمَا بيَّنَهُ سيِّدُ المُرْسَلين.
* * *
_________________
(١) كُتِب تحتها: "أي أصل الورع".
(٢) تقدَّم تخريجه ص (١٥٨).
[ ١٩٣ ]