عنْ أَبي العبَّاسِ سَهْلِ بن سَعْدٍ السَّاعِديِّ - ﵁ - قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ - ﷺ - فقالَ: يَا رسولَ اللهِ! دُلَّنِي على عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ؟ قال: "ازهَدْ في الدُّنيَا يُحِبَّكَ اللهُ، وازهَدْ فِيمَا في أَيْدِي النَّاس يُحِبَّكَ النَّاسُ".
حديثٌ حَسَنٌ، رواهُ ابن ماجه وغيْرُهُ بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ (١).
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: في التعريف براويه:
وهو أبو العباس -كما ذكره المصنف-، أو أبو يحيى سهل بن سعد بن
_________________
(١) رواه ابن ماجه (٢/ ١٣٧٣ رقم ٤١٠٢)، والطبراني في "الكبير" (٦/ ١٩٣ رقم ٥٩٧٢)، وابن حبان في "روضة العقلاء" (١٤١)، وابن سمعون في "أماليه" (٢٦٧ رقم ٢٨٩)، والقضاعي (١/ ٣٧٣ رقم ٦٤٣)، والعقيلي في "الضعفاء" (٢/ ٣٥٧)، وابن عدي في "الكامل" (٣/ ٣١)، والحاكم (٤/ ٣١٣)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢٥٣)، (٧/ ١٣٦)، و"أخبار أصبهان" (٢/ ٢٤٤ - ٢٤٥)، والبيهقي في "الشعب" (١٣/ ١١٥ رقم ١٠٠٤٣ - ١٠٠٤٥). والحديث في إسناده خالد بن عمرو القرشي ضعيف. لكن الحديث صححه الحاكم، وحسنه ابن حجر كما في "الجواهر والدرر" (٢/ ٩٤٤)، وصححه الألباني، وقال في "الصحيحة" (٢/ ٦٦٤ رقم ٩٤٤): "وجملةُ القولِ أنَّ الحديثَ صحيحٌ بهذا الشَّاهد المُرْسَل، والطُّرق الموصولة المشار إليها". فائدة: تعقَّب الحافظ ابن حجر النووي في قوله "أسانيده حسنة" انظر: "الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر" للسخاوي (٢/ ٩٤٣ - ٩٤٥).
[ ٣٦٤ ]
مالك بن خالد السَّاعِدي المدني -وقيل: سعد بن سعد بن مالك، والأول أصح-، لهُ ولأَبيهِ صُحْبَةٌ، مات سنة ثمان وثمانين -أو إحدى وتسعين- عن مائة ونحوها، وهو آخر مَن ماتَ مِن الصَّحابةِ بالمدينة -على أحد الأقوال- وكان اسمه: حزنًا؛ فسمَّاهُ الشَّارع: سَهْلًا (١).
وابن ماجه اسمه: أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني صاحب "السنن"، و"التفسير"، و"التاريخ"، وُلِدَ سنةَ تِسعٍ ومِائتين، ومات سنة ثلاث وسبعين (٢).
ثانيها: هذا الحديث أحد الأحاديث الأربعة التي عليها مدار الإسلام -كما سلف- وقد جُمِعَتْ في قوله شِعرًا:
عُمْدَةُ الدِّينِ عِندَنَا كَلِمَاتٌ أَرْبَعٌ مِنْ كَلام خَيْرِ البَرِيَّهْ
اتَّقِ الشُّبُهاتِ، وازْهَدْ، وَدَعْ مَا لَيسَ يَعْنِيكَ، واعْمَلَنَّ بِنِيَّهْ (٣)
ثالثها: قوله: "يُحِبَّك الله" هو بفتح الباء المشددة، والأصل: "يحبِبْك" بكَسرِ الأُولى وسكون الثانية، مجزوم على جواب الأمر الذي هو "ازهد في الدنيا" فأُسْكِنت الباء الأولى عند إرادةِ الإدغَامِ بنقل حركتها إلى الساكن قبلها -وهو الحاء- فاجتَمَعَ ساكِنَان، فحُرِّك الآخر لالتقاء الساكنين بالفتح تخفيفًا.
_________________
(١) انظر ترجمته في: "السير" (٣/ ٤٢٢)، و"الإصابة" (٢/ ٨٧).
(٢) انظر ترجمته في: "طبقات علماء الحديث" (٢/ ٣٤١)، و"السير" (١٣/ ٢٧٧).
(٣) انظر: "الصلة" لابن بشكوال (١/ ٢٤١)، و"إكمال المعلم" للقاضي عياض (٥/ ٢٨٤)، و"المفهم" للقرطبي (٤/ ٤٩٩)، و"الإعلام" للمؤلف (١/ ١٥٤)، و"الجامع" لابن رجب (١/ ٦٣)، و"بذل المجهود في ختم سنن أبي داود" للسخاوي (١٠٤)، و"منتهى الآمال" للسيوطي (٥٨). وقائلها هو أبو الحسن طاهر بن مُفوِّز المُعافري (ت: ٤٨٤ هـ).
[ ٣٦٥ ]
قال المازري: "الباري تعالى لا يُوصَفُ بالصِّفةِ المَعْهُودَةِ فينا، لأَنَّهُ مُقَدَّسٌ عن أنْ يميل أو يمال إليه، وليس بذي جنس وطبع فيوصف بالشَّوْقِ الذي تَقْتَضِيهِ الطَّبيعةُ البشريَّةُ، وإنما محبته تعالى للخلق: إرادته لثوابهم ونعيمهم، على رأي بعض أهل العلم، وعلى رأي بعضهم: أنَّ المحبَّةَ راجِعَةٌ إلى نَفْسِ الإثابة والتنعيم لا الإرادة" (١).
أي: فَعَلَى هذا يكونُ صفة فِعْلٍ، وعلى الأول صفة ذات. وبه قال ابن فورك (٢).
ومعنى محبة المخلوقين له: إرادَتُهُمْ أنْ يُنَعِّمَهُمْ ويُحْسِنُ إليهم، أو لِمَا ابتدأهم به من نِعَمِهِ ودَفَعَ من نقمهِ، وإليه الإشارة بقوله -﵊-: "أَحِبُّوا الله؛ لِمَا يَغْذُوكمْ بهِ مِنْ نِعَمِهِ" (٣)، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، "جُبِلَت القلوبُ على حُبِّ مَن أحسَنَ إليها"، ولا إحسانَ في الحقيقةِ إلَّا لله، لأنَّهُ خالقها وخالقهم، ومن محبته: محبته رسله وأنبيائه وأوليائه وملائكته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، واتِّباع سُنَّةِ رَسُولِهِ.
تَعْصِي الإلهَ وأَنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ هذا مُحَالٌ في القِيَاسِ بَدِيعُ
لَوْ كانَ حُبُّكَ صَادِقًا لأَطَعْتَهُ إنَّ المُحِبَّ لمن يُحِبُّ مُطِيعُ (٤)
_________________
(١) "المعلم" تأليفه (١/ ٣٠٨ رقم ٣١٥).
(٢) ما ذكره المازري وابن فورك خطأ ظاهر، فإن المحبة صفة من صفات الباري ﷿، وهي من الصفات الفعلية الثابتة بالكتاب والسنة، وهي لا تشبه صفات المخلوقين، ومن ثمار ولوَازم محبة الله لعبده إثابته ورضاه عنه. واللوازم التي ذكرها المازري باطلة، والقوم ليس لديهم مستند فيما ذهبوا إليه لا من الأدلة النقلية، ولا من الأدلة العقلية، بل لا تؤيدهم حتى الفطرة السليمة.
(٣) رواه الترمذي (٦/ ١٢٦ رقم ٣٧٨٩)، وعبد الله في زوائده على "فضائل الصحابة" (٢/ ١٢٥٠ رقم ١٩٥٢)، والطبراني في "الكبير" (٣/ ٤٦ رقم ٢٦٣٩)، والحاكم (٣/ ١٤٩)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢١١) عن ابن عباس - ﵄ -.
(٤) روى هذه الأبيات ابن الجنيد في "المحبة" (٤٠ رقم ٥٨)، والبيهقي في "الشعب" (٢/ ٤٤ - ٤٥).
[ ٣٦٦ ]
وللقوم فيها عبارات:
التُّسْتَرِي: "هي معانَقةُ الطَّاعة، ومبايَنَةُ المُخَالفة".
الروذباري: "المُوَافَقَة".
يحيى بن معاذ: "ليس الصادِقُ مَن ادَّعَى محبَّتَهُ ولم يَحْفَظْ حُدُودَهُ" (١).
وقد أوضحها القُشَيْري، وصاحِبُ "المُفْهِم" (٢).
رابعها: حَثُّ الشَّارع على التقَلُّلِ مِن الدُّنيا وما فيها، وقال: "كُنْ في الدُّنيَا كَأَنَّكَ غَريبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ" (٣)، "حُبُّ الدُّنيا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ" (٤).
وفي "الودعانيات المَوْضُوعة" (٥) من حديث أبي هريرة، عن أبي سعيد الخدري -رفعه-: سمعتُ النبي - ﷺ - يقول -يعظه-: "ارغبْ فيما عِندَ الله؛ يحبك الله، وازهد فيما في أَيْدِي الناس يُحِبَّكَ النَّاسُ، إِنَّ الزَّاهِدَ في الدُّنيا يُرِيحُ قَلْبَهُ وَبَدَنَهُ في الدُّنيا والآخِرَةِ، والرَّاغِبُ في الدُّنيا يُتْعِبُ قَلْبَهُ وَبَدَنَهُ في الدُّنيا والآخِرَة، لَيَجِيئَنَّ أَقوامٌ يَوْمَ القِيامَةِ لهم حَسَنَاتٌ كَأَمْثَالِ الجبالِ، فَيُؤْمَرُ بهم إلى النَّارِ". فقيلَ: يا نَبِيَّ اللهِ! أَوَ يُصَلُّونَ؟ قال: "كانوا يُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ وَيَأْخُذُونَ وهنًا مِن اللَّيلِ؛ لكِنَّهمْ كانوا إذَا لاحَ لهم بِشيءٍ مِنَ الدُّنيا وَثَبُوا عليه".
_________________
(١) ذكر هذه الآثار القشيري في "رسالته" وهي على الترتيب (٥٢١، ٥٢٢، ٥٢٣).
(٢) انظر: "الرسالة القشيرية" (٥١٨ - ٥٣٠)، و"المفهم" للقرطبي (١/ ٢١٢ - ٢١٣). هذا وعموم المسألة "الثالثة" استفادها المؤلف من "المنهج المبين" (٤٧١ - ٤٧٣).
(٣) هو الحديث الأربعون من هذه "الأربعين".
(٤) رواه البيهقي في "الشعب" (١٣/ ١٠٢ رقم ١٠٠١٩) عن الحسن مرسلًا، وضعَّفه شيخ الإسلام ابن تيمية في "الفتاوى" (٢/ ١٩٦)، وحكم عليه بالوضع العلامة الألباني في "سلسلته الضعيفة" (٣/ ٣٧٠ رقم ١٢٢٦).
(٥) "الأربعون الودعانية" (٤٨ رقم ٣٤).
[ ٣٦٧ ]
وقد قال -﵊- في حديث: "أيها الناس! اتقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، واسعَوْا في مَرْضَاتِهِ، وَأَيْقِنُوا مِنَ الدُّنيا بالفَنَاءِ، ومنَ الآخِرَةِ بالبَقَاءِ، واعمْلُوا لِمَا بعدَ الموت، فَكَأَنَّكَ بالدُّنيا وَلَمْ تَكُنْ، وبالآخِرَةِ وَلَمْ تَزَلْ، إِنَّ مَن في الدُّنيا ضَيْفٌ، وَمَا في يَدِهِ عَاريَّةٌ، وإنَّ الضَّيْفَ مُرْتَحِلٌ، والعَارِيةُ مَرْدُودَةٌ، والدُّنيا عَرَضٌ حَاضِرٌ، يَأْكُلُ مِنْها البَرُّ والفَاجِرُ، والدُّنيا مُبغَّضَةٌ لأَوْلِياءِ الله، مُحَبَّبةٌ لأَهْلِها فَمَنْ شَارَكَهم في مَحْبُوبهم أَبْغَضُوهُ" (١).
فأرشدَ الشَّارعُ السَّائِلَ إلى تَرْكِها بالزُّهدِ فيها، ووعده على ذلك بِحُبِّ الله له -وهو رضاه عنه- فإنَّ محبتَهُ لهم رِضَاهُ عنهم، وأرشده إلى الزُّهد فيما في أَيْدِي الناس إن أرادَ مَحَبَّة الناس له، والكل حب الدنيا؛ فليس في أيدي الناس شيء يتباغضون ويتنافسون [عليه] (٢) إلَّا الدنيا، وقد قال ﵊: "مَنْ كانتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ: جَمَعَ اللهُ شَمْلَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ في قَلْبهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنيا وهي رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كانَت الدُّنيا هَمَّهُ: شَتَّتَ اللهُ شَمْلهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بينَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتهِ مِن الدُّنيا إلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ" (٣)، والسَّعيد من اختارَ باقِيةً يَدُومُ نَعِيمُها، على بالِيَةٍ لا يَنْفَدُ عَذَابها.
قال بعضهم: "ووجه كون الزهد في الدنيا سببًا لمحبة الله؛ أنه تعالى يُحِبُّ مَن أطاعه، ويبغِضُ مَن عصاهُ، والطَّاعةُ مع المحبة للدنيا مِمَّا لا يجتمع، وقد
_________________
(١) ذكر قطعة منه العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ١٢٨ رقم ٢٠٠٤) ونقل قول السيوطي بعده حيث قال: "لم أقف عليه مرفوعًا".
(٢) زيادة مني يقتضيها السياق.
(٣) رواه هناد في "الزهد" (٢/ ٣٥٥ رقم ٦٦٩)، ووكيع في "الزهد" (٢/ ٦٣٨ رقم ٣٥٩)، والترمذي (٤/ ٢٥٢ رقم ٢٤٦٥)، والطبراني في "الأوسط" (٦/ ١٢٣ رقم ٥٩٩٠)، (٨/ ٣٦٤ رقم ٨٨٨٢)، والحارث في مسنده "بغية الباحث" (٢/ ٩٨٢ رقم ١٠٩٢) عن أنس بن مالك - ﵁ -. وقد صححه الألباني في "سلسلته" (٢/ ٦٧٠ رقم ٩٤٩).
[ ٣٦٨ ]
سلف أن حبها خطيئة، والله لا يحب الخطايا ولا أهلها، ولأن الدنيا لعب ولهو وزينة، والله لا يُحِبُّ ذلك؛ ولأنَّ القلبَ بيت الرَّب، والله وحده لا شريكَ له، ولا يُحِبُّ أن يُشرك به في بيتهِ حب الدنيا ولا غيرها.
وبالجملة: فمُحِبُّ الدنيا مبغوضٌ عِندَ الله؛ فالزَّاهد فيها الرَّاغِبُ عنها محبوبٌ له، ومحبة الدنيا المكروهة هي إيثارها لقضاء شهوات النفس وأوطارها؛ لأن ذلك شغل عن الله، أما محبتها لفعل الخير وتقديم الأجر بها عند الله ونحو ذلك فهو عبادة؛ لقوله -﵊-: "نِعْمَ المَالُ الصَّالِحُ مع الرَّجل الصَّالِح، يَصِلُ بهِ رَحِمًا، وَيَصْنعُ بهِ مَعْرُوفًا" (١) أو كما قال.
وفي الأثر: "إذا كان يوم القِيامَة جمع الله الذَّهَب والفِضَّة كالجَبَلَيْنِ العَظِيمَيْن، ثم يقولُ: هذا مَالنا عَادَ إلَيْنَا؛ سَعِدَ بهِ قَوْم وشَقِي به آخرون" (٢).
ووجه كون الزهد فيما عَند الناس سببًا لمحبَّةِ الناس؛ فلأنَّ الناس يتهافَتُونَ على الدُّنيا بطِبَاعهم "إذ الدُّنيا مِيتَةٌ، والناس كِلابها؛ فمن زاحمهم عليها أَبْغَضُوهُ، ومَنْ زَهدَ فيها وَوَفَّرَها عليهم أَحَبُّوهُ، وقد سلف طرفٌ من ذلك.
وللشَّافعي - ﵁ - (٣):
ومَن يَذُقِ الدُّنيا فإني طَعِمْتُهَا وسِيقَ إِلَيْنَا عَذْبُها وعَذَابُها
_________________
(١) رواه أحمد (٢٩/ ٢٩٨ رقم ١٧٧٦٣، ١٧٧٦٤)، والبخاري في "الأدب المفرد" (١٠٧ رقم ٢٩٩)، وابن حبان (٨/ ٦ رقم ٣٢١٠)، وابن قانع في "معجم الصحابة" (٢/ ٢١٣ رقم ٧١٦)، والطبراني في "الأوسط" (٩/ ٢٢ رقم ٩٠١٢)، والحاكم (٢/ ٢، ٢٣٦)، والقضاعي (٢/ ٢٥٩ رقم ١٣١٥)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٤/ ١٩٨٩ رقم ٤٩٩٥)، والبيهقي في "الشعب" (٢/ ٤٤٦ رقم ١١٩٠) من حديث عمرو بن العاص - ﵁ -. والحديث صححه الحاكم والألباني.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) ينظر: "ديوان الشافعي" (٢١ - ٢٢).
[ ٣٦٩ ]
فما هي إلَّا جِيفةٌ مُسْتَحِيلةٌ عليها كِلابٌ هَمُّهُنَّ اجتِذَابُها
فإن تَجْتَنِبْها كُنْتَ سِلْمًا لأَهْلِهَا وإن تَجْتَذِبْهَا نَازَعَتْكَ كِلَابُها (١)
ولا تبعدُ محبة الجن أيضًا له، إذ لفظ الناس يشمله.
خامسها: "الزهد" -لغة-: الإعراض عن الشيء لاستقلاله واحتقارهِ وارتفاع الهِمَّة عنه، مأخوذٌ مِن قولهم: شيء زهيد؛ أي: قليل. وفي الحديث: "إنك لزهيد" (٢).
والمختار في حده أنه استصغار الدنيا واحتقارها: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء: ٧٧]، ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٢٤] الآية، ويكفيه منها زاد الراكب، والإقبال على المراقب، فشخصه في الأشباح، وروحه مع الآخرة في الأرواح.
وحكى الحارث المحاسبي -﵀- فيما يزهد فيه ثلاثة أقوال: الحياة أو النقد أو متعلقات البدن، كالأكل واللبس، والظاهر أن دنيا كلِّ إنسانٍ على حَسب حاله، وقد قال حارِثةُ للشارع: "أَصْبَحْتُ مؤمنًا حقًّا! فقال له: إِنَّ لِكُلِّ حَقٍّ حقيقةً؛ فما حقيقة إيمانك؟ قال: عَزَفَتْ نفسي عن الدنيا؛ فاستوى عندي حَجَرها ومَدَرها، وكأني أنظرُ إلى عَرْشِ رَبِّي بارزًا، وكأني أنظر إلى أهل الجنةِ في
_________________
(١) من قوله: "قال بعضهم" إلى هنا من كلام الطوفي في "التعيين" (٢٣١ - ٢٣٢).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٧/ ١٣٣ رقم ٣٢٧٨٩)، والترمذي (٥/ ٣٢٩ رقم ٣٣٠٠)، والنسائي في "الكبرى" (٧/ ٤٦٤ رقم ٨٤٨٤)، والبزار (٢/ ٢٥٨ رقم ٦٦٨)، وابن حبان (١٥/ ٣٩٠ رقم ٦٩٤١، ٦٩٤٢)، وعبد بن حميد (١/ ١٤١ رقم ٩٠)، وأبو يعلى (١/ ٣٢٢ رقم ٤٠٠). ومن حديث على - ﵁ -. قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب؛ إنما نعرفه من هذا الوجه". والحديث في إسناده على بن علقمة الأنماري، منكر الحديث، وقد ضعفه الألباني في "ضعيف الترمذي" (٦٥٢).
[ ٣٧٠ ]
الجنةِ يَتَنَعَّمُون، وإلى أهل النارِ في النارِ ينقمون. قال: "يا حارثة، عرفت فالزم" (١) هذا أو قريبًا منه.
خليليَّ لا واللهِ مَا أَنَا مِنكُما إذا علمٌ مِن آل ليلى بَدَا لِيَا
فمثل هذا تكون الدنيا له سجنًا، ومقامه فيها هَمًّا وغمًّا "كما قال -﵊-: "الدُّنْيَا سِجْنُ المؤمنِ وجَنَّةُ الكافِرِ" (٢).
* * *
فصلٌ
والزهد في الحرام واجب، وهو زهد العوام، وفيما عدا الضروريات من أداء المباحات -وهو المراد من هذا الحديث ظاهرًا- وهو زهد الخواص العارفين بالله، والزهد في الشبهات الظاهر وجوبه؛ لأنه قد يوقع في الحرام كما سلف، واجتناب الحرام واجب، والزهد فيما سوى الله من دنيا وجنة وغير ذلك، وقصد صاحب هذا الوصول إلى الرب تعالى والتقرب منه.
_________________
(١) رواه عبد الرزاق (١١/ ١٢٩ رقم ٢٠١١٤)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (١٥/ ٦٢٢ رقم ٣١٠٦٤)، و"الإيمان" (٤٣ رقم ١١٥)، وعبد بن حميد (١/ ٤٠٦ رقم ٤٤٤)، والطبراني في "الكبير" (٣/ ٢٦٦ رقم ٣٣٦٧)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٢/ ٧٧٧ رقم ٢٠٦٩)، والبيهقي في "الشعب" (١٣/ ١٥٨ رقم ١٠١٠٦)، و"الزهد الكبير" (٣٧٠ رقم ٩٧١)، والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٦/ ٢٣٢ رقم ١٤٢٠) عن الحارث بن مالك الأنصاري - ﵁ -. وهو ضعيفٌ جدًّا. انظر: "الإصابة" لابن حجر (١/ ٢٨٩)، و"مجمع الزوائد" للهيثمي (١/ ٥٧).
(٢) رواه مسلم (٤/ ٢٢٧٢ رقم ٢٩٥٦) عن أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٣٧١ ]
فصلٌ
والمزهود من أجله الباعث على الزهد، والذي يكون عنه الزهد خمسة أشياء:
الدنيا؛ لأنها فانية شاغلة عن التفكر النافع.
ولأنها تنقص عند الله درجات مَن رَكَنَ إليها.
ولأن تركها قُربةٌ مِن الله، وعلو مَرْتبةٍ عنده منه في درجات الجنة.
وطول الحبس والوقوف للحساب، والسؤال عن شكر النعمة.
ورضوان الله، والأمن من سخطه -وهو أكبرها- ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢]، وهو الغاية (١).
وقيل: من سمي باسم "الزاهد" فقد سمي بالقاسم ممدوح بهذا مع تعجله الراحة دنيا وأخرى؛ فَهُمُ الملوك حقيقة:
إن الزهاد في روح وراحةٍ قلوبُهم عن الدنيا مُرَاحَه
إذا أبصرتهم أبصرت قومًا ملوك الأرض شِيمَتُهُم سماحه
وهم العقلاء؛ لإيثارهم الباقي على الفاني.
قال الشافعي -﵀-: "لو أَوْصَى لأَعقلِ الناسِ صُرِفَ لهم" (٢).
_________________
(١) انظر: "الجامع من المقدمات" لابن رشد (١٨٦ - ١٨٧) لأنه من كلامه كما في "المنهج المبين" للفاكهاني (٤٦٨).
(٢) رواه البيهقي في "مناقب الشافعي" (٢/ ١٨٣)، وذكره الذهبي في "السير" (١٠/ ٩٨)، وابن جماعة في "تذكرة السامع والمتكلم" (٤٦)، والغزي العامري (ت: ٩٨٤ هـ) في "الدر النضيد في أدب المفيد والمستفيد" (١٣٥).
[ ٣٧٢ ]
وشتَّان مَن شغَلَتهُ الدُّنيا أو اشتَغَلَ بالله:
تَشَاغَلَ قومٌ بدنياهمُ وقوم تخلوا لمولاهمُ
فأَلزَمَهُم بابَ مرضاته وعن سائر الناس أغناهمُ
* * *
[ ٣٧٣ ]