عن أبي عمرو -وقيل: أبي عَمْرَةَ- سفْيان بن عبد الله - ﵁ - قال: قُلْتُ: يا رَسولَ الله! قُلْ لي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أَسْأل عنهُ أَحَدًا غَيْرَكَ.
قال: "قُلْ آمنْتُ باللهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ".
رواه مُسْلِمٌ (١).
* * *
الكلام عليه مِن وُجوهٍ:
أحدهما: في التَّعريفِ بِرَاويهِ:
وفي كُنيَتهِ قولان -كَمَا ذَكَرَ- أبو عمرو: بالواو، وأبو عَمْرَةَ: با لهاء، وهو ثَقَفي طائفي، وليَ الطَّائِفَ لِعُمَر، روى له: "م"، ["س"، "ق"] (٢) هذا الحديث، وليسَ لهُ عِندَهم غيره، وحديثٌ آخر عند "س" في "اللقطة" (٣)، وسفيان سِينُهُ مُثَلَّثَةٌ (٤).
ثانيها: وهو مِن جوامِعِ كَلِمِه، كما قال القاضي (٥).
_________________
(١) (١/ ٦٥ رقم ٦٢).
(٢) في الأصل: "سر، في ". والصواب ما أثبتناه، ويعني: النسائي وابن ماجه، ولا أعلم أن المؤلف كان يرمز لهما بما أثبته الناسخ.
(٣) انظر: "السنن الكبرى" للنَّسائي (٥/ ٣٤٨ رقم ٥٧٨٧، ٥٧٨٨).
(٤) انظر ترجمته في: "تهذيب الكمال" (١١/ ١٦٩)، و"الإصابة" (٢/ ٥٣).
(٥) "إكمال المعلم" (١/ ٢٧٥).
[ ٢٦٣ ]
أي: "استَقِمْ كَمَا أُمِرتَ" مُمْتَثِلًا أَمْرَهُ، ومُجْتَنِبًا نَهْيَهُ، وهو مُطَابق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] أي: لم يَحِيدُوا عن توحيدهِ، والتَزَموا طاعتهُ إلى أنْ تُوُفُّوا عليه، كما قال عُمَر: "اسْتَقَاموا لله على طاعَتهِ، ولَمْ يَرُوغوا رَوَغَانَ الثعلب" (١).
فقوله: "آمنْتُ بالله" هو بمعنى: ﴿قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [فصلت: ٣٠] إذْ لا يعتقد ربوبيته إلَّا مَن آمَنَ به، وهو على اختصاره مِن أجمَعِ الأحاديث لأصول الإسلام، إذِ الإسلامُ توحيدٌ وطاعةٌ، فالتوحيد حاصِل بـ "آمنتُ بالله" (٢).
والطاعة حاصِلةٌ بالاستقامة، إذ هي: امْتِثالُ كلّ مأمُور، واجتناب كُلِّ محظور، ويدخلُ فيه أعمال القلوب والأبدان مِن الإيمان والإسلام والإحسان (٣).
وفي التنزيل: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: ٦]. وفي الحديث: "شَيَّبَتْنِي هودٌ وأَخَوَاتها" (٤). وشَيَّبَهُ أَنَّ فيها: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] وهي: كلِمَةٌ جامِعَةٌ لجميع أنواع التكاليف.
قال ابن عباس: "مَا نَزَلَ على رسول الله - ﷺ - في جميع القرآن آيةٌ كانت أشَدَّ
_________________
(١) رواه ابن المبارك في "الزُّهد" (١/ ١١٠ رقم ٣٢٥)، وأحمد في "الزهد" (١١٥)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٣).
(٢) وجاء في تفسيرها عن الصِّديق الأكبر أبي بكر - ﵁ - أنه قال: "لم يُشْرِكوا باللهِ شيئًا". رواه ابن المبارك في "الزهد" (١/ ١١٠ رقم ٣٢٦)، وأبو داود في "الزهد" (٥٩ رقم ٣٩)، وابن سعد في "الطبقات" (٦/ ٨٤)، والطبري في "تفسيره" (٢٤/ ٧٣).
(٣) قال الحافظ ابن رجب في "جامع العلوم" (١/ ٥١٠): "الاستقامة: هي سلوك الطِّراط المستقيم، من غير تعريج عنهُ يَمْنةً ولا يَسْرَةً، ويَشْمَلُ ذلك فعل الطاعات كلها، الظاهرة والباطنة، وتَرْكِ المَنْهِيَّات كلها. فصارَت هذه الوَصِيَّة جامِعةً لِخِصال الدِّين كُلِّها".
(٤) رواه الترمذي في "الشمائل" (٥٤ رقم ٤٢)، وأبو يعلى (٢/ ١٨٤ رقم ٨٨٠)، والطبراني في "الكبير" (١٧/ ٢٨٦ رقم ٧٩٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٣٥٠) عن أبي جُحيفة - ﵁ -. والحديث صححه الألباني بشواهده. انظر: "الصحيحة" (٢/ ٧٦ رقم ٩٥٥).
[ ٢٦٤ ]
ولا أشقَّ عليه من هذه الآية" (١). فلذلكَ قال مَا قال.
قال القُشيري - ﵀ -: "الاستقامة: درجة بها (٢) كمال الأمور وتمامها، وبوجودِها (٣) حصول الخيرات ونظامها، ومَن لمْ يكن مُسْتَقيمًا في حالته ضاعَ سَعْيُهُ وخابَ جدُّه (٤).
وقيل: الاستقامة لا يُطيقُها إلَّا الأكابر؛ لأنَّها خروج عن المَعْهُودات، ومفارقةُ الرُّسوم والعادات، والقِيامُ بينَ يدي الله تعالى بالصِّدق (٥)، ولذلِكَ قال -﵊-: "اسْتَقِيمُوا ولَنْ تُحْصُوا" (٦).
وقال الواسطي: "هي الخصلة التي بها كَمُلت المَحَاسِن" (٧).
ثالثها: معنى قوله: "قُل لي في الإسلام" أي: في دِينِهِ وشَريعَتِهِ.
وقوله: "لا أَسْألُ عنهُ أحَدًا غيرَكَ" أي: جامِعًا لِمَعاني الإسلام، واضِحًا في نفسهِ بحيث لا يحتاج إلى تفسير غيركَ، كافيًا لا أحتاج إلى سؤال غيرك، وهو
_________________
(١) ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (١١/ ٢٢٤)، والنووي في "شرح مسلم" (٢/ ٣٦٨).
(٢) في الأصل: "أوجهها" وهو تحريف من الناسخ، والتصويب من "الرسالة" للقشيري.
(٣) في الأصل: "وجودها" وزيادة حرف الباء من "الرسالة".
(٤) في الرسالة: "جهده".
(٥) في الرسالة: "تعالى على حقيقة الصدق".
(٦) رواه أحمد (٣٧/ ٦٠ رقم ٢٢٣٧٨)، والطيالسي (٢/ ٣٣٦ رقم ١٠٨٩)، والدارمي (١/ ٥١٩ رقم ٦٨١)، والروياني (١/ ٤٠٤ رقم ٦١٤ - ٦١٦) كلهم في مسانيدهم، ورواه الطبراني في "الكبير" (٢/ ١٠١ رقم ١٤٤٤)، و"الأوسط" (٧/ ١١٦ رقم ٧٠١٩)، و"الصغير" (١/ ٢٧ رقم ٨، ١٠١١)، و"مسند الشاميين" (٢/ ٢٧٧ رقم ١٣٣٥)، والحاكم (١/ ١٣٠)، والبيهقي في "الكبرى" (١/ ٨٢، ٤٥٧) من حديث ثوبان - ﵁ -. وصححه الحاكم، والألباني في "صحيح الترغيب" (١/ ١٩٨ رقم ١٩٧).
(٧) "الرسالة" للقشيري (٣٥٦ - ٣٥٧) باختصار.
[ ٢٦٥ ]
نحوٌ مِمَّا سبقَ في قوله: "لا تغضَب" (١).
رابعها: هذا الجواب دالٌّ على أنه -﵊- أوتيَ جوامِعَ الكَلِم، واختُصِرَ له الكلامُ اختصارًا، كما يُمْدَحُ به -﵊-، فإنَّهُ جَمَعَ لهذا السائل في هاتَيْن الكلمتَيْن معاني الإسلام والإيمان كلها، كما أسلفناه.
خامِسُها: زاد التِّرمذيُّ في هذا الحديث زيادةً مُهِمَّة: "قلتُ: يا رسولَ الله! ما أَخْوَفُ ما تَخَافُ عليَّ؟ فأَخَذَ بِلِسانِ نفْسِهِ ثم قال: هذا". "حديثٌ حسنٌ صحيح" (٢).
* * *
_________________
(١) تقدَّم تخريجه، وهو "الحديث السادس عشر" من "الأربعين".
(٢) (٤/ ٢١٠ رقم ٢٤١٠).
[ ٢٦٦ ]