عن أُمِّ المُؤْمِنِين أُمِّ عبدِ اللهِ عائِشةَ - ﵂ - قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنا هَذا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهوَ ردٌّ".
رواهُ البُخَاريُّ وَمُسْلِمٌ (١).
وفي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عليهِ أَمْرُنا فَهوَ ردٌّ" (٢).
* * *
الكلامُ عليه مِن وُجُوه:
أحدها: في التَّعريف بِراوِيه، وهي الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق، الحَبيبَةُ بنت الحبيب، عائشة بنت أبي بكر -عبد الله بن أبي قُحافة عثمان-، كُنيت بابن أُختِها عبد الله بن الزُّبير، رُوي أنها قالت: "يا رسول الله! كُلُّ نِسَائِكَ لهُنَّ كُنى إلَّا أَنَا". فقال: "اكْتَنِي بابن أُختُكِ عبد الله" (٣). وأَبْعَدَ مَن قال بِسِقطٍ لها.
_________________
(١) رواه البخاري (٣/ ١٨٤ رقم ٢٦٩٧)، ومسلم (٣/ ١٣٤٣ رقم ١٧١٨)، وأبو داود (٥/ ١٢ رقم ٤٦٠٦)، وابن ماجه (١/ ٧ رقم ١٤)، وأحمد (٤٣/ ١٥٧ رقم ٢٦٠٣٣).
(٢) (٣/ ١٣٤٣ - ١٣٤٤ رقم ١٨/ ١٧١٨).
(٣) رواه البخاري في "الأدب المفرد" (٢٩٧ رقم ٨٥٠، ٨٥١)، وأبو داود (٥/ ١٥٩ رقم ٤٩٧٠)، وأحمد (٤٢/ ٩٩ رقم ٢٥١٨١، ٢٥٥٣٠، ٢٥٥٣١)، وعبد الرزاق في "المصنّف" (١١/ ٤٢ رقم ١٩٨٥٧)، والطبراني في "الكبير" (٢٣/ ١٨ رقم ٣٥)، والبغوي في "شرح السنة" (١٢/ ٣٤٨ رقم ٣٣٧٩). وصححه الألباني في "الأدب"، و"السلسلة الصحيحة" (١/ ٢٠٥ رقم ١٣٢).
[ ١٥١ ]
تَزَوَّجَها -﵊- قبلَ الهِجرة، وبَنَى بها بعدَ وقعةِ بدرٍ في السَّنَة الثانية، وقيل: في الأولى.
وماتت بعدَ الخمسين عن نيِّف وستين سنة (١).
وقولهم في عائشة وغيرها مِنْ أَزْواجِهِ: "أُمُّ المُؤْمنِين" أي: في الاحترام والتوقير، لا في الخَلْوَة، والمُسَافَرة، وحُرمَةِ نِكاح بناتِهِنَّ، ولا النظر، وقد أشبَعتُ الكلام علي ذلكَ في "شرح صحيح البخاري"، و"الخصائص" فليراجع منهما (٢).
ثانيها: معنى "أحْدَثَ" أتَى بِأَمْرٍ حَادِثٍ.
و"أَمْرُنا": دِينُنَا وشَرْعُنا، ويُطْلَق على الشأن، وجَمْعُهُ: أمورٌ، ومِنْهُ: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] أي: مَا شأنهُ، ويُطْلَق ويُرادُ بهِ مَصْدَر: أَمَرَ، وجَمعهُ: أوامِر.
و"مَا لَيْسَ مِنْهُ" أي: لا يستَنِدُ إلى شيءٍ مِن أدلةِ الشَّرع.
فأَمَّا تفريع الأصول التي هي مِنهُ فإنَّ ذلكَ لا يتناوله هذا الردُّ: كَكِتابةِ القُرآن في المَصاحِف، وتحرير المَذَاهب، وكتب النَّحو، والحِساب والفَرائض وغيرها مِن العلوم.
"فهوَ ردٌّ" أي: مَرْدُودٌ عليه، غير مقبول منه ولا نُجِيزه، كالخَلْق بمعنى المخلوق، و"نَسجُ اليَمَن" أي: منسُوجه، ومنهُ الحديث: "الغَنَمُ والوَلِيدَةُ ردٌّ
_________________
(١) انظر في ترجمة أم المؤمنين - ﵂ -: "تهذيب الكمال" (٣٥/ ٢٢٧)، و"السير" (٢/ ١٣٥ - ٢٠١).
(٢) انظر: "غاية السُّول في خصائص الرسول - ﷺ -) للمؤلف (٢٤٨ - ٢٥١).
[ ١٥٢ ]
عليكَ" (١). أي: مردود؛ فمعناه: أنهُ باطِلٌ غير معتدٍّ به.
وقوله: "ليسَ عليهِ أَمْرُنَا" أي: لا يَرْجعُ إلى دَليلِ شرعنا، كما سَلَفَ.
الثالث: هذا الحديث قاعِدَةٌ عَظِيمةٌ مِن أعظَمِ قَواعِدِ الدِّين، وأعمَّها نفعًا، وينبَغِي حِفْظُهُ وإشاعَتُهُ واستعمالُه في إبطالِ المُنْكَرات، وهوَ مِن جَوامِعِ كَلِمِهِ الذي أوتيها -عليه أفضَلُ الصلاة والسَّلام-، وذلِكَ أنهُ صَريحٌ في ردِّ كُلِّ بِدْعَةٍ، وكلِّ مُخْتَرَعٍ مِمَّا لا يُوافِقُ قَواعِد الشَّريعة (٢).
ورِوايَةُ مُسْلمٍ: "عَمَلًا" حَسَنةٌ، وهي الثَّابتة، وذلِكَ أَنَّهُ قَدْ يُعانِدُ بعضُ الفَاعِلين بدعة سُبِقَ إليها؛ فإذا احتُجَّ عليه بالحَديث، يقول: أنا ما أَحْدَثتُ شيئًا! فَيُردُّ عليه بالرِّواية الأخرى "مَنْ عَمِلَ" وكُلُّهُ صريح في ردِّ المُحْدَثَات؛ سواءٌ أحْدَثَها هو أو غيره، فكلُّ مَا خَرجَ على الشَّرع باطِلٌ لا عِبْرَةَ بهِ، فكُلُّ دليلٍ نافٍ لحكم ما ليسَ مِن شرعنا وليسَ عليهِ أَمْرُنا، وعُدَّ مِنَ المَنْهِيَّات: الطَّهارة بماء حرام أو نجسٍ، والصلاةُ بغير نيَّةٍ، وبدون استقبال القِبلة وباقي الشرائط، والصوم بغير نِيَّةٍ، والحج كذلكَ، والبيوع المنهي عنها: كالغرر، والنَّجش.
والأنكِحة: كالشِّغار، والمُتعةِ.
والتخصيصات أمرٌ شرعي (٣).
_________________
(١) رواه البخاري (٣/ ١٩١ رقم ٢٧٢٤ وانظر أطرافه في ٢٣١٤)، ومسلم (٣/ ١٣٢٤ رقم ١٦٩٧) عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجُهَني - ﵁ -.
(٢) انظر: "شرح النووي لمسلم" (١٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨).
(٣) يعني: تخصيص بعض أوامر الشَّرع العامة بدليلٍ أمرٌ شرعيٌّ، وإن لم يكن ثمَّة دليل فالتخصيص باطِلٌ. انظر: "التعيين" (٩٤).
[ ١٥٣ ]
ووِلايةُ خالدٍ في مؤتة (١) كانت مِن المصالح العامة، وسُرَّ الشَّارعُ بذلِكَ وَمَدَحَهُ.
ثمَّ الحديث دالٌّ علي أنَّ النَّهيَ يقتضي الفَسادَ -أيضًا- (٢).
والله أعلم (٣).
* * *
_________________
(١) كلام المؤلف هذا جواب على اعتراض صورته: أن خالد بن الوليد - ﵁ - تأَمَّر يوم مؤته -بعد استشهاد الأمراء الثلاثة- علي الجيش من غير إمرةٍ، وهي ولاية ليسَ عليها أمرُ الشرع وصَحَّت؟! وقد أجاب المؤلف بما قد رَأَيتَ. وانظر: "التعيين في شرح الأربعين" للطوفي (٩٤).
(٢) قال المؤلف في "الإعلام" (١٠/ ١١) في ذِكْر فوائد هذا الحديث: "الثالثة: أنَّ النَّهيَ يقتضي الفساد؛ لانَّهُ اخبَر أنَّ كُلَّ ما أُحدِث مما ليسَ مِن الدين فهو ردٌّ. والمنهيات كلها ليست من أَمْرِه، فيَجِبُ ردُّها. ومن قال لا يقتضيه أجاب بأنَّهُ خبرُ واحد! فلا يكفي في إثبات هذه القاعِدة المُهِمَّة، وهو جوابٌ فاسِدٌ. نعم قد يقع الغلطُ في بعض المواضع لبعض الناس فيما يقتضيه الحديث من الرد، فإِنَّهُ قد يتعارض أمران فَيُنْتَقَلُ مِن أحدهما إلى الآخر، ويكون العمل بالحديث في أحدهما كافيًا، ويقع الحكم به في الآخر في محل النزاع، فللخصم أن يمنع دلالته عليه، فينبغي أن تنتبه لذلك".
(٣) انظر شرح المؤلف لهذا الحديث في "الإعلام" (١٠/ ٩ - ١١).
[ ١٥٤ ]