عن أبي هريرة - ﵁ -، عن رسولِ اللهِ - ﷺ - قال: "مَنْ كانَ يُؤْمنُ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ، ومَنْ كانَ يُؤْمنُ باللهِ واليَوْمِ الاخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، ومَنْ كانَ يُؤْمنُ باللهِ واليَوْمِ الاخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ".
رواه البُخَاريُ ومُسْلِم (١).
* * *
الكلام عليهِ مِن وُجوه:
وراوِيهِ سَلَفَ التَّعْرِيفُ به.
وهو حديث عظيم، وجِماعُ آدابِ الخيرِ تَتَفَرَّعُ مِنْهُ، ومِن حديث: "مِن حُسْنِ إسلامِ المرءِ تركُهُ مَا لا يَعْنيه"، وحديث: "لا تَغْضَب"، وحديث: "حتَّى يُحب لأخيه ما يُحِبُّ لنفسِهِ" كما نبَّهَ عليه ابن أبي زيد القيرواني -﵀- (٢).
أحدها: سُمِّي "اليوم الآخر"؛ لأنَّه لا لَيْلَ بَعْدَهُ، ولا يُسَمَّى يومًا إلَّا مَا عَقِبه ليلٌ.
_________________
(١) رواه أحمد (١٣/ ٦٤ رقم ٧٦٢٦)، والبخاري (٨/ ١٠٠ رقم ٦٤٧٥ وأطرافه ٥١٨٥)، ومسلم (١/ ٦٨ رقم ٤٧)، وأبو داود (٥/ ٢٢٥ رقم ٥١٥٤)، والترمذي (٤/ ٢٧٤ رقم ٢٥٠٠)، والنَّسائيُّ في "الكبرى" (١٠/ ٣٨١ رقم ١١٧٨٢، ١١٧٨٣)، وابن ماجه (٢/ ١٣١٣ رقم ٣٩٧١)، من طرق عن أبي هريرة - ﵁ -، وهو عند بعضهم مختصرًا.
(٢) ذكره عنه ابن الصَّلاح في "صيانة مسلم" (٢٠٤ - ٢٠٥)، والنووي في "شرح مسلم" (٢/ ٣٧٩)، وابن رجب في "جامع العلوم" (١/ ٢٨٨).
[ ٢١٤ ]
و"يَصْمُت" بِضمِّ الميم، قال أهل اللغة: صَمتَ يَصْمُتُ -بضمِّ الميم- صَمْتًا وَصموتًا وَصُمَاتًا، أي: سَكَتَ.
قال الجوهري: "ويُقال: أَصْمتَ بِمَعنَى: صَمَتَ، والصمْتُ: السكُوتُ. والتَّصْميتُ -أيضًا- التَسْكِيتُ" (١).
وادَّعَى بعضُهُم أَنَّهُ سَمِعَهُ بالكسر مُضارِعًا نحو: ضربَ يَضرِبُ ضربًا (٢).
ويفعل -بضمِّ العين- فيه دخل، كما نصَّ عليه ابن جِنِّي في "خصائصه" (٣).
وحقيقةُ "الصَّمت": السُّكوتُ مع القُدْرَةِ على النُّطقِ، فإنَّ تَوَقَّف فيه فهو العِي، وإن فَسَدَتْ آلةُ النطق فهو الخَرَسُ.
واللام في: "لِيَقُل"، و"لِيَصْمُت"، و"ليُكْرِم": لام الأمر.
ثانيها: المُرادُ به كمال الإيمان، أو المبالغة في ذلك خَرَجَا على الاستجلاب عليها، أو من التَزَمَ شرائع الإسلام لَزِمَهُ ذلك وهو راجعٌ إلى تعريف حقوق ذلك، وقد صحَّ: "مَا زَالَ جِبريلُ يُوصِيني بالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أنَّهُ سَيُوَرِّثُه" (٤).
وبالغَ بعضهم فجعله كالشريك في إثبات الشُّفْعَةِ لهُ.
ثالثها: الحديث اشتمل على ثلاثِ خِصال عظِيمَةِ النَّفع:
أُولاهَا: قول الخير والسُّكوت عن الشَّرِّ؛ لأنَّ قولَ الخير غنيمةٌ تربح، والسكوت عن الشَّرِّ غنيمةٌ وسَلامةٌ مِن وُقوع في محذُورٍ، أو مكروهٍ، أو مُباح
_________________
(١) "الصحاح" (١/ ٢٥٦)، وقوله: "قال أهل اللغة " هو من قول الجوهري أيضًا.
(٢) المُدَّعي هو الطوفى في كتابه: "التعيين" (١٣٤).
(٣) انظر: "الخصائص" لابن جني (١/ ٣٧٦، ٣٨٠)
(٤) رواه البُخاريّ (٨/ ١٠ رقم ٦٠١٥)، ومسلم (٤/ ٢٠٢٥ رقم ٢٦٢٥) عن ابن عمر - ﵄ -.
[ ٢١٥ ]
خوفَ انجرارهِ إلى غيره، وتَرْكُهُ الغَنيمَةَ والسَّلامة ينافي حال المؤمن؛ إذْ لا أَمَانَ ولا إيمانَ لمن فاتَهُ ذلك، فللإنسان في كلامِهِ وسُكُوتِهِ رِبحان ينبغي تحصيلهما: كلام في خير، وسكوت عن شَرٍّ، وخَسَارَتان ينبغي تجنُّبهما: كلامٌ في شر، وسكوتٌ عن خيرٍ، وهذا راجعٌ إلى قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠].
وقوله -﵊-: "أَمْسِكْ عليْكَ لِسَانَكَ" (١)، "وهل يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على مَنَاخِرِهِمْ أو وُجُوهِهم إلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟! ".
وقوله: "كُلُّ كَلام ابنِ آدمَ عليه لَا لَهُ، إلَّا ذكْر اللهِ، أو أَمْرًا بمعروفٍ، أو نهيًا عن مُنْكَرٍ" (٢).
وقوله: "إنَّ الرَّجُلَ ليتكلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ الله ما يُلْقِي لها بالًا يَهوي بها في النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا" (٣)، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] ظاهِرُها يَشْمَلُ المباح أيضًا، وإن كان ابن عباس وغيره خصها بغيره.
_________________
(١) هذا والذي بعده جعلهما المؤلف حديثًا واحِدًا، والصّواب أنهما حديثان، أما هذا فهو من حديث عقبة بن عامر - ﵁ - قال: "قلتُ: يا رسولَ الله! ما النَّجاةُ؟ قال: أمسِك عليكَ لسانَكَ، ولْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وابكِ على خَطِيئَتِكَ". رواه التِّرمذيُّ (٤/ ٢٠٨ رقم ٢٤٠٦)، وأحمد (٢٨/ ٥٦٩ رقم ١٧٣٣٤، ١٧٤٥٢)، وابن المبارك في "الزهد" (٤٣ رقم ١٣٤)، وهناد في "الزهد" (١/ ٢٦٥ رقم ٤٦٠)، وابن أبي الدُّنيا في "الصمت" (١٧٥ رقم ٢)، و"العزلة" (٤٨ رقم ١)، وعبد الله في زوائد "الزهد" (١٥)، والطبراني في "الكبير" (١٧/ ٢٧٠ رقم ٧٤١، ٧٤٣)، وابن البُنا في "الرسالة المغنية" (٤٧ رقم ٩)، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٩)، والمستغفري في "فضائل القرآن" (٢/ ٧٣٦ رقم ١١٠١). وهو حديثٌ صحيحٌ، وقد حسَّنه التِّرمذيُّ، وصحح الألباني في "الصحيحة" (٢/ ٥٨١ رقم ٨٩٠)، و"صحيح الترغيب" (٣/ ٨٤). أَمَّا الذي بعده فهو قِطعةٌ من حديث معاذ سيأتي برقم (٢٩) في ضمن "الأربعين".
(٢) رواه التِّرمذيُّ (٤/ ٢١٢ رقم ٢٤١٢)، وابن ماجه (٢/ ١٣١٥ رقم ٣٩٧٤)، وأبو يعلى (١٣/ ٥٦ رقم ٧١٣٢، ٧١٣٤)، والحاكم (٢/ ٥١٢) من حديث أم حبيبة - ﵂ -، والحديث ضعيف فيه أم صالح مجهولة. وقد استغربه التِّرمذيُّ، وضعّفه الألباني. انظر: "ضعيف الترمذي" (٤٢٤).
(٣) رواه البُخاريّ (٨/ ١٠٠ - ١٠١ رقم ٦٤٧٧، ٦٤٧٨)، ومسلم (٤/ ٢٢٩٠ رقم ٢٩٨٨) عن أبي هريرة - ﵁ -. وليس فيه: "سبعين خريفًا". =
[ ٢١٦ ]
وما أكثر آفات اللسان أيها الإنسان؛ [إذ آفاته] (١) فوقَ العشرين آفة.
وما أحسنَ قولَ الشَّافعي -﵀-: "إذا أرادَ أنْ يَتَكَلم نظرَ؛ فإنَّ ظَهرَ لهُ أنَّهُ لا ضَرَرَ فيه تَكَلَّمَ، أو ظَهرَ لهُ فيهِ ضَرَرٌ -أو شَكَّ- أمسَكَ" (٢).
وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري -﵀-: "الصَّمتُ سلامةٌ -وهو الأصلُ- والسُّكُوتُ في وقتهِ: صفةُ الرجال، كما أنَّ النُّطْقَ في وقته مِنْ أَشْرَفِ الخصال.
وسَمِعتُ أبا عليّ الدَّقاق -﵀- يقول: "مَنْ سَكَتَ عنْ الحقِّ فهوَ شَيْطانٌ أخرسُ
قال: فأَمَّا إيثارُ (٣) أهل المُجاهدة السُّكوتَ: فَلِمَا عرفوا ما في الكلام من الآفات، ثُمَّ مَا فيهِ مِن حظِّ النَفس، وإظهار صفات المدحِ، والمَيْلِ إلى أنْ يتميَّز من بين أشكاله بِحُسْنِ النُّطق وغير هذا مِنَ الآفات، وذلك نعتُ أرباب الرياضة، وهو أحدُ أركانهم في حكم المنازلة وتهذيب الخلق (٤) " (٥).
_________________
(١) = وهذه اللفظة رواها: أحمد (١٢/ ١٤٩ رقم ٧٢١٥)، والترمذي (٤/ ١٤٦ رقم ٢٣١٤)، وابن حبان (١٣/ ١٣ رقم ٥٧٠٦)، والحاكم (٤/ ٥٩٧) عن أبي هريرة - ﵁ -. وهو حديث صحيح، صححه ابن حبان، والحاكم، والألباني في "الصحيحة" (٢/ ٦٧ رقم ٥٤٠).
(٢) بالأصل رسمت هكذا: "دقكـ"! واجتهدت في قراءتها فلم أصل إلى شيء، والمثبت من "الفتح المبين" لابن حجر المكيِّ (٣٢٠) فإنَّه نقل كلام المؤلف بمعناه، فهو كثير النقل عنه وعن غيره من غير عزو؟!
(٣) ذكره النووي في "شرح مسلم" (٢/ ٣٧٩).
(٤) في الأصل: "إتيان" والتصويب من "الرسالة" للقشيري، و"شرح النووي" (٢/ ٣٧٩)، وبعدها في الأصل: " .. والسكوت" وحذفنا الواو كما في "الرسالة" و"شرح النووي".
(٥) في الأصل: " .. وذلك لغير أرباب الرياضة، وهذا أركانهم في حكم .. "؟! والتصويب من "الرسالة".
(٦) "الرسالة" للقشيري (٢٢٦، ٢٢٨).
[ ٢١٧ ]
وقال الفضيل بن عياض: "مَن عدَّ كلامه مِن عمله قلَّ كلامه فيما لا يعنيه" (١).
وعن ذي النون -﵀-: "أَصوَنُ النَّاس لِنَفْسِهِ أَمْلَكُهُم لِلِسَانِهِ" (٢).
وفي صحف إبراهيم -﵊-: "مَنْ عدَّ كلامه من عمله قَلَّ كلامه". أو نحو هذا.
وفيها: "وعلي العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مُقْبِلًا على شأنهِ، حافِظًا للسانِهِ، وَمَنْ حسب كلامه من عمله قل كلامه". وغير ذلك (٣).
الثَّانية: إكرامُ الجار -وقد أسلفنا مَا صَحَّ فيه-، ومَقْصُودُهُ مَقْصُودُ الحديث السَّالِفِ: "لا يُؤْمنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" أعني: من الألفة والاجتماع، واتّفاق الكلمة، وضِدُّه منافٍ لذلك، وكانت الجاهلية تُشَدِّدُ أَمْرَ الجَارِ ومراعاته وحِفظِ حَقَهِ، وكان في الوصيَّة بإكرامه الرغبة في الإسلام، وهو راجعٌ إلى قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦].
قال ابن عباس وغيره: "الجَارُ القريب: النَّسيب، و﴿الْجُنُبِ﴾: الذي لا قَرَابَةَ بينَكَ وبَيْنَهُ" (٤).
وقيل: من ﴿الْقُرْبَى﴾: المسلم، و﴿الْجُنُبِ﴾: الذِّمِّي.
وقيل: ﴿الْقُرْبَى﴾: القريب السَّكن منكَ، و﴿الْجُنُبِ﴾ البَعِيدُهُ.
ثم الجار المُسْلِم له حقَّان، والقريب له ثلاثة، والكافر واحد.
_________________
(١) رواه القشيري في "الرسالة" (٢٣١).
(٢) المصدر السابق (٢٢٩).
(٣) تقدَّم تخريجه ص (١٩٦).
(٤) رواه الطبري في "تفسيره" (٨/ ٣٣٥ رقم ٩٤٣٧، ٩٤٣٨، ٩٤٤٧)، والبيهقيّ في "شعب الإيمان" (١٢/ ٨١ رقم ٩٠٧٩).
[ ٢١٨ ]
وحَد الجار عندنا أربعونَ دارًا مِن كُلِّ جانبٍ، وهو قوله الأوزاعي.
وقيل: مَنْ سَمِعَ الإقامَةَ فهو جار المسجد! وتَعَذَّرَ ذلك في الدُّور.
وقيل: مَن سمع الأَذان.
وقيل: مَن سَاكَنَ رجُلًا في محلّةٍ أو مدينة.
فائدة: المُجَاورة مَرَاتِب بعضها ألصَقُ من بعض، أدناها الزوجة، قال الأعشى:
أجارتنا بِيني فإنَّكِ طالِقَهْ (١)
ثم الجيرة: الخُلُط (٢) -بضمِّ الخاء واللام- جمع خليط.
الثالثة (٣): إكرامُ الضَّيفِ، وهو مِن أخلاق الأنبياء والصالحين وآداب الإسلام، وقد أوجبَ الضِّيافة ليلةً واحِدةً الليث بن سعد -﵀- عَمَلًا بقوله: "ليلةُ الضَّيْفِ حَقٌّ واجِب على كُلِّ مُسْلِمٍ" (٤).
وبقوله في حديث عُقْبَةَ: "إِنْ نَزَلْتم بِقَوْمٍ فأمَرُوا لَكُم بحَقِّ الضَيفِ فاقْبَلُوهُ، وإنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهم حَقَّ الضَّيْفِ الذي يَنبَغِي" (٥).
_________________
(١) صدر بيت له وعجزه: "كذاكَ أمورُ النَّاس غادٍ وطارقه". انظر: "ديوان الأعشى" مع شرح ثعلب "المصباح المنير في شرح أبي بصير -الأعشى-" (١٨٣).
(٢) في الأصل: "الخليط"! وتأتي مفردًا وجمعًا، لكن ليست مضمومةَ الخاء واللام كما ذَكَرَ المؤلف، والظَّاهِرُ أنَّ ما أثبتناه هو الصواب. انظر: "تهذيب اللغة" (٧/ ٢٣٨). والفائدة مأخوذة من "المنهج المبين" (٣١٦) وفيها كما أثبتناه.
(٣) في الأصل: "الثالث" والصواب ما أثبتناه.
(٤) رواه أحمد (٢٨/ ٤٠٩ رقم ١٧١٧٢)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٢٥٧ رقم ٧٤٤)، وأبو داود (٤/ ٨٤ رقم ٣٧٥٠)، وابن ماجه (٢/ ١٢١٢ رقم ٣٦٧٧)، والطيالسي (٢/ ٤٦٨ رقم ١٢٤٧) من حديث المقدام بن معد يكرب - ﵁ -. والحديث صححه الألباني في "الصحيحة" (٥/ ٢٣٩ رقم ٢٢٠٤).
(٥) رواه البُخاريّ (٣/ ١٣١ رقم ٢٤٦١)، ومسلم (٣/ ١٣٥ رقم ١٧٢٧) عن عُقبَةَ بن عامر - ﵁ -.
[ ٢١٩ ]
وحَمَلَهُ عامةُ الفقهاء على الأدب، وأَنَّها مِن مكارم الأخلاق، ومحاسن الدِّين، وقد قال -﵊-: " جائِزَتُهُ يومٌ ولَيْلَةٌ" (١)، والجائِزة: العَطِيَّة والمِنْحَة والصِّلة، وذلك لا يكون إلَّا مع الاختيار، وقلَّ استعمالها في الواجب، وقوله: "فليُكرم" يدلُّ عليه، وقد قَرَنَهُ بإكرام الجار.
وتأَوَّلوا الأحاديث على أنها كانت في أوَّل الإسلام، إذْ كانت المواساةُ واجبةً.
أَوْ كانَ ذلِكَ للمجاهدينَ في أَوَّلِ الإسلام لقِلَّةِ الأَزْوَادِ.
أو المُرادُ بهِ: مَن لَزِمَتْهُ الضيافة من أهل الذِّمةِ.
واخْتُلِفَ: هل الضيافة على الحاضر والبادي، أم على البادي فقط؟
فذهب الشَّافعي ومحمد بن عبد الحكم (٢) إلى الأُولى.
وقال مالك وسحنون بالثَّاني، وقد جاء في حديثٍ: "الضِّيافَةُ على أهلِ الوَبَرِ، وَلَيْسَتْ عَلَى أَهْلِ المَدَر" (٣) لكنَّهُ عندَ أهلِ المعرِفةِ موضوعٌ كَمَا نَقَلَهُ القَاضي، قال: "وقد تتعيَّن الضيافة لمن اجتاز مُحْتاجًا وخِيفَ عليه الهلاك، وعلى أهل الذِّمَّة إذا اشتُرِطَت عليهم" (٤).
_________________
(١) رواه البُخاريّ (٨/ ١١ رقم ٦٠١٩)، ومسلم (١/ ٦٩ رقم ٤٨) من حديث أبي شُريح الخُزَاعِي - ﵁ -.
(٢) في الأصل: "محمد بن الحسن"! والتصويب من "إكمال المُعْلِم" (١/ ٢٨٦)، و"المُفْهِم" (١/ ٢٣٠)، و"شرح النووي" (٢/ ٣٧٨)، و"المنهج المبين" (٣٢٠).
(٣) رواه ابن عدي في "الكامل" (١/ ٢٧٣)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١/ ١٩٠ رقم ٢٨٤) عن ابن عمر - ﵄ - من طريق إبراهيم بن عبد الله، وقد كذَّبه الدارقطني، وأحاديثه مناكير كما قال ابن عدي. انظر: "الميزان" (١/ ٤٢). والحديث كما ذكر المؤلف موضوعٌ، انظر: "السلسلة الضعيفة" (٢/ ٢٠٦ رقم ٧٩١).
(٤) "إكمال المُعْلِم" تأليفه (١/ ٢٨٦). وانظر: "المُغني" لابن قدامة (١٣/ ٣٥٢ - ٣٥٤).
[ ٢٢٠ ]
* تتمات:
إحداها: "الضَّيف": هو القادمُ على القومِ النازل بهم. ويُقال: ضيفٌ، للواحد والجمع، ويُجْمَعُ أيضًا على أضياف، وضيوف، وضِيفان، والمرأةُ ضيفٌ وضيفةٌ، وأَضَفتَ الرَّجُلَ، وضيَّفْتَهُ؛ إذا أنزَلْتَهُ بكَ، وضِفتُ (١) الرجُلَ ضيافة: إذا نَزَلتَ عليه، وكذلك تضيَّفته (٢).
ثانيتها: لا يَخْفَى استثناءُ المُكْرَه من هذا التَّجاوز عنه، فإذا أكْرِه على قولِ شرٍّ أو سُكُوتٍ عن خيرٍ أو شرٍّ، أو خافَ على نفسِهِ مِنْ قولِ خَيرٍ ونحوهِ مِمَّن خافَ مِن إنكار مُنْكَرٍ ونحوه فهو معذورٌ.
ثالثتها: الجارُ المُؤْذِي، والفاسِقُ، والمبتَدِعُ أو نحوهم: هل يُهانونَ رَدْعًا لهم عن فُجُورهم، أو يُكْرَمُون من حيثُ إنهم جارٌ، ويُهانون من حيث إنهم فُجَّارٌ؟ والكافر يُرْعى جِواره؛ فالفاسق ونحوه أولى، كما قال بعضهم في حديث: "في كُلِّ كبِدٍ حَرَّى أَجْرٌ" (٣): حتَّى الحيَّة والكلب العقور ونحوه يُطْعَم ويُسْقَى إذا اضطر إلى ذلك، ثم يُقتل. فيه نظرٌ واحتمال.
رابعها: فيهِ أنَّ إكرامَ الضَّيفِ عِبادَةٌ، ولا ينقضها ضيافة الأغنياء، ولا يُغيِّرها تقديم اليَسِير مِمَّا عندَهُ، فإكرامُهُ أنْ يُسارعَ إلى مؤانَسَتِهِ وإظهارِ البِشرِ لَهُ، وقد ذكرتُ أنواع الضيافات في "لغات المنهاج" فسارع إليه.
* * *
_________________
(١) في الأصل: "ضيفت" والتصويب من "المفهم". وانظر: "تهذيب اللغة" (١٢/ ٧٣، ٧٤).
(٢) انظر: "المفهم" (١/ ٢٢٩ - ٢٣٠).
(٣) رواه البُخاريّ (٣/ ١١١ رقم ٢٣٦٣)، ومسلم (٤/ ١٧٦١ رقم ٢٢٤٤) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٢٢١ ]