عن أبي ذر - ﵁ -: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قالوا للنَّبِيِّ - ﷺ -: يا رَسُولَ اللهِ! ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بالأُجُورِ، يُصلُّونَ كَمَا نُصَلِّى وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ.
قال: "أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهلِيلَةٍ صَدَقَةً، [وَأَمْرٌ] (١) بِالمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهيٌ عَنْ المُنْكَرِ صَدَقَة، وفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ".
قالوا: يا رسول الله! أَيَأْتي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فيها أَجْرٌ؟!
قال: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَها في حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ، فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَها في الحَلَالِ كانَ لَهُ أَجْرٌ".
رواه مسلم (٢).
* * *
الكلامُ عليه مِنْ وُجُوهٍ -ورَاوِيهِ سَلَفَ-:
أحَدها: "الأَصْحَابُ" جمعُ صَاحِبٍ، وهو من الصِّفات التي استُعْمِلَت
_________________
(١) في "الأصل": "والأمر". والمثبت من "صحيح مسلم"، ومتن "الأربعين"، وسيأتي ذكرها على الصواب في أثناء شرح المؤلف.
(٢) (٢/ ٦٩٧ رقم ١٠٠٦).
[ ٣٠٤ ]
استعمال الأسماء، والأكثر في جمعه: صحبان وصِحاب، وقالوا: أصحابه، وهو اسم للجمع لا جمع.
والصحابيُّ: كُلُّ مُسْلِمٍ رآه -عليه أفضل الصَّلاة والسلام- وَلَوْ سَاعَةً، هذا هو الأصح (١).
و"النبي": مَأْخُوذٌ مِن النَّبَأ الَّذي هو الخَبَر، لأَنَّهُ مُخْبِرٌ عن الله، أوْ مِنَ النَّبْوَة وهو الارتفاع؛ لِرِفْعَة مِقْدَارهم، والأوَّلُ بهمزة، ومَن لم يهمزه احتمل أن تكون من النبوة أو من النبأ علي التسهيل، وهي: اختِصاصُ العبدِ بالخطاب، واطِّلاعُه على الوَحْي، فإن زاد التَّبليغ فَرَسُولٌ، وإلَّا فَنَبِيٌّ فقط (٢).
و"الدُّثُور" -بضم الدال-: جمعُ دَثر -بفتحِها، ثُمَّ ثَاءٌ مُثَلثة-: المالُ الكثيرُ.
و"تَصَّدَّقُونَ": بتشديد الصاد والدال، ويجوز لغة تخفيف الصاد.
و"صدقة" بالرفع على الاستئناف، وبالنصب على أنَّ بِكُلِّ تَسبِيحَةٍ صدقة.
و"البُضْع" -بِضَمِّ الباء وإسكان الضَّاد المعجمة-: كِنَايَةٌ عن الجِماع إِذَا نَوَى بهِ العِبادة، وهو قَضَاءُ حَقِّ الزوجةِ، وطَلَبُ وَلَدٍ صَالِحٍ، وإِعْفَافُ النَّفسِ، وكَفُّها عن المحارم، وأصله: الآلَةُ ذَكَرًا كان أو فَرْجًا، ويصح إرادتهما هنا.
و"الوِزْرُ": الإثم.
وقوله: "كانَ لَهُ أَجْرٌ": هو مرفوعٌ، ويجوزُ نَصبُهُ، وقد رُوِيَ بهما.
وقولهم: "أَيَأْتي أَحَدُنا " إلى آخره: استِفْهَامُ مَن استَبْعَدَ حُصُولَ أَجْرٍ بفِعلٍ مُسْتَلَذّ؛ فإنه إنما يَقَعُ الأَجرُ في العِبادات المشقَّة على النُّفُوس المُخَالِفَةِ لها.
_________________
(١) انظر: "المقنع في علوم الحديث" للمؤلف (٢/ ٤٩٠ - ٤٩٢).
(٢) تقدّم الكلام على الفرق بين النبي والرسول ص (٣٨).
[ ٣٠٥ ]
ثانيها: يحتمل كما قال القاضي: "تسميتها: صدقة" أنَّ لها أَجْرًا [كَمَا للصَّدَقَةِ أَجْرٌ] (١) وأنَّ هذهِ الطَّاعَاتِ تُمَاثِلُ الصَّدَقَاتِ في الأجور، وسمَّاها صدقة على طريق المقابلة وتجنيس الكلام" (٢).
وقيل معناه: أنها صدقة علي نفسه، والأول أَظْهَر؛ فأَجْرُ التَّسبِيح وَمَا بعده كأجر الصيام وأجر الصلاة في الجنس؛ لأن الجميع صادِر عن مَرضَى الرَّبِّ تعالى مُكافأة على طاعته، أَمَّا في القَدْرِ والصِّفة فَتَتَفَاوَت بِتَفاوت الأعمال في مَقَادِيرها؛ فليس ثواب ركعتين، أو صوم يوم كثواب أربع ركعات، وصوم يومين، وليس ثوابُ عِتق رَقَبَةٍ نَفِيسَةٍ كَدُونِها.
فالمعنى: "بِكُلِّ تَسبيحَةٍ صَدَقَةً" ومَا بعده، أي: حسنةً كحسنةِ صدقة في الجنس؛ لأَنَّ الأعمال مُقَدَّرَةٌ بالحسنات بدليل: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] والحسنة صِفَةٌ (٣) في الأصل تستعمل في العمل وجزائه يُقال: عَمِلَ فُلانٌ حَسَنَةً، فَجَزَاؤُهُ حسنة، أي: عَمِلَ خَصلَةً فَجزاؤه خصلة حسنة ثانية من الله. والمراد لسببها؛ كقوله -﵊-: "في النَّفْسِ المُؤْمنَةِ: مِائَةٌ منَ الإِبِلِ" (٤) أي: بسبب قَتْلِها وجوب مائة.
_________________
(١) في "الأصل": "كهي". والمثبت من "الإكمال".
(٢) "إكمال المُعْلِم" (٣/ ٥٢٦).
(٣) في الأصل: "صدقة"، والتصويب من "التعيين" (١٩٥).
(٤) رواه لمالك في "الموطأ" (٢/ ٤١٧ رقم ٢٤٥٨)، والشافعي في "مسنده" (٢/ ١٠٨ رقم ٣٦٣)، وأبو داود في "المراسيل" (١٩٥ رقم ٩٤، ٩٥، ٩٦)، والنسائي في "الصغرى" (٨/ ٨٥ رقم ٤٨٥٣)، و"الكبرى" (٦/ ٣٧٣ رقم ٧٠٢٩ إلى ٧٠٣٣)، والدارمي (٣/ ١٥٣٠ رقم ٢٤١٠، ٢٤١١)، وابن حبان (١٤/ ٥٠١ رقم ٦٥٥٩)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٣٩٥ - ٣٩٧)، والبيهقي في "الكبرى" (٨/ ٨٠ - ٨١)، من حديث عمرو بن حزم - ﵁ - الطويل في الدِّيات. والحديث صحَّحه ابن عبد البر في "التمهيد" (١٧/ ٣٣٨)، والألباني في الإرواء (٧/ ٢٦٨، ٣٠٠ رقم ٢٢١٢، ٢٢٣٨) وغيرهم، وانظر في تخريجه: "البدر المنير" للمؤلف (٨/ ٣٧٧ - ٣٨٧). =
[ ٣٠٦ ]
وقيل: هي ظرف مجازًا، كَأَنَّ النفسَ لَمَّا ضُمِنت بمائة من الإبل صارت كالظرف لها (١).
و"التَّسْبِيحَةُ" هي قول: "سبحان الله".
و"التَّكْبِيرَةُ" قول: "الله أكبر". كـ"السَّبْحَلَة" ونحوها من المصادر.
ثالثها: قوله: "وأمرٌ بالمعروفِ صَدَقَةٌ، ونَهيٌ عن مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ" أشار به إلى ثبوت الصدقة في كل فَرْدٍ مِنهُمَا، ولهذا نَكَّرَهُ وساغ الابتداء بها؛ لكونها عاملة، ولا شكَّ أَنَّ التَّنكِير أبلغ بخِلاف مَا إذا عَرَّفَهُ لرجوعه إلى الجنس، وعرَّف "المعروف" لأصالته وبيانه وهما فرضَا كفاية؛ فنفعُهُما متَعَدٍّ أكثر من التسبيح والتحميد والتهليل، وَفَضَّلَها الجويني -إِمامُ الحرمين - (٢) على فرض العين من حيث سقوط الحرج عن الأمة أجمع (٣).
وحقيقةُ الصَّدَقة موجودةٌ فيه، لكونه ينفع باقي الناس بالأَدَاءِ عنهم، وأجر الفرض أكثر من أجر النفل بسبعين درجة، واستؤنس له بحديث -وصح-: "لَنْ يَتَقَرَّبَ إِلَيَّ المُتَقَرِّبُونَ بأَفْضَلَ مِمَّا افتَرَضتُ عَلَيْهِمْ " (٤).
_________________
(١) = وهذا اللفظ يشهد له ما رواه البخاري (٩/ ٩ رقم ٦٨٩٨)، ومسلم (رقم ١٦٦٩) عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري - ﵁ -: "أنَّ النبي - ﷺ - ساقَ دِيَةَ رجُل مائة من إبلِ الصَّدَقة".
(٢) قارن بـ "التعيين" (١٩٤ - ١٩٥).
(٣) في الأصل: "الجويني وإمام "! والصواب حذف "الواو" لأن الجويني هو إمام الحرمين -كما هو معلوم- وجاءت على الصواب في "التعيين" (١٩٥).
(٤) انظر: "شرح صحيح مسلم" للنووي (٧/ ٩٦).
(٥) رواه البخاري (٨/ ١٠٥ رقم ٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ - ولفظه: "ومَا تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ " وقد ذكره المؤلف بمعناه، لأنه أخذ هذه الفائدة من النووي في "شرح مسلم" (٧/ ٩٦). أمًا قوله أن "أجر الفرض " إلخ فَمَوْقُوفٌ علي الدليل، وما ذكره من استئناس بعض أهلِ العلم بهذا الحديث فبعيد، إذ ليسَ فيه أي دلالة على ما يقولون، ونحن "نَدُورُ مع السُّنَّةِ حيثُ دَارَتْ" كما قال الإمام الأوزاعي.
[ ٣٠٧ ]
رابعها: قوله: "وفي بُضْع أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ" يعني: إذا نَوَى به العبادة، وهو قضاء حق الزوجة، وولد صالح، وعَفَافُ النفس وكفها عن المحارم -كما سلف- وقد قالت أم مريم: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥] أي: وَقْفًا على خِدْمَتِكَ.
وظاهِرُ الحديث يقتَضِي أنَّهُ نفسه صدقة من غير نية، ولهذا أشار بقياس العكس بعدُ بقوله: "أرأيت لو وضعها في حرام " إلى آخره، وإذا ثَبَتَ ذلك فهو يُشير إلى شبيهٍ بما قاله الكعبي (١) مِن أنَّ المباح مأمورٌ بهِ.
وقياسُ العَكْسِ: إثباتُ ضِدّ الحُكْمِ في ضدَّ الأصل، كإثبات الوِزْر الَّذي هو ضدّ الصَّدَقة في الزِّنا الَّذي هو ضِدُّ الوَطء المباح، ومثله حديث: "مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ". قال ابن مَسْعُود: "وأنا أقولُ: مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ" (٢).
والأصح أنَّه يُعمَلُ به. والقِيَاسُ الطَّردِي -: وهو إثبات مثل حكم الأصل في الفرع - على أَضْرُبٍ: قياسُ عِلَّة، كالنبيذ مسكر فحَرُمَ كالخمر.
ودِلَالة: الَّذي يَصِحُّ طَلَاقه، فيصِحُّ ظِهَارُهُ كالمسلم.
وشَبَهٍ (٣): كالعبد يباع ويوهبُ فلا يَمْلِك كالبهيمة، وكان الفاروق يتزوج
_________________
(١) هو أبو القاسم عبد الله بن أحمد البلخي المعروف بالكعبي، شيخ المعتزلة، من نظراء أبي عليٍّ الجُبَّائي، هلك سنة (٣٢٩ هـ). انظر: "سير أعلام النبلاء" (١٤/ ٣١٣). وانظر في الرد على الكعبي هذا: "إكمال المعلم" للقاضي (٣/ ٥٢٧ - ٥٢٨)، و"شرح مختصر الروضة" للطوفي (١/ ٣٨٧ - ٣٩٠).
(٢) البخاري (٢/ ٧١ رقم ١٢٣٨، ٤٤٩٧، ٦٦٨٣)، وقد تابع المؤلف الطوفي في قَلْبِهِ لهذا الحديث! والصواب: "مَنْ ماتَ يُشْرِكُ بالله شيئًا دَخَلَ النارَ". وقلتُ أنا -ابن مسعود-: "مَن ماتَ لا يُشْرِكُ باللهِ شيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ".
(٣) في الأصل كتب فوقها: "قياس" وتحتها "الثاني"!
[ ٣٠٨ ]
لقصد الولد للمكاثرة أو ليموت؛ فيكون الولد له أجر (١).
خامِسُهَا: فيه أنَّ المباحَ يَصِيرُ طاعة بالقصد وصحة القياس، ولا عبرة بمخالفة الظاهرية فيه وحيث ورَدَ ذَمُّه حُمِلَ على القياس الباطن؛
وفيه -أيضًا- فضيلَةُ التَّسبيح وسائر الأذكار؛
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛
وذِكرُ العالِم دليلًا لبعض المسائل التي قد تَخْفَى؛
وتنبيه المفتي على مختصر الأدلة؛
وجواز سؤال المُسْتَفْتِي عن بعض ما يَخْفَى مِن الدَّليل إذا عَلِمَ مِن حالِ المسؤُول أنَّهُ لا يكرَهُ ذلك ولم يكن فيه سُوءُ أَدَبٍ (٢).
خاتمة: الحديث دالٌّ على أنَّ تحسينَ النِّيَّات في أعمال الخير يَتَنَزَّلُ مَنْزِلةَ الصدقات والأجور، ولا سيما في حق من لا يقدر على الصدقة، ويُفهَمُ مِنهُ أنَّ الصدقةَ في حَقِّ القادر عليها أفضل من سائر الأعمال القاصرة على فاعِلِها، وسؤالهم سؤالُ مُنَافَسَةٍ لا حسد، فلمَّا سَمِعَ الأغنياءُ ذلك فعلُوا مثله فقال الشارع: "ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتيهِ مَنْ يَشَاءُ" والفقراء نالُوا الرُّتبَةَ بحَسْرَةِ الفوت ألا يجدوا ما ينفقون، فقامت مقام النفقة، فَنِيَّةُ المؤمِن أبلغُ مِن عمله، وأين فوت الأرواح من فوت الأشباح؟
* * *
_________________
(١) انظر: "التعيين" (١٩٦ - ١٩٧)، وانظر في هذا "القياس" وأنواعه: "اللُّمَع" للشيرازي (٢٠٤ - ٢١٠)، و"الواضح" لابن عقيل (٢/ ٤٧ - ٥٠).
(٢) "خامِسًا" مُستفادٌ من "شرح مسلم" للنووي (٧/ ٩٧).
[ ٣٠٩ ]