عن أبي رُقيَّةَ تَمِيمِ بنِ أوْسٍ الدَّارِيِّ - ﵁ -، أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: "الدِّينُ النَّصِيحَةُ"، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قال: "للهِ -﷿- ولِكِتَابِهِ، ولِرَسُولِهِ، ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، وعَامَّتِهِمْ".
رواه مسلمٌ (١).
* * *
الكلامُ عليه مِنْ وُجُوه:
أحدها: رُقَيَّة -بِضَمِّ الراء وفتحِ القاف، وتشديد الياء- كُنّي بذلِكَ ببنتٍ له اسمها: رقية، لم يُولَد له غيرها، وهو تميم بن أوس بن خارجة بن سُود بن جَذِيمة بن وداع -ويقال: ذراع- بن عَدِيّ بن الدَّار بن هانئ بن حبيب بن نُمارة بن لَخْم -وهو مَالِك- بن عَدِيِّ بن الحارث بن مُرَّة بن أُدد بن يشجب بن عريب بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان الدَّاري، صاحِبُ رسول الله - ﷺ -، نسبةً إلى جَدٍّ لهُ -كما ذكرنا-.
_________________
(١) رواه أحمد (٢٨/ ١٣٨ رقم ١٦٩٤٠، ١٦٩٤١، ١٦٩٤٢، ١٦٩٤٥، ١٦٩٤٦، ١٦٩٤٧)، ومسلم (١/ ٧٤ - ٧٥ رقم ٥٥)، وأبو داود (٥/ ١٤٧ رقم ٤٩٤٤)، والنسائي في "الصغرى" (٧/ ١٥٦ رقم ٤١٩٧، ٤١٩٨، ٤١٩٩، ٤٢٠٠)، و"الكبرى" (٧/ ١٨٨ رقم ٧٧٧٢، ٧٧٧٣، ٨٧٠٠).
[ ١٦٨ ]
وقيل: إلى موضِعٍ يُقالُ له: دارين.
ويقالُ له -أيضًا-: الدَّيري، نِسبةً إلى دَيْر كان يتعبدُ فيه (١).
أسلَمَ سَنَةَ تِسْعٍ، وانتَقَلَ مِنَ المَدِينَةِ إلى الشَّامِ بعدَ مَقْتَلِ عثمان، ونَزَلَ ببيتِ المَقْدِسِ.
روىَ عنهُ الشَّارُعُ "حديثَ الجَسَّاسَةِ" (٢)، وهي مَنْقَبَةٌ شَريفةٌ جدًّا، ويَدْخُلُ في ذلِكَ رِوايةُ الأكابِرِ عن الأصاغِر (٣).
قيلَ: ولا يُعْرَفُ أنَّ الشَّارعَ روى عن صَحَابي غيره (٤).
قال ابن طاهر (٥): "روى عنهُ عطاءُ بنُ يزيد الليثي في "الإيمان" حديثًا واحِدًا وهو حديث "الدِّينُ النَّصيحة" فقط".
وكان صاحِبَ ليلٍ وقُرآن، كانَ يختِمُ القُرآن في رَكْعَةٍ، ورُبَّمَا ردَّدَ الآيةَ الواحِدةَ الليلَ كُلَّهُ إلى الصَّباح.
_________________
(١) انظر: "صيانة مسلم" (٢٢٠ - ٢٢١)، ومتن "الأربعين" للنووي (٩٣)، و"توضيح المشتبه" لابن ناصر الدين الدمشقي (٤/ ١٠ - ١١).
(٢) رواه مسلم (٤/ ٢٢٦١ رقم ٢٩٤٢) عن فاطمة بنت قيس - ﵂ - عن النبي - ﷺ - عن تميم الداري - ﵁ - في حديثٍ طويل في ذِكْرِ شَأنِ الدَّجالِ والجَسَّاسةِ التي دَلَّتهُم عليه.
(٣) انظر: "المقنع" للمؤلف (٢/ ٥١٨ - ٥٢٠).
(٤) في "المقنع" للمؤلف (٢/ ٥٢٠) ذَكَرَ عن ابن مندَه أنه "ذَكَر في "مستخرجه" أنَّ النبي - ﷺ - روى عن الصدّيق وعمر، وسعد بن عبادة". والظاهر أن المؤلف لا يصحح شيئًا منها، ولذلك اقتصر على ذِكر "تميم" هنا، و"المعين" ألَّفه بعد "المقنع". وانظر: "فتح المغيث" للسخاوي (٤/ ١٢٥).
(٥) الظاهر أنه محمد بن طاهر المقدسي، أبو الفضل، ظاهري حافظ جوَّال رحَّال، (ت:٥٠٧ هـ). انظر: "السير" (١٩/ ٣٦١).
[ ١٦٩ ]
واشتَرَى حُلَّةً بألفٍ يَخْرُجُ فيها إلى الصلاةِ، وهو أوَّلُ مَنْ قصَّ بإذنِ عمر - ﵁ -، ماتَ سَنَةَ أربَعينَ ببيتِ جبريل، قرية مِن قُرى الخليل - ﵇ - (١).
ثانيها: هذا الحديثُ انفَرَدَ بإخراجِهِ "مسلم"، وليسَ لهُ عَنْهُ في "صحيحه" سواه (٢).
وأخرجَهُ البخاري في الترجمة مُعَلَّقًا، فقال: "بابُ قول النبي - ﷺ -: "الدِّينُ النَّصيحة لله، ولِرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامَّتِهم"." (٣).
وإنما لم يُخْرِجهُ لأنَّ سُهَيْلًا -الراوي عن عطاء- ليسَ مِنْ شَرْطِهِ لِنِسْيَانِهِ، وهو ابن أبي صالح.
نعم؛ أخرجَ له مقرونًا (٤)، ولم يخرج البخاري في "صحيحه" لهم شيئًا (٥).
وادَّعى الخطَّابي أن أشهَرَ طُرقهِ: سهيل بن أبي صالح، قال: "ورُوِيَ -أيضًا- مِنْ طُرُقٍ لا بأسَ بها" (٦).
وقال ابن بطَّال: "رواه ابن عجلان عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا" (٧).
_________________
(١) انظر في ترجمته - ﵁ -: "أسد الغابة" (١/ ٢٥٦)، و"تهذيب الكمال" (٤/ ٣٢٦).
(٢) انظر: "صيانة مسلم" (٢٢٠).
(٣) انظر: "صحيح البخاري" كتاب الإيمان (١/ ٢١).
(٤) في الأصل: "مرويًّا" وما أثبتناه هو الصواب. انظر: "التوضيح" للمؤلف (٣/ ٢٤٠)، و"هَدْي السَّاري" (٤٢٨).
(٥) انظر: "التوضيح" (٣/ ٢٤٠)، و"هدي الساري" (٤٢٨)، و"الفتح" (١/ ١٦٧)، و"تغليق التعليق" (٢/ ٥٤ - ٦١).
(٦) "أعلام الحديث" (١/ ١٨٨).
(٧) قاله في "شرح صحيح البخاري" له (١/ ١٢٩)، وانظر: "التغليق" (٢/ ٥٧).
[ ١٧٠ ]
ثالِثُهَا: هذا الحديث مَرْجِعُهُ مِنَ القُرآن: قوله تعالى: ﴿إذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١]، ولهذا ذَكَرَهَا البخاري معه (١).
وأخرجَ الشَّيخان في "صحيحيْهِما" مِن حديث جرير بن عبد الله البَجَلي: "بايَعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - على (٢): إِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، والنُّصْح لِكُلِّ مُسْلِمٍ" (٣).
رابعُها: هذا الحديثُ عظيمُ الشَّأنِ، وعليهِ مَدَارُ الإسلام، ولا يُقبَلُ مِنْ قَوْلِ بعضهِم أنهُ أَحَدُ أَرباعِ الإسلام (٤)، بل مَدَارُها عليه، فإنهُ جِماعُها؛ لإيجازِه وكثرةِ معانِيهِ، بل هي داخلة تحت كلِّ كلمةٍ مِنْهُ؛ فالكتابُ مُشْتَمِل على الدِّينِ كُلِّهِ أَصْلًا وَفَرْعًا، عَمَلًا واعتِقادًا، فإذا آمَنَ بِهِ وعَمِلَ بما تَضَمَّنهُ على وجههِ فقد جمعَ الكُلَّ.
و"النَّصِيحَةُ": كلِمَةٌ جامِعَةٌ، معناها: حيازَةُ الحَظِّ للمنصوح لهُ، ومعناه: قِوامُ الدِّين وعماده النَّصيحةُ، كـ"الحَجُّ عَرَفَة" (٥)، و"الناس تميم"، و"المالُ الإبل".
_________________
(١) انظر: "صحيح البخاري" (١/ ٢١) في آخر بابٍ مِن "كتاب الإيمان".
(٢) في الأصل: "عن".
(٣) رواه البخاري (١/ ٢١ رقم ٥٧)، ومسلم (١/ ٧٥ رقم ٥٦).
(٤) القائل هو الإمام محمد بن أسْلَمْ الطُّوسي (ت: ٢٤٢ هـ) كما في "صيانة مسلم" (٢٢٣)، و"جامع العلوم" (١/ ٢١٦)، و"فتح الباري" لابن حجر (١/ ١٦٧).
(٥) رواه أحمد (٣١/ ٦٤ رقم ١٨٧٧٤)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٨/ ٢٦٩ رقم ١٣٨٦٣)، و"المسند" (٢/ ٢٤١ رقم ٧٣١)، والطيالسي (٢/ ٦٤٣ رقم ١٤٠٥)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢/ ٢٠٥ رقم ٩٥٧)، وأبو داود (٢/ ٣٣٢ رقم ١٩٤٩)، والترمذي (٢/ ٢٢٦ رقم ٨٨٩)، والنسائي في "المجتبى" (٥/ ٢٦٤ رقم ٣٠٤٤)، وفي "الكبرى" (٤/ ١٥٩ رقم ٣٩٩٧)، وابن ماجه (٢/ ١٠٠٣ رقم ٣٠١٥)، والحاكم (١/ ٤٦٤)، (٢/ ٢٧٨)، والبيهقي في "الكبرى" (٥/ ١٧٣) عن عبد الرحمن الديلي - ﵁ -. والحديث صحَّحهُ الحاكم، ووافَقَهُ الذهبي، وصحَّحهُ الألباني في "الإرواء" (٤/ ٢٥٦ رقم ١٠٦٤). ومعناه: أنَّ مُعظمَ الحجِّ الوقوف بعرفة؛ لأنه إذا أدرك عرفةَ، فقد أَمِنَ فَوَاتَ الحجِّ.
[ ١٧١ ]
ولكَ أن تقولَ: الدِّينُ محصُورٌ فيها، فإن مِنْ جُمْلَتِها طاعةُ اللهِ ورسوله، والإيمان والعمل بما قالاهُ (١) مِن كِتَابٍ وسُنَّةٍ، وليسَ وراء ذلِكَ معنى الدِّين.
وقد سَلَفَ في "حديث جبريل" (٢) أنَّ الدِّينَ هو: الإسلام، والإيمان، والإحسان، وجميعُ ذلِكَ مُنْدَرجٌ تحتَ ما ذَكَرْناهُ مِنَ النَّصيحةِ (٣).
فنصيحةُ الله ﷿: الإيمانُ به، وطاعته بالقلبِ والبَدَن.
و"لِكِتَابهِ": تعظِيمُهُ، وتوقِيرُهُ، والإيمانُ بهِ، والعملُ بما فيه.
و"لِرَسُوله": تَصْدِيقُ (٤) ما جاءَ بهِ، وإعانتُهُ على إقامةِ أمرِ ربِّهِ قَوْلًا، وعَمَلًا، واعتِقَادًا.
و"لأئِمَّةِ المسلمينَ": بالوفاءِ لهم بِعَهدِهِمْ، وتنبيهِهِمْ على مَصَالِحِ رُشْدِهم.
و"عَامَّة المسلمينَ": بذلك، وأنْ يُحِبَّ لهم ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ.
وقد أوضحتُ الكلام عليه في "شرح صحيح البخاري" فراجِعْهُ مِنْهُ (٥).
خاتمة: "النَّصيحةُ": مصدر نَصَحَ يَنْصَحُ نَصِيحَةً، ونُصْحًا -بِضَمِّ النون- فأمَّا "نصحت الثوب" فمصدره: نَصْحًا -بالفتح- وهو في اللغة: الإخلاص،
_________________
(١) في الأصل: "لاقاه"! والتصويب من "التعيين" (١٠٤).
(٢) في الأصل: "جابر"!
(٣) وقال ابن الصّلاح في "صيانة مسلم" (٢٢٣): "والنَّصيحةُ كلِمَةٌ جامِعةٌ تتَضَمَّنُ قيامَ النَّاصِحِ للمنصوحِ لهُ بوُجُوهِ الخير إرادةً وفِعلًا". وقال ابن الأثير في "الشَّافي" (٥/ ٥٤١) و"النهاية" (٥/ ٦٣): "النصيحة: كلمةٌ يُعَبَّرُ بها عن جملةٍ، هي: إرادةُ الخيرِ للمَنْصُوحِ له. وليس يُمْكِنُ أن يُعَبَّرَ عن هذا المعنى بكلمةٍ واحِدةٍ تَحصُرُها وتجمَعُ معانيها غيرها".
(٤) في الأصل: "تصديقه". وفي "التعيين" (١٠٤): " .. تصديقه فيما جاء به".
(٥) انظر: "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" (٣/ ٢٤١ - ٢٤٤).
[ ١٧٢ ]
وقيل: من النَّصح -بالفتح- وهي الخياطة، وتُسمى الإبرة: المِنْصَحة، والنِّصَاح: الخَيْط، والنَّاصِحُ: الخَيَّاطُ، فيكونُ النَّاصِحُ لأَخيهِ يَلُمُّ شَعثَهُ وَيَضُمُّهُ، كما تَضُمُّ الإبرةُ خرقَ الثَّوبِ (١).
* * *
_________________
(١) قارن الخاتمة بـ "المفهم" (١/ ٢٤٣). وانظر: "أعلام الحديث" للخطابي (١/ ١٨٩ - ١٩١).
[ ١٧٣ ]