عن أبي يَعْلَى شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ - ﵁ -، عن رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قالَ: "إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ على كُلِّ شيءٍ، فإِذَا قَتَلْتُمْ فأحْسِنوا القِتْلَةَ، وإِذَا ذَبَحْتُمْ فأحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، ولْيُحِدَّ أَحَدُكمْ شَفْرَتَهُ، وليُرحْ ذَبِيحَتَهُ".
رواه مسْلِم (١).
* * *
الكلام عليهِ مِن وُجوه:
وهو حديث جامِع لقاعِدَةِ الدِّين العامة، فهو مُتَضَمِّن لجميعه؛ لأنَّ الإحسان في الفِعْل هو: إيقاعُهُ على مُقْتَضى الشَّرع أو العقل، ثمَّ إمَّا أن يتعلَّق الفعْلُ بمعاشه أو بمعاده:
والأول: بسياسة نفسه، وبدنه، وأهله، وإخوانه، ومُلْكِهِ، والناس.
والثاني: الإيمان والإسلام عمل القلب والجوارح كما مرَّ في حديث جبريل - ﵇ -، فإذا أحسنَ في هذا كُلِّه على وجْهِهِ فقد حصَّلَ كُلَّ خير، وسَلِم مِن كل ضَيْر.
_________________
(١) (٣/ ١٥٤٨ رقم ١٩٥٥)، وأحمد (٢٨/ ٣٣٦ رقم ١٧١١٣، ١٧١١٦، ١٧١٢٨، ١٧١٣٩)، وأبو داود (٣/ ١٦٦ رقم ٢٨١٥)، والترمذي (٣/ ٧٨ رقم ١٤٠٩)، والنَّسائيُّ (٧/ ٢٢٧ رقم ٤٤٠٥، ٤٤١١ - ٤٤١٤)، وفي الكبرى (٤/ ٣٥٢ رقم ٤٤٧٩، ٤٤٨٥، ٤٤٨٦، ٤٤٨٧، ٤٤٨٨)، وابن ماجه (٢/ ١٠٥٨ رقم ٣١٧٠).
[ ٢٢٩ ]
الوجهُ الأول: التعريف براويه:
هو أبو يعلى -ويقال: أبو عبد الرحمن- شدَّاد بن أوس بن ثابت الأنصاري النجاري المدني ابن أخي حسَّان بن ثابت، لهُ ولأبيه صحبة.
وأمه: صريمة، من بني عدي بن النَّجَّار.
نزل بيتَ المقدس وأعقب بها، ومات بها بظاهر باب الرحمة بعد الخمسين عن خمس وسبعين، وغلطَ مَن عدَّهُ بدْريًّا، وإنَّما البَدْريُّ والِدهُ (١).
فائدة: اشترك في كنية شداد بأبي يعلى جماعة: منهم حمزة ويقال أبو عمارة، ومنهم: أبو يعلى الموصلي صاحب "المسند"، ومنهم: الفراء الحنبلي القاضي.
ثانيها: في ألفاظه ومعانيه:
معنى "كتَبَ": أمر وحرَّضَ عليه، وأصل "كتب": أثبت وجمع، ومنه: قوله تعالى: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢]، أي: أثبته وجمعه، كتبت البغلة: جمعت حياءها (٢).
ويستعمل "كتبَ" بمعنى: أوجَبَ، نحو: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] ونحوه كثير.
ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا﴾ [البقرة: ١٩٥] ونحوه.
_________________
(١) انظر ترجمته في: "أسد الغابة" (٢/ ٥٠٧)، و"السير" (٢/ ٤٦٠).
(٢) انظر: "المفهم" (٥/ ٢٤٠).
[ ٢٣٠ ]
و"على" يجوزُ أنْ تَكون بمعنى "إلى" أي: كَتَبَ الإِحسانَ إلى كُلِّ شيءٍ -أو: في- أي: في كُلِّ شيء، قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] أي: في مُلْكِهِ، ويقال: كان على عهد فلان، أي: في عَهده، حكاه العتبي.
ويحتمل أن تكون بمعنى "إلى" أي: كتب الإحسان في الولاية على كلِّ شيء، حتَّى مِمَّا ذَكَرَهُ، ولا يتركُ آلتَهُ كَالَّةً يُعَذِّبُ بها الحيوان، وإنَّما ذكَرَ القتلة والذّبحة؛ لأنهما غاية الأذى في الحيوان، ولا يبقى بعدهما للإحسان وجه، فإذا كان الإحسان فيما هو العلة في الأذى، فكيف بغير ذلك؟!
و"الإحسان" هنا بمعنى الإحكام والإكمال، والتَّحْسِين في الأعمال المشروعة مطلوب، فحق على من شرع في شيء منها أن بأتي به على غاية كماله ويحافظ على آدابه المصححة والمكملة له، وإذا فعل قبل عمله وأثر ثوابه.
ولَمَّا كان العلماء ورثةُ النبياء، فمِمَّا ورِثوهُ: تعليم النَّاس كيفية الإحسان إلى كلِّ شْيءٍ ألهَمَ اللهُ -﷾- الاستغفار للعلماء مكافأةً لهم على ذلك (١)، ومن ذلك قوله -﵊-: "إنَّ العالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ له مَنْ في السَّمَاوات ومَنْ في الأرض، حتَّى الحِيتانُ في المَاءِ" (٢).
وقد جاء في التَّنزيل: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥].
_________________
(١) هذه عبارة الخطابي في "معالم السنن" (٤/ ٣٩).
(٢) رواه أحمد (٣٦/ ٤٥ رقم ٢١٧١٥)، وأبو داود (٤/ ٣٩ رقم ٣٦٤١)، والترمذي (٤/ ٤١٤ رقم ٢٦٨٢)، وابن ماجه (١/ ٨١ رقم ٢٢٣) عن أبي الدرداء - ﵁ -. وهو حديثٌ صحيحٌ، صححه الألباني في "التِّرمذيِّ" (٢١٥٩)، و"سنن أبي داود" (٣٠٩٦)، و"صحيح الترغيب والترهيب" (١/ ١٣٨ رقم ٧٠).
[ ٢٣١ ]
و"القِتْلة" -بكَسرِ القاف-: الهَيْئَة والحالة، والمصدر بالفتح.
و"الذبحة" بكسر الذال -أيضًا- مِن باب الهيئة كالجِلْسَة والرِّكْبَة؛ أي: هيئة القتل والذبح.
وجاء في رواية: "فَأَحْسِنُوا الذَّبح" (١) وهو بالفتح بغير هاء مصدر، وبالهاء: الهيئة كالقتلة، وأصلُ الذَّبح: الشقُّ والقطعُ.
قال الشاعر (٢):
كأَنَّ بينَ فَكِّها والفَكِّ فَارَةَ مِسْكٍ ذُبِحَتْ في سُكِّ
وقوله: "ولْيُحِدَّ" هو بضمِّ الياء، يقال: أحدّ السكين وحددها واستحدها بمعنى.
و"الشَّفرة": المِدْية، وهي السكين ونحوه ممَّا يُذْبَحُ بهِ، سُمّيت باسمِ شفرها وهي حدُّه، تسمية باسم جزئه (٣).
وقوله: "وليُرح" بضمِّ الياء، يُقال: أراحَ يُريحُ إِرَاحَةً إذا أدخلت الراحة إلى الشيء، أو تسبب إلى حصولها له بوجه.
و"الذَّبيحة": المذبوحة، فعيلة بمعنى مفعولة، كأنه قال: الدَّابة الذبيحة، أو تكون من باب غلبة الاسم على غلبة (٤) الوصف.
_________________
(١) رواها مسلم (٣/ ١٥٤٨ رقم ١٩٥٥).
(٢) ذكره ابن السكيت في "إصلاح المنطق" (١/ ٧)، والقرطبي في "المفهم"، (٥/ ٢٤٠ - ٢٤١).
(٣) في الأصل: "حده". والتصويب من "التعيين" (١٤٨)، و"الفتح المبين" (٣٤٥).
(٤) في الأصل: " .. غلبة على الوصف" وجعل فوق "غلبة" و"على" حرف "م" وهو يفيد التقديم والتأخير بين الكلمتين.
[ ٢٣٢ ]
الثالث: الإراحة بإحداد السِّكِّين، وتعجيل إمرارها وغير ذلك، ولهذا قال فيمن ولي القضاء: "فقد ذُبِحَ بغيرِ سِكِّينٍ" (١) أي: عرَّضَ نفسه لعذابٍ يجد فيه ألمًا كألمِ الذَّبح بغير سكين (٢).
ويُستَحَبُّ: ألا يحدها بحَضرَة الذَّبيحة.
وألَّا يذبح واحِدةً بحَضْرَةِ أُخرى.
ولا يجُرَّها بل يَسُوقها إلى مذبحها -وحُكيَ جوازه-.
ولا يصرعها بغتَةً.
ولا يجرها إلى مذبوحها -عن مالك- (٣)!
وإحسانُ القِتْلةِ عامٌّ في كُلِّ قَتْلٍ، ومنهُ: القِصَاصُ، ولا يَقصِدُ التَّعذيبَ، وقد "نَهى -﵊- عن صَبرِ البهائِم" (٤) وهوَ: حَبْسُها للقَتلِ وغيرهِ، و"لَعَنَ مَن اتَّخَذَ شيئًا فيهِ الرُّوحُ غَرَضًا" (٥). وهو حرام، وينبغي إحضار نيَّةِ القربةِ ويُسْتَحَبُّ توجيهها إلى القبلة والتَّسمية، وتركها إلى أن تبرد، ويعترف بالمِنَّة في ذلك لتسخيره لنا والإِنْعام علينا به.
ومِن الإحسان إليها: ألا تُحمَّل فوقَ طاقتها.
_________________
(١) رواه أبو داود (٤/ ٧ رقم ٣٥٧١)، والترمذي (٣/ ٨ رقم ١٣٢٥)، والنَّسائيُّ في الكبرى (٥/ ٣٩٨ رقم ٥٨٩٢، ٥٨٩٣، ٥٨٩٤، ٥٨٩٥)، وابن ماجه (٢/ ٧٧٤ رقم ٢٣٠٨)، وأحمد (١٢/ ٥٢ رقم ٧١٤٥) عن أبي هريرة - ﵁ -. وهو حديث حسنٌ كما قال المؤلف في "البدر المنير" (٩/ ٥٤٦) وقد أطال في الكلام عليه.
(٢) انظر في معنى الحديث ما ذكره المؤلف في "البدر المنير" (٩/ ٥٤٩ - ٥٥٠).
(٣) قوله: "عن مالك" يعني: "وحُكيَ جوازه عن مالك". انظر: "المُفهم" (٥/ ٢٤٢).
(٤) رواه البُخاريّ (٧/ ٩٤ رقم ٥٥١٣)، ومسلم (٣/ ١٥٤٩ رقم ١٩٥٦) عن أنسٍ - ﵁ -.
(٥) رواه البُخاريّ (٧/ ٩٤ رقم ٥٥١٥)، ومسلم (٣/ ١٥٥٠ رقم ١٩٥٨) عن ابن عمر - ﵁ -.
[ ٢٣٣ ]
ولا تُركب واقفةً إلَّا لحاجةٍ.
ولا يُحلَبَ منها إلَّا ما لا يَضُرُّ بولدها.
ولا يشوي السمَكَ والجراد حتَّى تموت.
* تتمات:
الأولى: قوله: "إنَّ اللهَ كَتَبَ الإحسان على كُلِّ شيء" هو قاعدة عامَّة كُلّية، ثم ذكر منها التخفيف في القتل والذبح في الحيوان، ويجوز ذكر ذلك، إِمَّا لأنَّ الجاهلية كانوا يخالفون ذلك، كالمُنْخَنِقةِ، والموقوذة، والمتردِّية، والنَّطيحة وما ذُكِر معها، وكانوا إذا ذبحوا يذبحون بالكَالِّ.
الثَّانية: تفاصيل الإحسان إلى كُلِّ شيء لا تنحصِرُ، وقد أسلفنا جملةً من أفرادِهِ.
ومثله: الإحسان إلى الملائكة بالأدب معهم، لا سيما كَاتِباهُ، فهي تَتَأَذَّى مِمَّا يتأذى منهُ بنو آدمَ.
ومن ذلك: الإحسان في قتل الوَزَغِ أوَّلَ مرَّةٍ، ودونها في الثَّاني، ثم في الثالث (١).
والموجود الحادِث هو المحتاج إلى الإحسان، لأنَّ القديم مستغنٍ بذاته تعالى.
والحادث إن كان عرضًا فلا يتأتى الإحسان إليه، وإن كان جوهرًا، فإنَّ كان جمادًا فكذلكَ، وإن كانَ نباتًا أو حيوانًا فهو موضِعُ الإحسان.
_________________
(١) لقوله - ﷺ -: "مَنْ قَتَلَ وَزَغَةً في أَوَّلِ ضَربةٍ كتبَت لهُ مائَةُ حَسَنَةٍ. وفي الثانِيَةِ دُونَ ذلِكَ. وفي الثالِثَةِ دونَ ذلِكَ" رواه مسلم (٤/ ١٧٥٨ رقم ٢٢٤٠/ ١٤٧) عن أبي هريرةَ - ﵁ -.
[ ٢٣٤ ]
ومذهبُ أحمد أنَّ الحيَّ إذا تطوَّع بقُرْبَةٍ وأهدى ثوابها لِمُسْلِمٍ ميِّتٍ، نفعهُ ذلك، وكذا الحي على الأصح (١).
ومن ذلك: الإحسان إلى الجن، مؤمنهم وكافرهم بدعائهم إلى الخير، وقد أكرمهم الشارع وأقراهم بأنَّ جعل العظم زادهم والروثَ لدوابهم، ولنا فيه أسوةٌ حسنة.
وأمَّا المؤذي كالحشرات والفواسق الخمس، فقد خَرَجت بالنَّص.
* * *
_________________
(١) وجهُ ذِكر هذه المسألة: أنها مِن باب الإحسان إلى الميت أيًّا كان من والد أو ولد أو غيره. أمَّا مسألة إهداء الثواب للميت فهي مسألة طويلة الذيل، انظر في الكلام عليها: "مجموع الفتاوى" لابن تيمية -﵀- (٧/ ٤٩٨ - ٤٩٩)، (٢٤/ ٣٠٩ - ٣١١، ٣١٥، ٣٢١، ٣٢٤، ٣٦٦، ٣٦٧)، ومن أوسع من تكلم على هذه المسألة الإمام ابن القيِّم -﵀- في كتابه "الروح" (٢/ ٤٣٥ - ٥٠٠).
[ ٢٣٥ ]