عن ابن عباس - ﵄ - عن رسول الله - ﷺ - فيما يرويه عن ربه ﵎- قال: "إِنَّ الله تعالى كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسيئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ همَ بِحَسَنَةٍ فَلَم يَعمَلْها كَتَبَها اللهُ عِنْدهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هم بها فَعَمِلَها كَتَبَها اللهُ عِندَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلى سَبْعِمائةِ ضِعْف إلى أَضعافٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ هَم بسَيئَةٍ فَلَم يَعمَلْها كتَبَها اللهُ عِندهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَم بها فَعَمِلَها كتَبَها اللهُ سَيئَةً واحِدَة".
رواهُ البُخَاريُّ ومُسلم في "صحيحيهما" (١).
* * *
هذا الحديثُ شريف عَظِيم، بيَّنَ فيه الشَّارع مِقْدَارَ تفضُّل الله بأَنْ جَعَلَ همَ العبدِ بالحسنةِ وإن لم يعملها حسنة، وجعل همَّه بالسيئةِ إن لم يعملها حسنة، وإن عملها سيئة واحدة، وإن عمل الحسنة كتبها عشرًا.
وأوله يقتضي أنه من الأحاديث الإلهية نحو: "أنا عِندَ ظَن عَبْدِي بي" (٢) وليس المراد ذلك؛ إنما المراد فيما يحكيه عن فضل ربه، أو حكم ربه، أو نحو ذلك، وهذا فضل عظيم مِن رَبٍّ كريم يُضَاعِفُ الحسنات دون السيئات، وكتب لهم الهمَّ بالحسنةِ؛ لأنَّ إرادة الخير فعل دون السَّيئة، فإن الترك خير
_________________
(١) رواه البخاري (٨/ ١٠٣ رقم ٦٤٩١)، ومسلم (١/ ١١٨ رقم ١٣١).
(٢) تقدَّم قريبًا، وكذا الحديث الآتي في أول الصفحة التالية، انظر ص (٤١٢)، (٣٢٨).
[ ٤١٤ ]
"إِنَّمَا تَركها مِنْ جَرَّائي" أي: من أجلي، وهذا كقوله -﵊-: "فَإن لَمْ يَفْعَلْ فَلْيُمسِكْ عَن الشَّرِّ فَإِنَّهُ صَدَقَة" (١)، أمَّا مَنْ تَرَكها عَجْزًا فلا تُكْتَبُ له حسنة، وهذا من عظيم لُطْفِهِ، وما ألطف قوله: "عنده" وهو إشارة إلى الاعتناء بها، ثم أكَّدَها بـ "كاملة" لذلك، ولم يقل مثله في السَّيئة، وأكد تركها بـ "كاملة" وأكد فعلها بـ "واحدة" تقليلًا، ولم يؤكدها بـ"كاملة" وهو دالٌّ على أنَّ الحفظةَ تَكْتُبُ ما همَّ به العبدُ مِن حسنةٍ أو سيِّئة، وتعلم اعتقاده لذلك لا كما زعم بعضهم أنها إنما تَكْتُب ما ظَهر من أعمال العبد وسُمِعَ.
وقد روى ابن وهب، عن معاوية بن صالح، عن كثير بن الحارث، عن القاسم مولى معاوية، عن عائشة قالت: "لأن أذكر الله في قلبي أحب إليَّ مِن أن أَذكره بلساني سبعين مرَّة، وذلك لأنَّ مَلَكًا لا يكتبها، وسرًّا لا يَسمعها" (٢) والصَّوابُ في ذلك: ما صَحَّ مِن الحديث عنه - ﵊- إنَّ الهمَّ بالحَسَنَةِ يُكْتَب، وهي فعل العبد بقلبه دون سائر الجوارح كالذِّكر.
والمعنى الذي يصل به الملكان الموكلان بالعبد إلى علم ما يهم به بقلبه هو المعنى الذي يصل به إلى ذكر ربه بقلبه، ويجوز أن يكون جعل الله لها إلى علم ذلك سبيلًا، كما جعل لكثير لمن أنبيائه السبيل إلى كثير من علم الغيب، وقد أخبر الله تعالى عن عيسى -﵊- أنه قال: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]، وقد أخبر نبينا -صلوات الله وسلامه عليه- أيضًا بكثير من علم الغيب؛ فغير مستنكر ذلك في حق المَلَكَيْن، وقد قيل: إن ذلك بِريح يظهر لهما مِن القلب!
_________________
(١) رواه البخاري (٨/ ١١ رقم ٦٠٢٢) من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ -.
(٢) رواه أبو يعلى (٨/ ١٨٢ رقم ٤٧٣٨)، والبيهقي في "الشعب" (٢/ ٨٤ رقم ٥٥١، ٥٥٢).
[ ٤١٥ ]
وللسَّلف اختلافٌ في أيِّ الذِّكْرَيْن أفضل: ذِكرُ القلب أو ذِكْرُ العَلَانِية؟
وقال صاحب "الإفصاح": "معنى"كتب": مبالغ تضعيفها، فعرفت الكَتبُةُ مِن ذلك التَّقدير؛ فلا يحتاجون إلى أن يستفسروا في كُلِّ وقتٍ كيف يَكْتُبون ذلك، ومن رحمتهِ بهذه الأُمَّةِ لمَّا قصَّر أعمارها ضاعف أعمالها؛ فمن همَّ بحسنة كُتِبَ ذلك الهمُّ بحسنة؛ فإن عَمِلَها فقد ظهرت إلى ديوان العمل فضاعفها عشرًا.
ثم قوله: "إلى سبعمائة ضعف" إِنَّمَا يعني: على مِقْدَار ما يكون فيها من خُلُوصِ النِّيةِ، وإيقاعها في مواضعها التي يريد صاحبها حسنًا، قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] أي: بعد السبعمائة ضعف؛ بدليل قوله تعالى: ﴿أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥].
والمعنى في ذِكر السبعمائة أن العربَ تَنْتَهِي في التكَثير مِن عددِ الآحاد إلى سبعةٍ، وكذلك إذا أتوْا بالثمانية عَطَفُوا عليها بالواو، ويعنون أنه قد انتهى عدد القلَّةِ وخَرَجَ إلى عددِ الكثرة في قوله تعالى: ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ١١٢]، وقال تعالى: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، فإذا ضربت السبعة في عشرة كانت سبعين، ثم السبعون في عشرة: سبعمائة.
ثم قال بعد ذلك: ﴿أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]، و﴿كَثِيرَةً﴾ هنا نكرة، وهي أشمل من المعرفة، فمقتضاه أن يحسب توجيه الكثيرة على أكثر ما يمكن؛ فإذا تصدق العبد بحبة بُرٍّ، فإنه يحسب أن الحسنة لو بذرها في أزكى أرض، وتعاهدها إلى أن استَحصَدها، ثم سنة، ثم أخرى إلى يوم القيامة،
[ ٤١٦ ]
فيجتمع من الحَبَّةِ أمثال الجبال، وإن كانت مثقال ذرة من جنس الأثمان، فإنه ينظر إلى أربح شيء يُشْتَرى في ذلك الوقت، ويقدر أنه لو بيع في أَنْفَقِ سوق في أعظم بلَدٍ يكون ذلك الشيء أشد الأشياء نفاقًا، ثم يُضاعف إلى يوم الجزاء، فتأتي الذَّرَّة بما يكون مقدارها على قدر عظم الدنيا كلها.
وعلى هذا جميع أعمال البِر في معاملة الله إذا خرجت سهامها عن نية وأغرقت في نزع (١) قوس الإخلاص كانت تلك السهام ممتدة لا تنتهي عن يوم القيامة.
ومن ذلك أن فضلَ الله تعالى يتضاعف بالتَّحويل، كما إذا تصَدَّق على فقير بدرهم فآثر غيره به من هو أشد فقرًا؛ فيؤجر آخر، ثم آخر، ثم هكذا فيما تطاول؛ فإنه يحسب للمتصدِّق عن كُلِّ دِرهم عشرة؛ فإذا تحوَّل إلى الثاني انتقل ذلك إلى الثاني، فصار له عشرة وللأول عشرته التي انتقلت عشرة إلَّا أنها عشرة معشَّرة؛ لأن له أجر من عمل به، فكل واحد بعشرة، فصارت مائة؛ فإذا تصدق بها الثاني صارت للثاني مائة وللأول ألف؛ فإذا تصدق بها الثالث صارت له مائة وللثاني ألف وللأول عشرة آلاف، فتضاعف إلى ما لا يعلم مقداره إلَّا الله؛ وذلك لأن المتصدّق الأول بالدرهم أجره وأجر من عمل به سواء، فكلما تحول من شخص إلى شخص ضوعف ذلك للمتصدق الأول من حيث إنَّ له مثل أجره وأجر من عمل به المنتقل إليه.
ومن ذلك أيضًا أنه إذا حاسب الربُّ عبدَه يوم القيامة، فكانت حسناته متفاوتات؛ فيهن الرفيعة المقدار التي وعد الشارع ألف ألف حسنة أو ألفي ألف حسنة، فإنه تعالى بفضله وجوده يحسب سائر الحسنات بسعر تلك الحسنة العليا؛ لأن كرمه وجوده أعظم من أن يناقش من رضي عنه في ذلك، وقد قال:
_________________
(١) في الأصل: "تنزع" والتصويب من "الإفصاح".
[ ٤١٧ ]
﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧] كما أنه "إذا قالَ العَبْدُ في سُوقٍ مِن أَسْوَاقِ المسلمينَ: لا إله إلَّا اللهُ وَحدهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحمدُ، وَهْوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ، رَافِعًا بها صَوْتَهُ؛ كَتَبَ اللهُ لَهُ بذلِكَ أَلْفَ أَلْفِ (١) حَسَنةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ ألفِ سَيِّئةٍ، وَبَنَى لَهُ بيتًا في الجَنَّةِ" (٢) على ما جاء في الحديث.
وهذا الذي ذكرناه إنما هو بمِقْدَارِ المعرِفَةِ، لا على مقدار فَضْل الله -﷾- فإنه فوق أن يحده أحد أو يحصره خلق" (٣).
* تتمات:
معنى "كتب": قدَّر، كما مضى، أو أَمَرَ الحفظةَ بكِتَابتها، أو كَتَبَها في عِلْمِهِ على وَفْقِ الواقع فيها، وهو راجعٌ إلى قدَّر.
وقوله: "ثم بيَّن ذلك" أي: فصَّلَ الشَّارعُ ما أجملَ أولًا بقوله: "إن [الله] (٤) كتب الحسنات والسيئات". والحاصل أن لفظ الحديث طابق معناه من التَّضْعِيف والتكميل والاعتناء، وإفراد السيئة: ﴿فَلَا يُجْزَى إلا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] وهذا أعظم ما يكون في الإحسان، وأخف ما يكون في المسامحة.
_________________
(١) في الأصل: "ألفي ألف"، وفي "الإفصاح": "ألفي ألفي " والتصويب من مصادر التخريج.
(٢) رواه أحمد (١/ ٤١٠ رقم ٣٢٧)، والترمذي (٥/ ٤٢٧ رقم ٣٤٢٨)، وابن ماجه (٢/ ٧٥٢ رقم ٢٢٣٥)، والطيالسي (١/ ١٤ رقم ١٢)، وعبد بن حميد (١/ ٧٣ رقم ٢٨)، والبزار (١/ ٢٣٨ رقم ١٢٥)، والطبراني في "الدعاء" (٢/ ١١٦٥ رقم ٧٨٩ - ٧٩٣)، والدارمي (٣/ ١٧٦٢ رقم ٢٧٣٤)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٥١ رقم ١٨٢)، والحاكم (١/ ٥٣٨) عن عمر بن الخطاب - ﵁ -. والحديث صححه الألباني في "صحيح الترمذي" (٢٧٢٦).
(٣) إلى هنا انتهى كلام ابن هبيرة في "الإفصاح" (٣/ ٧٨ - ٨١) مع اختصار وتصرف.
(٤) سقط لفظ الجلالة من الأصل.
[ ٤١٨ ]
وقد جاء في "الصحيح": "ولا يَهلِكُ على اللهِ إلَّا هالك" (١) أي: لا يُعاقَب مع هذه المُسامحة إلَّا مُفَرِّط غايةَ التَّفريط، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) رواه مسلم (١/ ١١٨ رقم ١٣١/ ٢٠٨) من حديث ابن عباس - ﵄ -.
[ ٤١٩ ]