وهو في الحقيقةِ حَدِيثَان، لكنهما تَوَارَدَا على مَحَلٍّ واحِدٍ:
عن النَّوَّاسِ بنِ سَمْعَانَ - ﵁ - عن النَّبِيِّ - ﷺ - قال: "البِرُّ: حُسْنُ الخُلُقِ، والإِثْمُ: مَا حَاكَ في نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عليهِ النَّاسُ". رواه مسلم (١).
وعن وَابِصَةَ بنِ مَعْبَدٍ - ﵁ - قال: "آليْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - فقالَ: "جِئْتَ تَسْأل عنِ البِرِّ"؟ قُلتُ: نَعَمْ، قال: "اسْتَفْتِ قَلْبَكَ؛ البِرُّ: مًا اطْمَأَنَّتْ إِليهِ النَّفْسُ، واطْمَأَنَّ إِلَيْهِ القَلْبُ، والإِثمُ: مَا حَاكَ في نفْسِكَ (٢) وَتَرَدَّدَ في الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ".
حديثٌ صَحِيحٌ (٣)، رُوِّينَاهُ في مُسْنَدَيْ الإِمَامَيْن: أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ، والدَّارِميِّ بإِسْنَادٍ جَيِّدٍ (٤).
* * *
_________________
(١) (٤/ ١٩٨٠ رقم ٢٥٥٣).
(٢) في "الأربعين" (٦٤): "النَّفس".
(٣) في "الأربعين": "حديث حسن بإسنادٍ حسن"، وهو كذلك في "المنهج المبين" (٤٣١)، و"جامع العلوم والحكم" (٢/ ٩٣) وغيرهما.
(٤) رواه أحمد (٢٩/ ٢٧٥ رقم ١٨٠٠١)، والدارمي (٣/ ١٦٤٩ رقم ٢٥٧٥)، وأبو يعلى (٣/ ١٦٠ رقم ١٥٨٦، ١٥٨٧)، والطحاوي في "مشكل الآثار" (٥/ ٣٨٦ رقم ٢١٣٩)، والطبراني في "الكبير" (٢٢/ ١٤٨ رقم ٤٠٣)، وابن أبي الدنيا في "مداراة الناس" (٧٧ رقم ٨٥)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٦/ ٢٩٢). وإسناده فيه ضعف، لكنه حسن بالشواهد والمتابعات.
[ ٣١٨ ]
الكلام عليهما من وجوه:
أولها: "النَّوَّاس" -بفتح النون وتشديد الواو- بن سمعان -بكسر السين وفتحِها- الكلابي (١)، له صحبة ورواية، ولأبيه وفادة، تزوج -﵊- أخته، وهي المُتَعَوِّذَة (٢)، ويقال: إنه أنصاري (٣)؛ فلعله بالحلف (٤).
قال عن نفسه: "أَقَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بالمدِينَةِ سَنَةً، مَا يَمْنَعُنِي مِنَ الهِجْرَةِ إلا المَسْأَلَةُ" (٥).
أي: التي كان يسأل رسول الله - ﷺ - عنها، لأن المهاجرين نُهُوا عن ذلك بخِلَافِ الغَريبِ القَادِمِ، وهو دالٌّ على أنَّ الهِجرَةَ مَا كانت واجبة على من أسلم من أهل مكة (٦).
_________________
(١) ترجمته - ﵁ - في: "تهذيب الكمال" (٣٠/ ٣٧)، و"الإصابة" (٣/ ٥٤٦).
(٢) وذلك أنَّ النبي - ﷺ - لَمَّا دَخَلَ بها قالت: "أعوذ بالله منكَ"! فقال: "لقد عُذتِ بِمُعاذ" فطَلَّقَها. رواه البخاري (٧/ ٤١ رقم ٥٢٥٥). ولم أقف في أثناء بحثي في كلام أهل العلم على أنها كانت أُختًا للنواس، وإنما هي الجونية وقد اختلف في اسمها. انظر: "البداية والنهاية" (٨/ ٢١١ - ٢١٥)، و"فتح الباري" (٩/ ٢٦٨ - ٢٧٣)، و"أزواج النبي - ﷺ -" لمحمد بن يوسف الصالحي الدمشقي (ت:٩٤٢ هـ) ص (٢٤٣).
(٣) قاله مسلِمٌ في "صحيحه" (٤/ ١٩٨٠ رقم ٢٥٥٣/ ١٤)، وعدّه أبو علي الجَيَّاني من أوهام الإمام مسلم في "تقييد المُهمل وتمييز المُشْكِل" (٣/ ٩٢٠).
(٤) انظر: "المُعْلِم" (٣/ ١٦٢)، و"إكماله" (٨/ ١٧)، و"المفهم" (٦/ ٥٢١ - ٥٢٢)، و"شرح النووي" (١٦/ ٣٤٦).
(٥) رواه مسلم (٤/ ١٩٨٠ رقم ٢٥٥٣/ ١٥).
(٦) هذا الكلام فيه نظر؛ فإن الهجرة واجبة من مكة إلى المدينة -قبل فتح مكة- بنصِّ الكتاب والسنة واتفاق من يُعتدّ به من أهل العلم، قال الله - ﷿ -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ [النساء:٩٧ - ٩٨] الآية، وقوله - ﷺ -: "لا تنقطع الهجرة حتَّى تنقطع التوبة". [ينظر: "المغني" (١٣/ ١٤٩ - ١٥٢)]. =
[ ٣١٩ ]
ووابصة -بصاد مهملة قبلها ياء موحَّدة- بن معبد أبو سالم الأَسَدِي، وَفَدَ سنةَ تسعٍ [في] (١) عشرةٍ مع قومِهِ.
روى عن رسول الله - ﷺ -، وعن خُرَيم بن فاتك الأسدي وغيرهما.
وعنه: حنش بن المعتمر، وجمعٌ.
وكان قارئًا بَكَّاءً، وقبره بالرَّقةِ (٢).
وأحمد بن حنبل: هو الإمام العلامة أحد الأئمة المتبوعة، أبو عبد الله، روى عن إبراهيم بن سعد، وهشيم، وأُمَمٌ، وعنه (خ، م، د) والباقون بواسطة، وابْنَاه (٣)، وأممٌ؛ آخِرُهم: البغوي.
مات في ربيع الأول، سنةَ إِحْدَى وأربعين ومائتين عن سبع وسبعين سنة.
ترجَمتُهُ في مُجلَّدٍ، و"مُسْنَده" فيه أربعون ألف حديث، وقيل: ثلاثون، تكرر منها عشرة! (٤).
_________________
(١) = وقول وابصة ليسَ فيه أي دلالة على ما ذكر المؤلف، وإنما معناه -كما قال القاضي عياض والنووي-: أنَّ وابِصة أقام كالزائر للمدينة من غير نقلةٍ إليها من وطنهِ لاستيطانها وما منعه من الهجرة -وهي الانتقال من الوطن واستيطان المدينة- إلا الرغبة في سؤال رسول الله - ﷺ - عن أمور الدِّين، فإنه سُمِحَ بذلك للطارئين دون المهاجرين، وكان المهاجرون يفرحون بسؤال الغرباء الطارئين من الأعراب وغيرهم، وليس فيه أنَّه كان بمكة وآن مكة كانت دار كفر وقتها. وبالله التوفيق. انظر: "الإكمال" (٨/ ١٨)، و"شرح النووي" (١٦/ ٣٤٦ - ٣٤٧). وقد تقدَّم كلامٌ للمؤلف في أنَّ الهجرة باقِيةٌ وواجِبةٌ إذا لم يتمكن من إظهار دينه. انظر: صفحة (٨٩)، و"الإعلام" له (١/ ٢٠٠).
(٢) ما بين المعقوفتين من ترجمته في "تهذيب الكمال" (٣٠/ ٣٩٢).
(٣) انظر ترجمته في: "تاريخ الرقة" للقشيري (٣٣٤ هـ) (٢٨ - ٣٢)، و"تهذيب الكمال" (٣٠/ ٣٩٢)، و"الإصابة" (٣/ ٥٨٩).
(٤) أي: ابني الإمام أحمد وهما عبد الله وصالح -رحمهما الله-.
(٥) "مناقب الإمام أحمد" (٢٦١) لابن الجوزي. والمطبوع من "المسند" في أقل من ثلاثين ألفًا، والمكرر كثير، وفيه آثارٌ كثيرة تجاوزت (٢٥٠) أثرًا بالمكرر كما أحصيتُها بنفسي.
[ ٣٢٠ ]
جَمَعَهُ مِن سبعمائة وخمسين ألف حديث، وقال: "جعَلتُهُ حُجَّةً بينِي وبَينَ الله". قال: "فَكُلُّ حَدِيثٍ لا تَجِدُونَهُ فيه فَلَيْسَ [بحُجَّةٍ] (١) " (٢).
قلتُ: وقد أَخَلَّ بأحاديث منها حديث أم زرع الثابت في "الصحيح" (٣)، وخرّج ابن الجوزي - ﵀ - في "موضوعاته" مِن "مسنده" سبعة أحاديث،
_________________
(١) في الأصل: "لي شيء"؟! والمثبت من مصادر التخريج.
(٢) رواه المديني في "خصائص المسند" (١/ ٢١)، وابن الجوزي في "جامع المسانيد" (١/ ٥ - ٦)، و"المناقب" (٢٦٢)، وابن الجزري في "المصعد الأحمد" (١/ ٣١ ضمن المسند). تنبيه: قال الإمام ابن القيم في "الفروسية" (٢٧١): "هذه الحكاية قد ذكرها حنبل في "تاريخه"، وهي صحيحة بلا شكٍّ، لكن لا تَدُلُّ على أنَّ كُلَّ ما رواه في "المسند" فهو صحيحٌ عنده، فالفرق بين أن يكون كلُّ حديث لا يوجد له أصل في "المسند" فليس بحجَّة، وبين أن يقول: كل حديث فيه فهو حجةٌ. وكلامه يدل على الأول لا على الثاني. وقد استشكل بعض الحفاظ هذا من أحمد، وقال: "في"الصحيحين" أحاديث ليست في المسند"". وأُجيب عن هذا بأنَّ تلكَ الألفاظ بعينها وإنْ خَلَا "المسند" عنها، فلَهَا أُصولٌ ونظائر وشواهد، وأمَّا أن يكون متن صحيح لا مطعن فيه ليس له في "المسند" أصل ولا نظير؛ فلا يكاد يوجد ألبتَّه". وينظر: "منهاج السنة" لشيخه ابن تيمية (٧/ ٥٣).
(٣) حديث أم زرع رواه البخاري (٧/ ٢٧ رقم ٥١٨٩)، ومسلم (٤/ ١٨٩٦ رقم ٢٤٤٨) من حديث أم المؤمنين عائشة - ﵂ -. قال الجزري في "المصعد الأحمد" (١/ ٣٠ - ٣١): " وأجيبَ عن ذلكَ بأنَّ الإمام أحمد شَرَعَ في جمع هذا "المُسْنَد" فكَتَبَهُ في أوراق مفردة، وفَرَّقه في أجزاء مُنفَرِدَةٍ، على نَحْوِ ما تكون المسوَّدة. ثم جاء حلولُ المنِيَّة قبل حصولِ الأُمْنِية، فبادر بإسماعه لأولادهِ وأهل بيته، ومات قبل تنقيحه وتهذيبه، فبقي على حاله، ثم إن ابنه عبد الله ألحقَ به ما يُشاكِله، وضمَّ إليه من مسموعاته ما يشابهه ويماثله، فسمع القطيعي من كتبه من تلك النسخة على ما يظفر به منها، فوقع الاختلاط من المسانيد والتكرار من هذا الوجه قديمًا، فبقي كثير من الأحاديث في الأوراق والأجزاء لم يظفر بها، فما لم يوجد فيه من الأحاديث الصحاح من هذا القبيل. وأما حديث "أم زرع"، فسمعتُ شيخنا الحافظ الحجة ابن كثير يقول: إنما لم يخرجه أحمد في "المسند"؛ لأنه ليس من قول النبي - ﷺ -، بل هو حكايةٌ مِن عائشة - ﵂ -. والله أعلم".
[ ٣٢١ ]
وأهمل كثيرًا!! (١)، وأكثر منه في "عِلَله"، نعم؛ جازَفَ في "موضوعاته" احتياطًا لتهذِيب السُّنة، وقد أنكرَ ذلك عليه الحُفَّاظ، وبعضها صحيح وبعضها حسن (٢).
ثم اعلم أَنَّ الإمامَ أحمد - ﵀ - لم يلتزم الصِّحَّةَ في "مسنده"، وإِنَّمَا أخرجَ مَا لَمْ يُجْمِع الناس على تَرْكِهِ، و"مسنده" مع "مسند" إسحاق (٣) و"المسند" لابن أبي شيبة و"مصنفه"، مُتَقَاربة في الكثرة والشُّهرة، و"مسند البزار"، وأبي يعلى متقاربان في التَّوَسّط، و"مسند" الحميدي، والدارمي متقاربان في الاختصار.
وأَمَّا الدَّارِميُّ؛ فمسنده لطيف وغالِبُهُ الصِّحة، وهو أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي التميمي السمرقندي الحافظ، عالمها، من دارم بن مالك بن
_________________
(١) الأحاديث التي حكم عليها ابن الجوزي بالوضع في "المسند" أكثر من سبعة، ذكر الحافظ العراقي منها ستة، والحافظ ابن حجر خمسة عشر، وقد أجاب ابن حجر عنها، وذكر أنها لا تنزل إلى درجة الوضع، انظر: "القول المسدد في الذب عن مسند الإمام أحمد". وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنَّه ليس في "المسند" حديث موضوعٌ وهو الَّذي "قد يُرادُ به المختَلَق المصنوع الَّذي يتعمَّد صاحبه الكذب". "المصعد الأحمد" (١/ ٣٥)، و"الفتاوى" (١٨/ ٢٦). وقال الحافظ ابن حجر في "تعجيل المنفعة" (١/ ٢٤١) -بعد ذِكره لتعقبه لابن الجوزي في رسالته "القول المسدد"-: " ثُمَّ تعقَّبتُ كلام ابن الجوزي فيها حديثًا حديثًا، وظَهرَ مِن ذلكَ أنَّ غالبها جِيَادٌ، وأَنَّهُ لا يَتَأَتَّى القَطْعُ بالوَضع في شيءٍ مِنها، بل ولا الحكم بكون واحدٍ منها موضوعًا إلا الفرد النادر، مع الاحتمال القوي في دفع ذلك". ومما يدل على صحة كلام ابن الجزري وابن حجر أن هناك بعض الأحاديث التي ضعَّفها الإمام أحمد في كتابه "العلل" رواها في "المسند" [انظر: المسند (١/ ٧٠ - ٧٦ ط الرسالة)، و"الفروسية" لابن القيم (٢٤٦ - ٢٧١)، مما يدل على أنَّه أراد تنقيحه ولكن اختَرَمتهُ المنية قبل ذلك. انظر "تعجيل المنفعة" (١/ ٢٤٠ - ٢٤١). والكلام في هذه المسألة طويل الذيل -كما يقولون- ولكني أردتُ الإشارةَ والبيان.
(٢) انظر ترجمته في: "طبقات علماء الحديث" (٢/ ٨١)، و"السير" (١١/ ١٧٧).
(٣) هو الإمام إسحاق بن راهويه، وجزءٌ من "مسنده" مطبوع بتحقيق د. عبد الغفور البلوشي.
[ ٣٢٢ ]
حنظلة بن زيد مناة بن تميم.
روى عن: يزيد بن هارون، والنَّضْر بن شُمَيْل، وخلائق.
وعنه: م، د، ت، وأبو زرعة، وخلق.
قال أبو حاتم: "هو إِمامُ أهل زَمَانِهِ" (١).
وُلِدَ سنة إحدى وثمانين ومائة، ومات سنة خمس وخمسين ومائتين، صَنَّفَ "المسند"، و"التفسير"، و"الجامع" ولمَّا بلغ البخاريَّ نعيُه بكى، وأنشأ:
إِنْ تبقَ تُفْجَعْ بالأَحِبَّةِ كُلِّهِمْ وَفَنَاءُ نَفْسِكَ لَا أبَا لَكَ أفجعُ
قال إسحاق بن أحمد: "ومَا سَمِعْنَاهُ يُنْشِدُ شِعرًا إلَّا مَا يَجِيءُ في الحديث" (٢).
قال الترمذي: "سمعتُ محمد بن إسماعيل يُحَدِّثُ بحديثِ "مَنْ شَيعَّ جنازة" عن عبد الله بن عبد الرحمن" (٣).
وفي "كامل ابن عدي" عن النسائي، عن الدارمي (٥٤).
الثاني: "البر" ضد الفجور، و"المبرة" مثله، تقول: بررت والدي -بالكسر- أبره برًّا؛ فأنا برٌّ به وبارٌّ، وجمع البَرِّ: الأَبرارُ، وجمع البار: البررة، ومعنى "سألته عن البر والإثم": عما يبر فاعله ويلحق بالأبرار وهم المطيعون، وعما يأثم فاعله فيلحق بضدهم، فأجابه الشارع بجواب جملي؛ فأغناه عن التفصيل فقال له: "البر: حسن الخلق" أي: أَنَّهُ أعظَمُ خِصال البر كـ "الحَجُّ عَرَفَةُ".
_________________
(١) "تاريخ بغداد" (١٠/ ٣٢)، و"تهذيب الكمال" (١٥/ ٢١٥)، و"السير" (١٢/ ٢٢٧).
(٢) "تهذيب الكمال" (١٥/ ٢١٧)، و"السير" (١٢/ ٢٢٩)، ومقدمة "فتح الباري" (٥٠٦).
(٣) انظر: "شرح علل الترمذي" لابن رجب (٢/ ٥٦٠).
(٤) "الكامل" لابن عدي (٣/ ٣١٧). وترجمة الدارمي في: "تهذيب الكمال" (١٥/ ٢١٠)، و"السير" (١٢/ ٢٢٤).
[ ٣٢٣ ]
ويعني بحسن الخلق: الإنصافُ في المعاملة، والرِّفق في المجادلة (١)، والعدل في الأحكام، والبذل والإحسان (٢).
وإِنْ شِئتَ قُلتَ: هو بذْلُ النَّدَى، وكَفُّ الأَذَى، وأَنْ يُحِبَّ للناس ما يُحِبُّ لنفْسِهِ.
أو: طَلَاقةُ الوَجهِ، وكَفُّ الأَذَى، وبذلُ المَعْرُوفِ (٣).
والبِرُّ تارةً يُقَابَلُ بالفجور والإثم، فيكون عبارة عَمَّا اقتضاه الشَّرْع وُجُوبًا ونَدْبًا، كَمَا أنَّ الإِثمَ عِبَارَةٌ عَمَّا نهى عنه حُرْمَةً وكَرَاهة، وْيُقَابَلُ تارةً بالعقوق، فيكونُ عِبارة عن الإحسان، كما أن العقوق عبارة عن الإساءة (٤).
وكأَنَّ المراد بقوله: "البِرُّ: حُسْنُ الخُلُق" مُعْظَمه -كما سلف-، كـ "الحَجُّ: عَرَفَةُ"، و"الدِّينُ: النَّصِيحة"، وهوَ مِن أَوْجَزِ لفظه وأبلغه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وكَأَنَّ المراد هنا بالخُلُق: التَّخَلُّق.
الثالث: "الإثم": الذَّنب، يقال: أثم إثمًا ومَأْثَمًا: إذا وَقَعَ فيه، فهوَ آثِمٌ وأَثِيمٌ ومأْثُومٌ.
_________________
(١) في الأصل: "المحاولة"! والتصويب من "المفهم".
(٢) قارن بـ "المفهم" (٦/ ٥٢٢).
(٣) جاء عن ابن المبارك كما رواه المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٢/ ٨٦٣ رقم ٨٧٥). ثم قال المروزي عقبه (٢/ ٨٦٣ - ٨٦٤): "وقال غير ابن المبارك من أهل العلم: حُسنُ الخُلق: كَظْمُ الغيظ لله تعالى، وإظهارُ الطلَاقة والبِشر إلا للمُبْتَدِع والفاجر، إلا أن يكون فاجرًا إذا انبسطتَ إليه أقلَع واستَحْيا، والعفو عن الزالين إلَّا تأديبًا، أو إقامَةَ حَدٍّ؛ وكفِّ الأذى عن كلِّ مُسْلِمٍ ومُعَاهَدٍ إلَّا تغييرًا عن منكر، أو أخذًا بمظلمة لمظلوم من غير تعدٍّ". وانظر: "سبل الهدى والرشاد" للصالحي (٧/ ٢٦ - ٢٧).
(٤) قارن بـ "التعيين" (٢٠٤).
[ ٣٢٤ ]
ومعنى: "حَاكَ": أثر وتردد، ومنه قولهم: ضربته فما حاك فيه السيف؛ أي: مَا أَثَّرَ، وحاك الشيء في قلبي: إذا رَسَخَ فيهِ وَثَبَتَ، ولا يَحِيكُ هذا في قلبي، أي: لا يَثْبُتُ فيه ولا يَسْتَقِرُّ.
قال شَمِرٌ: "الكَلامُ الحائِكُ: هو الراسخ في القلب" (١).
ومعنى الحديث: الشيء الَّذي يؤثر نُفْرَةً وحَزازة (٢) في القلب، وإِنَّمَا أحالَهُ الشَّارعُ على هذا الإدْرَاكِ القَلْبِيِّ، لِمَا عَلِمَ مِن جَوْدَةِ فَهْمِهِ، وَحُسْنِ قَرِيحَتِهِ، وتنوير قلبه، وأَنَّهُ يُدْرِكُ ذَلِكَ مِنْ نَفْسه. وهذا كما قال في الحديث الآخر: "الإِثمُ حَزَّازُ القُلوب" وفي رواية: "حَوَّاز القُلُوب" (٣) يعني به: القلوب المنشرحة للإسلام، المُنَوَّرة بالعلم الَّذي قال فيه مالك - ﵁ -: "العِلْمُ نُور يَقذِفُهُ اللهُ في قَلْبِ مَنْ يَشَاء" (٤).
وضبط الجوهري "حزَّاز" -بتشديد الزاي فقط-، قال: "وهوَ مَا حَزَّ في القلبِ، وكلُّ شيءٍ حَكَّ في صَدْرِكَ فقد حَزَّ" (٥).
_________________
(١) ذكره عنه في "تاج العروس" (٢٧/ ١٣٢).
(٢) في الأصل: "وحرارة"، والتصويب من "المفهم" (٦/ ٥٢٣) وما بعده يدل عليه، وعامة هذه المسألة مأخوذة من "المفهم" إلى قول عائشة - ﵂ -.
(٣) رواه البيهقي في "الشعب" (٧/ ٣٠٧ رقم ٥٠٥١) من حديث ابن مسعود - مرفوعًا -. ورواه الطبراني في "الكبير" (٩/ ١٤٩ رقم ٨٧٤٨، ٨٧٤٩) - موقوفًا -. قال الهيثمي في "المجمع" (١/ ١٧٦): "رواه الطبراني بأسانيد رجالها ثقات". والحديث الصواب وقفه على ابن مسعود - ﵁ -. كما قاله الألباني في "صفة الفتوى" لابن حمدان (٥٦).
(٤) رواه الجوهري في "مسند الموطأ" (٨٧ - ٨٨ رقم ١٤)، وابن عدي في الكامل (١/ ٢٥)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٣١٩)، والرامهرمزي في "المحدث الفاصل" (٥٥٨)، والخطيب في "الجامع" (٢/ ١٧٤ رقم ١٥٢٦).
(٥) "الصِّحاح" (٣/ ٨٧٤)، وانظر "النهاية" لابن الأثير (١/ ٣٧٧ - ٣٧٨، ٤٥٩).
[ ٣٢٥ ]
وهذا الجوابُ لا يَصلُحُ لغَلِيظِ الطَّبعِ قليل العلم، فإذا سأل عن ذلك مَن قَلَّ فهمُهُ فُصِّلت له الأوامر والنواهي الشَّرعية.
وقد قالت عائشة - ﵂ -: "أَمَرَنَا رَسُولُ الله - ﷺ - أَنْ نُنْزِلَ النَّاسَ مَنَازِلَهمْ" (١).
قال صاحب "الإفصاح" (٢): "هذا أصل -يعني: قوله: "الإثم: ما حاك في نفسك"- يُتَمَسَّك به لمعرفة الإثم من البر؛ فإنه قد يطمئن القلب للعمل الصالح طمأنينة تُبَشِّره بأَمْرِ العَاقِبة، والإثم يحك في الصدر عن طمأنينة؛ لأنه لا يقر الشرع عليه، وإنما يكون على وجهٍ يَشذّ، أو تأويل مُحْتَمَل إلَّا أن مِعيَارَهُ يَظهر بأنَّه إنْ كَرِهَ صاحبه الاطِّلاع عليه، والناس ها هنا مُعَرَّف، فهو يَنْصَرِفُ إلى وُجُوهِ الناس وأَمَاثِلِهم لا إلى رَعَاعِهم؛ فذلِكَ -حينئذ- هوَ الإثم فليتركه، وهذا ما زال ظاهرًا معروفًا حتَّى قد قال زهير (٣):
أَلسِّتر دونَ الفاحِشاتِ وَلَا يلقاك دونَ الخير من سِتْرِ"
الرابع: معنى "اطْمأَنَّت": سَكنَتْ، ومنه: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ [النساء:١٠٣] أي: سكنتم من انزعاج الحرب وحركته، ولا شَكَّ أَنَّ النفسَ لها شُعُورٌ مِن أَصْلِ الفِطرَةِ بما تُحْمَدُ عاقبته وبما لا يحمد، ولكن الشَّهْوَةَ غَلَبَتْها بحيث يوجب لها الإقدام على ما يضرها، كاللِّص تغلِبُه الشَّهوة على السَّرقة، وهو خائِفٌ مِن الحَدِّ، والزَّاني ونحوه كذلك؛ فإذا تَقَرَّرَ ذلك فقد تضمَّنت هذه الجُمْلة علامَتَيْن:
تأثره في النفس وتردده، وما ذاك إلَّا لِشُعورها بسوء العاقبة.
_________________
(١) ذكره مُسلم في مقدّمة "صحيحه" (١/ ٦)، ورواه أبو داود (٥/ ١١٢ رقم ٤٨٤٢).
(٢) المطبوع من "الإفصاح" توقَّفَ عندَ الجزء الثامن -شرحُ مُسندِ "جابر بن عبد الله" - ﵄ -، وبينَهُ وبين النواس- على ترتيب الحُمَيْدي صاحِب الأصل - عَشَرَاتُ المسانيد.
(٣) "ديوان زهير بن أبي سلمى" (٥٦).
[ ٣٢٦ ]
وكراهته اطلاع الناس على [الشيء يدُلُّ على أنَّه إثمٌ؛ لأنَّ النفسَ بِطَبْعِها تُحِبِّ اطِّلاع الناس على] (١) خيرها وبِرِّها (٢)، ومِن ثَمَّ هَلَكَ كثيرٌ مِن الناس بالرِّياء، فإذا كَرِهتْ اطِّلاع بعض الناس على بعض أفعالها علِمنَا أَنَّهُ ليس خيرًا وبِرًّا، فهو إذن شَرٌّ وإثم.
ثُمَّ إِنَّ هاتين العلامَتَين واحدة مُرَكَّبةٌ مِن أمرَيْن ويحتمل استقلالهما، ويؤيد الأول العطفُ؛ إذ مقتضاه المغايرة، ويَتَحَصَّلُ مِن ذلك قِسْمَةٌ رُبَاعِيَّة، وهي أنَّ الفعلَ إِمَّا أن يحيكَ في النفس ويكره اطلاع الناس عليه، أَوْ لَا وَلَا (٣)، أو يحيك فلا يكره، أو يكره ولا يحيك؛ فالأول إِثمٌ: كالزنا والسرقة، والثاني ليس بإثم كالعبادة والأكل والشرب ونحوه، والثالث والرابع إِنْ أمكَنَ وجودهما فهما مُتَرَدِّدان بين الإثم والبر من باب قوله: "وبينَهمَا مُشْتَبِهاتٌ" (٤) أو يكرههن كراهة تنزيه (٥).
الخامس: الكراهة المعتبرة هنا الكراهة الدينية الجازمة، فخرج بالدينية: العادية، وبالجازمة غيرها؛ فالأول: كمن يكره أن يرى على الأرض حبًّا أو جبلًا أو نحو ذلك، والثاني: كمن يكره أن يركب بين المشاة تواضعًا ونحوه، ثم لو رأى ذلك لم يبال، لأن كراهة ذلك غير جازمة به.
تتميم آخر: الفِعلُ إِمَّا جارحةٌ أو قلبٌ، وعلى التقديرين: فَإِمَّا ألا يكره اطلاع الناس عليه كالعبادة والأكل والشرب والإخلاص والمعرفة والتوكل
_________________
(١) ما بين المعقوفتين من "التعيين" (٢٠٤).
(٢) في الأصل: "وشرها" والسياق يأباها، وهي على الصواب في "التعيين" (٢٠٤).
(٣) يعني: لا يحيك فيها، ولا يكره اطِّلاعهم عليه. انظر: "التعيين" (٢٠٥).
(٤) تقدّم تخريجه، وهو الحديث السادس من "الأربعين".
(٥) هذه المسألة والتي تليها انظرها في "التعيين" (٢٠٤ - ٢٠٨).
[ ٣٢٧ ]
ونحوه، فهو بِرٌّ، أو يكره، فإنْ كان جارحيًّا كالمحرمات فَإِثمٌ، وإِنْ كانَ قَلْبِيًّا فهو إما: مُسْتَقِلٌّ، أو غيره.
فالأول: بألَّا يتوقف الجزاء عليه على عمل؛ كالكبر ونحوه فهو إثم.
والثاني: الهَمُّ بِمُحَرَّمٍ؛ فإن لم يوجد تصميم فلا إثم للتجاوز عنه، ويثاب عليه؛ لأنه حاكَ (١) في النفس؛ وكره اطلاع الناس عليه، وقد قال - ﵊ - في مثل هذا أنَّه "صَرِيحُ الإِيمَانِ" لَمَّا قيل له: "إِنَّا نَجِدُ في أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَنْطِقَ بِهِ" (٢) أي: إعظام النطق له، وذلك صريحُ الإيمان.
وكذا إذا هَمَّ بمُحَرَّمٍ ثم نَفَرَتْ نفسه منه أُثيبَ عليه إذ لم ينفر مِنه إلَّا مِن الإيمان وصار من باب: "اكتُبُوها لهُ حَسَنَةً؛ إِنَّمَا تَرَكها مِنْ جَرَّاي" (٣) أو قريبًا مِنْهُ، وإن صَمَّمَ فهو إِثمٌ؛ لقوله: "الإثْمُ: مَا حَاكَ في نَفْسِكَ" إلى آخره، وهذه مسأَلةٌ خِلَافِيَّةٌ.
وكأَنَّ الحديث يقتَضي أنَّ الخَطَرَات والهمم الضعيفة بالحرام إثمٌ، ولكن خُصَّ عمومه بالتجاوز عنه جمعًا بين الأدلة.
وحينئذ نَقُول -في كُلِّ عزمٍ على مَعْصِيةٍ بَدَنِيَّةٍ-: هذا العزم يحيك في النفس ويكره أن يطلع عليه الناس، وكلما كان كذلك فهو إثم؛ فهذا العزم إثم، ومما يشهد لهذَا: الحَديث الآخر: "إِنَّهُ كانَ حَريصًا على قَتْلِ صَاحِبِهِ" (٤) فَعَلَّلَ
_________________
(١) في الأصل: "لأن له حال" والتصويب من "التعيين" (٢٠٦).
(٢) رواه مسلم (١/ ١١٩ رقم ١٣٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ - وفيه: قال النبي - ﷺ -: "وجَدْتُمُوهُ"؟ قالوا: نعمْ. قالَ: "ذَلِكَ صَريحُ الإيمَانِ".
(٣) رواه مسلم (١/ ١١٧ رقم ١٢٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -. و"جَرَّاي" بالمدِّ والقصر -لغتان- معناه: مِن أجلي.
(٤) رواه البخاري (١/ ١٥ رقم ٣١)، ومسلم (٢٢١٣/ ٤ رقم ٢٨٨٨) من حديث أبي بكرة - ﵁ -.
[ ٣٢٨ ]
دخُولَه النار بحرصه على قتل صاحبه، وهو عزمٌ مُجَرَّدٌ، لا يُقَال: إِنَّ هذا حِرصٌ اقتَرَنَ به العمل، وهو لقاؤُهُ خَصْمه بالسَّيف، فاندرجَ تحتَ قوله في الحديث: "مَا لَمْ تَعْمَلْ" (١)؛ لأنه عَلَّلَ دخولَ النار بمُجَرَّدِ الحِرصِ. ومما يَشْهَدُ لذلك حديث: "الرِّجَالُ أربعةٌ: رَجُل أُوْتِيَ مَالًا فَنَفَّقَهُ في البِرِّ، ورَجُلٌ قال: لَوْ كَانَ لي مِثلُ مَا لِفُلانٍ لَفَعَلْتُ كمَا فَعَلَ؛ فَهما سَواءٌ في الأَجْرِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَأَنْفَقَهُ في الفُجُورِ، وَرَجُلٌ قال: لَوْ كَانَ لي مِثلُ مَا لِفُلَانٍ لَفَعَلْتُ مِثلَ مَا فَعَلَ؛ فَهما سَوَاءٌ في الإِثْمِ" (٢). فهذا وِزْرٌ على العزم المُجَرَّدِ على المعصية، إذْ لَمْ يُقَارنه فعل معصية.
نعم؛ قد يُقال: قارَنَهُ القول، وهو "لَوْ كَانَ لي" إلى آخره، فاندرج تحت قوله: "أو تَكَلَّم به" لكن معنى الحديث: ما لم يتكلم به كلامًا مُؤَثَرًا في المفسدة، مثل أن يعزم على القذف فيقذف، أمَّا كلامٌ لا أثرَ له فيها فوجوده كَعَدَمِهِ.
وقوله: "لَوْ كَانَ لي" إلى آخره مِنْ ذَلِكَ، وبقي (٣) ترتيب الوزر على مجرد العزم. وهذا مِن بابِ تَنْقِيحِ المَنَاط، فحذف ما لا يصلح لتعلق الحكم به من الأوصاف، وانتِقَاء ما يصلح لذلك منها.
_________________
(١) رواه مسلم (١/ ١١٦ رقم ١٢٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ - ولفظه بتمامه: "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَها مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ بهِ"، وفي لفظٍ: "ما لم يَتَكَلَّمُوا أو يَعْمَلُوا بهِ". وإنما ذكرته، لأن المؤلف سَيُورِدُهُ مجزأً للاحتجاج به، فلا نحتاج إلى تكرار التخريج أو الإحالة.
(٢) رواه الترمذي (٤/ ١٥٣ رقم ٢٣٢٥)، وابن ماجة (٢/ ١٤١٣ رقم ٤٢٢٨)، وأحمد (٢٩/ ٢٥٥ رقم ١٨٠٢٤، ١٨٠٣١) من حديث أبي كَبْشَةَ الأَنْمَارِي - ﵁ -. وهو حديث صحيح، صححه الترمذي، والألباني في "صحيح الترمذي" (١٨٩٥)، و"صحيح الترغيب والترهيب" (١/ ١٠٩ رقم ١٦).
(٣) في الأصل: "نفى"؟ والظاهر أن الصواب ما أثبتناه كما في "التعيين" (٢٠٨).
[ ٣٢٩ ]
السادس: قوله - ﵊ لوابِصَة -: "جِئتَ تَسْأَلُ عن البِرِّ"؟ هوَ مِن بابِ الكَشْفِ، كذلك جاء في بعض الروايات: "أنَّ وابِصَةَ جاءَ يَتَخَطَّى الناسَ، حتَّى جَلَسَ بينَ يَدَيْ رَسُولِ الله - ﷺ - فقال: "يا وابصة! تُحَدِّثُني مَا جِئتَ فيهِ أَوْ أُحَدِّثكَ"؟ فقال: بل أنتَ حَدِّثْني يا رسولَ الله؛ فهوَ أَحَبُّ إليَّ. قال: "جئتَ تَسْأَلُ عن البِرِّ والإِثمِ؟ قال: نعم" (١).
* تتمات:
قوله: "استَفْتِ قَلْبَكَ" هو راجع إلى مَا سَلَفَ مِن شعورِ النَّفسِ والقَلبِ بِمَا يحمد عاقبتها فيه أو يذم.
قوله: "البر " إلى آخره، هو كقوله أولًا: "البر: حُسْنُ الخُلُقِ"؛ لأَنَّ حسن الخلق تطمئن له النَّفسُ والقلبُ.
وقوله: "الإثمُ: مَا حَاكَ في النَّفسِ، وتَرَدَّدَ في الصَّدر" وهو شَبيهٌ بقوله: "الإثمُ: مَا كَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ" لأَنَّ مَا تَرَدَّدَ في النفس فهوَ إِثمٌ أو محلّ شُبْهَةٍ، ولابُدَّ مِن ذلك مما يكره اطلاع الناس عليه.
وقوله: "وإنْ أفتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ" أي: قد أعْطَيْتُكَ علامةَ الإثم فاعتَبِرْها في اجتنابه، ولا تُقَلَّد مَن أفتاكَ في مُقَارَبَتِهِ، وإنما وَحَّدَ الفعل الأول لإسناده إلى ظَاهِرٍ، وجمَعَ الثاني لإسناده إلى ضمير، والأصلُ فيه أَنَّ الفعلَ إِنَّمَا يكون له فاعل واحد، وإن كان ظاهرًا امتنع إيصال ضميره بالفعل نحوه: "أفتاك (٢)
_________________
(١) رواه البخاري في "التاريخ" (١/ ١٤٤)، وأحمد (٢٩/ ٥٢٣ رقم ١٧٩٩٩، ١٨٠٠١)، والطبراني في "الكبير" (٢٢/ ١٤٨ رقم ٤٠٢)، و"مسند الشاميين" (٣١٦٤ رقم ٢٠٠٠)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٦/ ٢٩٢). وهو حديث ضعيف، فيه أبو عبد الله السُّلمي، قال ابن المديني: "مجهول". انظر: "جامع العلوم والحِكَم" (٢/ ٩٤).
(٢) في الأصل: "أفتوك" والتصويب من "التعيين" (٢١٠) والسياق.
[ ٣٣٠ ]
الناس" لِئَلَّا يتعَدَّد الفاعل وهو غيرُ جائِزٍ، وإن لم يكن ظاهرًا وجب إضماره، نحو "أفتَوْك" لِئَلَّا يَتَجَرَّد الفعل عن الفاعل، وهو غير جائز.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوْا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء:٣]، و﴿عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٧١]. فهو من باب البدل في الضمير، لا مِن باب تعدد الفاعل، ولا من باب: "أكلوني البراغيث"، فإنها لغيَّة، وقد تأولها قوم على أَنَّ الضميرَ عَلامَةُ جمع الفاعل، كالتاء في "قامت هند" علامة تأنيث الفاعل.
فإن قلت: قوله هنا: "والإثمُ: مَا حَاكَ في نَفْسِكَ" يقتضي أن الأمور المشتبهة إثم؛ لأنها تحك في النفس وتتردد في الصدر، وهذا يعارض قوله في الحديث السألف: "فمَن اتَّقَى الشُّبهات" إلى آخره، فإن مقتضاه أنها ليست إثمًا؛ وإنما شرع [اجتنابها] (١) وَرَعًا كَمَا مَرَّ.
والجواب: منع كون الشبهات ليست إثمًا، لأنَّ الاستبراء للدِّين والعِرْض واجِبٌ، واتِّقَاءُ الشُّبهات طريقٌ إليه، والطريق إلى الواجب واجِبٌ، فما كان اتقاؤها واجب فملابستها (٢) إثم.
تنزَّلنا وسلَّمنَا ذلك، لكنه محمول على ما إذا ضَعُفت الشبهة فيبني على أصل الحل، وتجنب محلها ورعًا.
وهذا الحديث محمولٌ على مَا إذا قَوِيَت، ويكون مِن باب تَرْكِ الأصل الظاهر، أَعنِي: أصل الحِلِّ، لا حل الشُّبهة وتمكنها (٣).
* * *
_________________
(١) في الأصل: "اجتنائها". والمثبت من "التعيين" (٢٠٩) والسياق يقتضيه.
(٢) في الأصل: "فيما سببها" والتصويب من "التعيين" (٢١٠).
(٣) "التَّتمات" استفادها المؤلف من "التعيين" (٢٠٩ - ٢١٠) مع زيادات يسيرة.
[ ٣٣١ ]