عن أبي عبدِ الله النُّعْمَانِ بنِ بَشيرٍ - ﵁ - قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "إِنَّ الحَلالَ بَيِّنٌ، وإنَّ الحَرامَ بَيِّنٌ، وبَيْنَهمَا مُشْتَبِهاتٌ لا يَعْلَمُهنَّ كَثيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ في الشُّبُهاتِ وقَعَ في الحَرَامِ، كالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أنْ يَرْتَعَ فيهِ، أَلا وإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَى، أَلا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلا وَإِنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلا وهيَ القَلْبُ".
رواهُ البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ (١).
* * *
الكلامُ عليهِ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: النُّعمان هذا كما كَنَّاهُ مَدَنيٌّ خَزْرَجيٌّ، صحابيٌّ ابن صحابيٍّ، وأُمُّهُ عمرة بنت رواحة، أخت عبد الله بن رواحة، وهو أولُ مولودٍ وُلدَ في الأنصَار بعدَ قُدُومِ رسول الله - ﷺ - المدينة، ووُلِدَ هو وعبد الله بن الزُّبَيْر عام اثنين
_________________
(١) رواه أحمد (٣٠/ ٣٢٤ رقم ١٨٣٧٤، ١٨٣٤٧، ١٨٣٦٨، ١٨٣٨٤، ١٨٤١٨)، والبخاري (١/ ٢٠ رقم ٥٢، ٢٠٥١)، ومسلم (٣/ ١٢١٩ رقم ١٥٩٩)، وأبو داود (٣/ ٤٠٥ رقم ٣٣٢٩، ٣٣٣٠)، والترمذي (٢/ ٤٩٥ رقم ١٢٠٥)، والنسائي (٧/ ٢٤١ رقم ٤٤٥٣)، (٨/ ٣٢٧ رقم ٥٧١٠)، وفي "الكبرى" (٥/ ١١٧ رقم ٥٢٠٠)، (٦/ ٥ رقم ٥٩٩٧)، وابن ماجه (٢/ ١٣١٨ رقم ٣٩٨٤).
[ ١٥٥ ]
مِنَ الهِجرة في قولِ الأكثرين، وتُنْسَبُ إليه مَعَرَّةُ (١) النُّعمان، لأنه كان مُقِيمًا بها أو واليًا عليها، وَوَليَ حمص ليزيد، وقُتِلَ: في أواخر سنة أربعٍ وستين، أو سنة ستٍّ (٢).
ثانِيها: هذا الحديث رواهُ عن النبي - ﷺ - غير النُّعْمَان، رواه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وابنه الحسن، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وابن عمر، وابن عباس، وعمَّار بن ياسر - ﵃ -.
ثانيها: هذا الحديثُ مُجْمَعٌ علي عِظَمِ موقِعهِ، وكثرةِ فوائِدِهِ، وأَنَّهُ أحد الأحاديث التي يدورُ عليها الإسلام.
قال جماعة: "هو ثلثه".
وقال أبو داود: "ربعه" (٣).
ومَنْ أنْعَمَ النَّظَرَ وجَدَه حاويًا لجميعهِ؛ فإنهُ مُشْتَمِل علي الحَلالِ والحرامِ، والمُتَشَابِهِ، ومَا يُصْلحُ القُلوبَ وَمَا يُفْسِدُها، وتتعلَّقُ أعمالُ الجَوارح بها فيستلزم إذًا معرفةَ تفاصيل أحكامِ الشريعةِ كلِّها، أصولها وفُرُوعِها (٤).
وهو أصلٌ -أيضًا- في الوَرَع، وهو: تركُ المُتشابهِ إلى غيرهِ، "دع ما يَريبُكَ إلى مَا لا يَريبكَ".
_________________
(١) في الأصل بعدها: "بن" وهو خطأ! و"معرَّة النُّعمان": مدينة كبيرة بين حلب وحماة. انظر: "معجم البلدان" (٥/ ١٥٦)، و"مراصد الاطلاع" (٣/ ١٢٨٨). وللمعرَّة عِدَّةُ معان انظرها في "المعجم".
(٢) انظر ترجمته في: "الإعلام" (٢/ ٥١٧)، و"التهذيب" (٢٩/ ٤١١)، و"السير" (٣/ ٤١١).
(٣) انظر ما سيأتي ص (١٩٥).
(٤) قارن بـ "المفهم" (٤/ ٤٩٩ - ٥٠٠).
[ ١٥٦ ]
وقال الحسن البصري﵀-: "أدرَكْنا أقوامًا كانوا يتركون سبعين بابًا مَن الحلال؛ خشية الوقوع في بابٍ مِنَ الحرام" (١).
وثبتَ عن الصِّديق أنه أكلَ شُبهَةً غير عالِمٍ بها، فَلَمَّا علِمَها ادخَلَ يَدَهُ في فيه فَتَقَيَّأهَا (٢).
وقال أبو ذرٍّ - ﵁ -: "تمام التَّقوى أن يتَّقِيَ اللهَ العَبْدُ بتركِ بعض الحلالِ مَخَافَةَ أنْ يكونَ حرامًا، حِجَابًا بينَهُ وبينَ الحرام" (٣).
وقيل لإبراهيم بن أدهم -﵀-: ألَا تَشْرَب مِن ماءِ زَمزَم؟ فقال: "لو كانَ لي دَلوٌ لَشَرِبتُ" (٤). إشارة إلى أنَّ الدَّلوَ مِن مالِ السُّلطان، وكانَ يشبهه في الحديث: "أفتِ نفسكَ وإن أفتاكَ المُفْتُونَ" وسيأتي في الحديث السابع بعدَ العِشرين "وإن أفتاكَ الناس وأفتوكَ".
وعن زيد بن ثابت انه قال: "مَا شيءٌ أسهل مِن الوَرَع، إذا رابَكَ شيءٌ فَدَعهُ" وهذا سهل علي مَن سهَّلهُ الله، صعبٌ علي كثيرٍ مِن الناسِ أثقلُ من الجبالِ، وهذا شبيه بقول بعصْ سُلَماءِ الصُّدورِ: "لا شيءَ أسهل من صيد الأسد! قيل: وكيف ذاك؟! قال: واحدٌ يفتح رأس الجوالق، وآخر يكشكش"!
_________________
(١) رواه ابن أبي الدنيا في "الورع" (٥٦ رقم ٤٤) بنحوه، وذكره ابن رجب في "جامع العلوم" (١/ ٢٠٩).
(٢) رواه البخاري (٥/ ٤٣ رقم ٣٨٤٢) عن عائشة - ﵁ - ولفظهُ: قالت: "كان لأبي بكر غُلامٌ يُخْرِجُ لهُ الخَرَاجَ، وكانَ أبو بكر يأكُلُ مِن خَراجِهِ، فجاءَ يومًا بشيءٍ فأكلَ منهُ أبو بكرٍ فقالَ لهُ الغُلامُ: تَدْرِي مَا هذا؟ فقالَ أبو بكر: ومَا هُوَ؟! قال: كنتُ تَكَهَّنْتُ لإنسانٍ في الجَاهِلِيَّةِ وَمَا أُحْسِنُ الكِهانةَ إلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فلَقِيني فأَعْطاني بذلكَ، فهذا الذي أَكَلتَ منهُ. فأَدْخَلَ أَبو بكرٍ يَدَهُ فَقاءَ كل شيء في بَطنِهِ" ﵁.
(٣) رواه ابن المبارك في "الزهد" (٢/ ١٩ رقم ٧٩ زيادات نعيم) عن أبي الدرداء - ﵁ -.
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في "الورع " (١٠٠ رقم ١٥٥).
[ ١٥٧ ]
ثمَّ هذا الحديث يرجع من آي الكتاب إلى قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧]، ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] أي: حلالًا، ليخرج الخبيث والمُحَرَّم.
ومِنَ السُّنَّةِ الحديث الذي ذَكَرناهُ ويأتي: "دَعْ مَا يَريبُكَ إلى مَا لَا يَريبُكَ".
وفي "الترمذي" مِن حديث عائذ بن عمرو مرفوعًا: "لَا يَبْلغُ أَحَد أَنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّقين حتى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بهِ حِذَارًا مِمَّا بهِ بَأسٌ" (١).
رابعهما: في ضَبْطِ ألفاظِهِ ومَعَانيه:
"الحرام": الممنوع منهُ شرعًا (٢)، والحلالُ ضِدُّه: وهو ما عُلِمَ أصله، أو ما لم يتبين حرمته وهو أسهل مِنَ الأول.
و"المُشْتَبِهات": ما تُردِّدَ بينَهُمَا، وقامت فيه شُبهَةُ الحِلِّ والحُرْمَة.
والمُراد: أن نوعهما بيِّن لا يَخْفَى، ثابتٌ بنُصوص الكتاب والسُّنة، يعرِفُهُ كلُّ أحدٍ، ولا يُحتَاجُ إلى تَعدادهِ.
والمُرادُ بقوله: "لَا يَعْلَمُهنَّ كثيرٌ مِنَ الناس" أنها ليسَتْ بِواضِحَةِ الحِلِّ ولا الحُرْمَة؛ فلهذا لا يَعْرِفُهَا كثيرٌ مِنهُم، وأمَّا العُلَمَاء فَيَعْرِفونَ حُكْمَها بِنَصٍّ
_________________
(١) رواه الترمذي (٤/ ٢٤٢ رقم ٢٤٥١)، وابن ماجه (٢/ ١٤٠٩ رقم ٤٢١٥)، وعبد بن حميد (١/ ٤٣٣ رقم ٤٨٣)، والطبراني في الكبير" (١٧/ ١٦٨ - ١٦٩ رقم ٤٤٦)، والحاكم (٤/ ٣١٩)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٢/ ٧٤ رقم ٩٠٩ - ٩١٢)، والبيهقي في "الشعب" (٧/ ٤٩٦ رقم ٥٣٦١)، و"السنن" (٥/ ٣٣٥) عن عَطيّة السَّعدي - ﵁ - وليس عائذ بن عمرو كما ذكر المؤلف. والحديث فيه عبد الله بن يزيد ضعيف كما في "التقريب" (٥٥٨ رقم ٣٧٣٨) وقد ضعّفه الألباني في "غاية المرام" (١٣٠ رقم ١٧٨) وفي "السنن"، و"ضعيف الترغيب" (١/ ٥٣٤ رقم ١٠٨١).
(٢) كُتِبَ في هامِشِ الأصل: "الحرام ما يُثابُ علي تركهِ، ويُعاقَبُ علي فِعلهِ".
[ ١٥٨ ]
أو قِيَاسٍ أو استِصحَابٍ ونحو ذلك، فإن لم يظهر فالمختار بناء ذلك في الأشياء قبل وُرُود الشرع، والأصح أنه لا يحكم بشيء فيه.
و"اتقى" معناه: تَرَكَ.
و"الشُّبهات": جمعُ شُبهة، وهو: ما يُخَيَّلُ للناظِرِ أَنَّهُ حُجَّةٌ وليسَ كذلك، وفيه إيقاعُ الظَّاهرِ موضع المُضْمَر تفخيمًا لشأن اجتنابات الشبهات، إذ المشتبهات: الشبهات بعينها.
و"العِرض" -بكسرِ العين- هنا: النَّفس، فهيَ مَحَلّ الذَّمِّ والمَدح مِنهُ، ولهُ مَحَامِلُ أُخَرُ في غير هذا الموضع.
و"اسْتَبرأ" -مهموزٌ، وقد يخفف- أي: طَلَبَ البَرَاءَةَ لِدينه مِنَ النَّقص وحصَّلها له، كـ "استبرأ مِنَ البول" حَصَّل البراءة منه، فصان نفسه عن النقص والخلل، ووقوع الناس فيه. وقد جاء في الأثر: "مَن وَقَفَ مَوْقِفَ تهمَةٍ فَلَا يَلُومَنَّ مَن أساءَ الظَّنَّ به" (١).
وقد قال الشَّارع: "علي رِسْلِكُما إنَّها صَفِيَّة" (٢) خوفًا عليهما أنْ يَهْلِكَا.
وقد قال في تلكَ التَّمرة: "لَوْلَا أَنْ أَخْشَى أَنْ تَكونَ مِن تَمْرِ الصَّدَقَةِ لأكلْتُها" (٣).
_________________
(١) روي عن عمر بن الخطاب - ﵁ -، رواه ابن أبي الدنيا في "الصمت" (٦١٩ رقم ٧٥٢)، وابن حبان في "روضة العقلاء" (٩٠).
(٢) رواه البخاري (٣/ ٤٩ رقم ٢٠٣٥)، ومسلم (٤/ ١٧١٢ رقم ٢١٧٥) من حديث أُمِّ المؤمنين صفيَّة بنت حييٍّ - ﵂ -.
(٣) رواه البخاري (٣/ ٣٤ رقم ٢٠٥٥، ٢٤٣١)، ومسلم (٢/ ٧٥٢ رقم ١٠٧١) من حديث أنس بن مالك - ﵁ -.
[ ١٥٩ ]
وقِصَّةُ بريرةَ: "هوَ عليْها صَدَقَةٌ، ولَنَا هَدِيَّةٌ" (١) مِنْ بابِ التَّشْرِيع (٢).
وقوله: "ومَن وَقَعَ في الشُّبهات وقعَ في الحَرام": أي: يُصادفه وإن لم يتعمدهُ، أو بتمرينه على الشبهات يقع فيه، فإن المعاصي بريد الكفر -أي: رسوله- فيَنْدَرِجُ مِن دَرَجَةٍ إلى أُخرى بالتَّساهُلِ والتَّسمُّحِ، ومنه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، نَهى عن المُقَارَبَةِ حَذَرًا مِنَ المُواقعة، وقليلُ الشُّربِ يَدْعُو لِكَثِيرهِ، والخلوة بالأجنبيَّةِ تَدْعُو إلى الفُّجورِ، والقُبلَة للصائم -إذا حرَّكت شهوته- تدعو للوطء، ومنهُ لعنُ السَّارق يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، أي: فيتدرَّجُ إلى ما يقطعُ يده (٣)، ووطءُ الزَّوجةِ والأَمَةِ فيما بين الإِلْيَتَيْن بدون الإيلاج مما يجن (٤) فيه، لكن صرَّحُوا بجَوَازِهِ، وأقلُّ أحوالهِ الكراهةُ.
و"الحِمَى" المَمْنُوع يعني المحمي، فالمَصْدَر فيه واقع موقع اسم المفعول.
_________________
(١) رواه البخاري (٣/ ١٥٥ رقم ٢٥٧٨)، ومسلم (٢/ ٧٥٥ رقم ١٠٧٥) من حديث عائشة - ﵂ -.
(٢) لأنه قد اعتُرِضَ بها بأنَّ النبي - ﷺ - لم يتوَرَّع عن اللحم الذي أُهْدِيَ لبريرة والشُّبهة قائمة في كونه لحم صدقة؟ وأجيب بجوابين: الأول: مَا ذَكَرَهُ المؤلف أنَّ النبي - ﷺ - مُشَرِّعٌ فهو تارةً يترُكُ الشَّيءَ تَوَرُّعًا لئلَّا ينهَمِكَ الناسُ في الشُّبهات. والثاني: تارةً يفعلُ الشيء توسيعًا لأُمَّتِهِ. انظر: "التعيين" (٩٩ - ١٠٠).
(٣) لأنه لا يقطع في أقل من ربع دينار، وقول المؤلف في تأويل الحديث: "لعنَ اللهُ السارق يسرق البيضة فتقطع يده" [رواه البخاري (٦٧٨٣)، ومسلم ١٦٨٧] في أن المراد: أنَّ السَّارق يتدرَّجُ بعد ذلك في السرقة حتى يسرق ما تقطع يده به وهو أكثر من البيضة هذا قاله كثير مِن أهل العلم، وقيل: المراد بالبيضة هنا بيضة الحديد، وقيل: المراد التنبيه على عظيم ما خسر وهي يده في مقابلة حقير مِن المال وهو ربع دينار فإنه يشارك البيضة في الحقارة. انظر: "المفهم" (٥/ ٧٣)، و"شرح صحيح مسلم" للنووي (١١/ ١٩٦).
(٤) جن: أي استتر بين الإليتين إلخ. انظر: "القاموس" (٤/ ١٩٦)، و"تاج العروس" (٣٤/ ٣٦٦ - ٣٦٧).
[ ١٦٠ ]
و"حِمى الملك": ما حَجَزَهُ لخيلِهِ ونحوها من آلاتِ مَصَالحهِ، ومنه "حِمَى كُلَيْب" (١)، قال الشاعر (٢):
أَبَحْتَ حِمَى تِهَامَةَ بَعْدَ نَجْدٍ وَمَا شَيْءٌ حَمَيْتَ بِمُسْتَبَاح
وهذا ضَرَبَهُ مَثَلًا محسُوسًا؛ لتكونَ النَّفسُ لها أشد تصورًا، فَتَتَأَدَّبُ معهُ، كما يُتأدبُّ مع الأكابر، فَكُلُّ مَلِكٍ له حِمى يحميه من الناس، ويمنعهم من دخوله، فمن خالف ودَخَله عاقَبَهُ، فالرَّبُّ -جَلَّ وتعالى- حماه: محارِمُهُ التي حرَّمَها، كالجرائم علي النَّفس والمال والعِرض، وتُطْلَق المَحَارِمُ علي المَنْهِيَّات قَصْدًا، وعلى تركِ المأموراتِ استِلْزَامًا، وإطلاقها علي الأول أشهر، وقد حرَّمَ إبراهيم مكَّةَ، وحرَّمَ الشارع المدينة، وحمى عمر الشرق والرَّبذة.
و"يوشِكُ" -بِكَسر الشين- مضارع "أوشَكَ" -بفتحها- وهي مِن أفعال المقاربة والملابسة، ومعناها هنا: يقعُ في الحرام بسُرْعَةٍ وقُرْبٍ.
و"يَرْتَعُ" -بفتح التاء- مُضارع رَتَعَ.
و"المُضْغَة": القِطْعة مِنَ اللحم كما سلف.
و"صَلَح" و"فَسَدَ" بفتح اللام والسين وضمِّهما، والفتح أفصَح وأشهر.
_________________
(١) هو كُليب بن ربيعة بن الحارث، وكان سيِّد ربيعةَ في زمانه، وقد بلغَ مِن عِزِّه أنه كان يحمي الكلأ فلا يُقرَبُ حِماه، ويُجير الصَّيد فلا يُهاج! وكان إذا مرَّ بروضةٍ أعجبتهُ أو غديرٍ ارتَضَاهُ أَخَذَ كُليبًا ورَمَى به هناك فحيثُ بلغَ عواؤهُ كان حِمى لا يُرْعَى، وكان اسم "كليب بن ربيعة" وائِلًا؛ فلَمَّا حَمَى كُلَيْبَهُ المَرْمِيُّ الكلأَ قيل: أعزُّ مِن كُلَيْبِ وائلٍ، ثم غلب هذا الاسم عليه حتى ظنُّوه اسمه، ويقال: "حمى كليب". انظر: "مجمع الأمثال" للميداني (٢/ ٣٨٨).
(٢) هذا البيت لجرير، انظر "ديوانه" (٧٧).
[ ١٦١ ]
و"القلب": عضوٌ باطِنٌ في الجسدِ، عليه مَدَارُ حالِ الإنسان، وهو عضو صغيرُ الجِرْمِ، ولذلِكَ سمَّاهُ مُضْغَةً ولَكِنَّه عظيم الجُرْمِ، وهو أَشْرَفُ أَعْضَائِهِ؛ لِسُرْعَةِ الخَوَاطِرِ فيه، وتَرَدُّدِهَا عليه، وتقلّبه:
ومَا سُمِّي الإنسانُ إلَّا لِنَسْيِهِ وَلَا القلبُ إلَّا أَنَّهُ يَتَقَلَّبُ
وقد عبَّر عنه بالعقل نفسه، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] أي: عقلٌ، وقال تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: ٤٦].
وقوله: "ألا وإنَّ" هو افتتاحٌ لِفَهْمِ الكَلام، نحو: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ [هود: ٨]، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت: ٥٤].
وتُكْسر "إنَّ" بعدَ هذه، أعني "أَلا" الاستفتاحية لا غير، نحو: ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) [المجادلة: ٢٢]، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢].
"أَلا إنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً " إلى آخِره، معناه: إنَّ صَلاحَ الجَسَدِ -وهو البَدَنُ- تابعٌ لِصَلاحِ القلب، وفسادَهُ تابعٌ لِفَسَادهِ؛ لأنَّهُ مبدأُ الحَرَكات البَدَنِيَّة والإراداتِ النَّفسانية، فإن صَدَرت عنه إرادة صالِحة تحرك الجَسَدُ حركةً صالِحَةً وكذا الفاسِدة.
وبالجُمْلَة فالقلبُ كالمَلِكِ، والجَسَدُ وأعضاؤُهُ كالرَّعِيَّةِ، ولا شكَّ أنَّ الرَّعيَّة تصلُحُ بِصَلاح المَلِك، وتَفْسُدُ بِفَسَاده، وأيضًا القلبُ كالعَيْن، والجَسَد كالمَزْرَعةِ إنْ عَذُبَ ماءُ العين عذُبَ الزَّرعُ، أو مَلُحَ مَلُحَ، -وأيضًا- القلبُ كالأرض وحركات الجسد كالنباب: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ
_________________
(١) في الأصل: "ألا إنهم هم المفلحون"!
[ ١٦٢ ]
وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]، وقد شُقَّ -﵊- عن قلبه مَرَّتين واستُخْرِجَ مِنْهُ عَلَقة سوداء، وقيل: هذه حظُّ الشيطان مِنكَ، ثم طُهِّرَ فطابَ قلبُهُ وشجره فصار فردًا (١).
وقيل: صلاحُ القلبِ في خمسةِ أشياء: قِراءةُ القرآن بالتَّدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتَّضرع عندَ السَّحر، ومُجَالَسةُ الصَّالِحين (٢).
قلتُ: وأكل الحلال وهو رأسُهَا (٣).
وقد قيل: إذا صُمْتَ فانظُر على طعام مَن تُفْطِر، فإنَّ الرَّجُلَ ليأكُلُ الأكلةَ فتغل قلبه كالأديم فلا يَنْتَفِعُ بهِ أبدًا!
وما أحسن مَن قال: الطعام بذر الأفعال، إن دخل حلالًا خرجَ حلالًا، وإن دَخَلَ حَرَامًا خرجَ حرامًا، وإن دَخَل شُبْهَةً خرجَ شُبهةً.
وقال بعضهم: "استَسْقَيتُ جُنديًّا فسقاني شربةً، فعادت قسوتها على قلبي أربعين صباحًا"! (٤).
خامِسُها: في فوائِدِهِ:
الأولى: الحثُّ علي فِعْلِ الحَلالِ واجْتِنَاب الحرامِ، والإمساكُ عن الشُّبهات، والاحتياطُ للدِّين والعِرض، وعَدَمُ تعاطي الأمور المُوجِبةِ لسُوءِ
_________________
(١) انظر: "التعيين" (١٠٢). وقصة "شق قلبه مرتين" الأولى: في صغره حينما كان عند حليمة السعدية [كما رواها مسلم (١/ ١٤٧ رقم ١٦٢/ ٢٦١) من حديث أنس - ﵁ -]. والثانية: عند الإسراء والمعراج. [رواها البخاري (٤/ ١٠٩ رقم ٣٢٠٧)، ومسلم (١/ ١٤٩ رقم ١٦٤)].
(٢) رواه أبو نعيم في "الحلية" (١٠/ ٣٢٧) عن يحيى بن معاذ وإبراهيم الخَوَّاص.
(٣) انظر: "ذم قسوة القلب" للحافظ ابن رجب الحنبلي -﵀- (٣٦ - ٣٨).
(٤) ذكره في "المفهم" (٤/ ٤٩٧).
[ ١٦٣ ]
الظنِّ والوقوعِ في المَحْذُورِ.
وقِسْمَةُ الحديث إلى الأقسام الثلاثة -الحلال، والحرام، والمشتبه- صحيحة؛ لأنه إِنْ نَصَّ فيه علي الفعل فالجَوَاز، أو المنع فالحرام، أو سكت عنه فهو المُشْتَبه، فإنْ نَصَّ عليه فيهما، وإن عُلِمَ المُتأخر فالأول منسوخ وإلَّا فهو المشتبه.
تقسيم الشيء إنما يحرم لمعنى في عينه -كما قسّم بينها-، أو لخلل في وجه اكتسابه، وجميع ما ينتفع به من المعادن والنبات والحيوان، فالأول -المعادن- حلال ما لم يضر، والثاني كذلك، والثالث ما لا يؤكل حرام وما يؤكل حلال.
والثاني الحرام المحض.
ثانيها: الأخذ بالورع -وهو أصلٌ فيه- كما أسلفناه.
الثالثة: أنه لا ورعَ في تركِ المُباح؛ عملًا بقوله: "الحَلالُ بَيِّن والحرام بيِّنٌ" وهو الظاهر، وإن كانت مسألة خلافية كما أوضحتها في "شرح العُمْدَة" (١).
الرابعة: سدُّ الذرائع، وقد أَكْثَرَتْ مِنْهُ المالِكِيَّةُ (٢).
الخامسة: تعظيمُ القَلبِ والسَّعي فيما يُصْلِحُهُ ويُفْسِدُهُ، وهل الحواس مع العقل كالحُجَّاب معَ المَلِك أو كالطاقات؟ على قولين.
السادسة: أنَّ العَقْلَ فِيهِ -أي القلب- وهو مذهبنا خلافًا لأبي حنيفة حيثُ قال: في الدِّماغ.
_________________
(١) "الإعلام" (١٠/ ٦٨ - ٧٠).
(٢) انظر -مثلًا- "إكمال المُعْلِم" (٥/ ٢٨٥).
[ ١٦٤ ]
وقيل: إنه مشتركٌ (١).
السابعة: أن العقوبة مِن جِنْسِ الجِنايَةِ.
وضَرْبُ الأمثالِ للمعاني الشرعيَّةِ العَمَلِيَّة.
وأَنَّ الأعمالَ القلبيَّةَ أفضلُ مِنَ البَدَنِيَّةِ، وأنها لا تصلحُ إلَّا بهِ (٢)، وغير ذلكَ مِمَّا هوَ موَضَّحٌ في "شرحي للعُمْدَة" فراجِعْهُ مِنْهُ (٣).
فائدتان:
الأولى: اختلفَ العلماء في معنى الشُّبهات في الحديث على أقوال:
أحدها: أنها الحرام، أو ما في حيِّز الحرام، عملًا بقوله: "فمَنِ اتَّقى الشبهاتِ فقد استَبْرَأَ لِدِينهِ وعِرْضِهِ".
ثانيها: أنها الحلال، عملًا بقوله: "كالرَّاعِي يَرْعَى حولَ الحِمَى يُوشِكُ أنْ يَقَعَ فيهِ" فدلَّ أن ذلك حلال، وأن تركهُ ورع وهو الصواب.
والورع عندَ ابن عمر ومَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَهُ: تركُ قِطْعَةٍ مِنَ الحَلال خوف مُواقَعَةِ الحرامِ. وعبارة بعضهم: أنه حلالٌ يتورعُ عنه، وفيها نظر (٤).
_________________
(١) انظر: "الإعلام" (١٠/ ٧١) للمؤلف، و"التمهيد" للكلوذاني (١/ ٤٨ - ٥٢)، و"إكمال المعلم" (٥/ ٢٨٨ - ٢٨٩)، و"شرح مسلم" للنووي (١١/ ٣٢)، و"الفتاوى" لشيخ الإسلام ابن تيمية (٩/ ٣٠٣)، و"المسودة" لآل تيمية (٢/ ٩٨٢).
(٢) يعني: إلَّا بالقلبية. كما في "الإعلام".
(٣) الإعلام (١٠/ ٦٨ - ٧٣).
(٤) اختلفت عبارات أهل العلم في تعريف "الورع" و"الزهد" وأحسنها -عندي- ما ذكره الإمام ابن القيم حيث قال: "وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: "الزُّهدُ: تركُ مَا لَا يَنْفَعُ في الآخرةِ. والوَرَعُ: تركُ ما تَخافُ ضَرَرَهُ في الآخرةِ". قال ابن القيم: "وهذه العبارة مِن أحسن ما قيل في "الزهد" و"الورع" وأجمعها". "مدارج السالكين" (٢/ ١٠ - ١٣). وانظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في: "التحفة العراقية" (٣٢٠).
[ ١٦٥ ]
ثالثها: أنها غيرهما، فيُتَوقَّفُ وهو مِن باب الورع -أيضًا-، يُوَضِّحهُ قوله: "لا يعلَمُهنَّ كثيرٌ مِنَ الناس" وهو دالٌّ على أن منهم مَن يَعْلَمُها على حالها، وقد قال -﵊-: "كيفَ وقَدْ قِيلَ" (١).
وقال لِسَوْدَة: "احتجبي مِنهُ" -أي: احتياطًا- وهي أخت عَبْد (٢) بن زَمْعَةَ؛ لأجلِ الشَّبَهِ (٣).
وقال لعديٍّ: "إنَّمَا سَمَّيْتَ على كَلْبِكَ ولم تُسَمِّ على الآخَر" (٤).
الثانية (٥): قسَّمَ ابن المُنْذِر الشُّبه أقسامًا (٦): شَيءٌ يَعْلَمُهُ المَرْءُ حَرامًا ثم يشكُّ فيه، هل هو باقٍ أم لا؟ فلا يحل الإقدام عليه إلَّا بيقين. كَشَاتَيْن ذَبَحَ أَحَدَهُمَا مجوسي وشَكَكْنَا في عَيْنِها.
وعكسه أن يكون الشيء حلالًا، فيشك في تحريمه كالزَّوجَة يشك في طلاقها، والأَمَة يشك في عِتقِها، وكالحَدَث يَشُكُّ فيه بعدَ يقينِ الطَّهارةِ فلا أَثَرَ لهُ.
_________________
(١) رواه البخاري (١/ ٢٩ رقم ٨٨) عن عقبة بن الحارث - ﵁ -. ولفظه: "أن عقبةَ تَزَوَّجَ ابنةً لأبي إهابِ بن عَزِيز فأَتَتْهُ امرَأَةٌ فقالت: إنِّي قَدْ أرْضَعتُ عُقْبَةَ والتي تَزَوَّجَ. فقالَ لها عُقْبَةُ: مَا أعلَمُ أنِّكِ أرْضَعْتِنِي ولا أَخْبَرْتِنِي، فرَكِبَ إلى رَسُولِ الله - ﷺ - بالمدِينةِ فَسَأَلهُ؛ فقال رَسولُ اللهِ - ﷺ -: "كَيْفَ وقَدْ قِيلَ" فَفَارَقَها عُقْبَةُ ونَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ".
(٢) في الأصل: "عبدة" والتصويب من "البخاري" وغيره.
(٣) رواه البخاري (٣/ ٥٤ رقم ٢٠٥٣) عن أم المؤمنين عائشة - ﵂ -.
(٤) رواه البخاري (٣/ ٥٤ رقم ٢٠٥٤)، ومسلم (٣/ ١٥٣٠ رقم ١٩٢٩/ ٣) عن عديِّ بن حاتم - ﵁ -.
(٥) أي: الفائدة الثانية.
(٦) انظر: "الإقناع" لابن المنذر (٢/ ٥٥١ - ٥٥٤).
[ ١٦٦ ]
وشيءٌ يَشُكُّ في حُرْمَتِهِ أو حِلِّهِ على السَّوَاءِ؛ فالأَوْلى التَّنَزُّهُ كما فعلَ الشَّارعُ في التَّمْرَةِ الساقِطَة وقوله: "لَوْلَا أَنَّي أَخْشَى أنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكَلْتُها" (١).
* * *
_________________
(١) مضى تخريجه ص (١٥٩).
[ ١٦٧ ]