عن أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أَنَّ رَجُلًا قال للنَّبِيِّ - ﷺ -: أَوْصِني، قالَ: "لا تَغْضَبْ" فَرَدَّدَ مِرَارًا قال: "لا تَغْضَبْ".
رواه البُخاريّ (١).
* * *
وراويهِ سَلَفَ التَّعريفُ به.
ومعنى الحديث: الحذر من أسباب الغضب، وعدم التَّعرّض للأمور الجالبة له، فأمَّا نَفسُ الغَضَبِ فَطَبعٌ لا يُمْكِنُ إزالَتهُ مِن الجِبِلَّةِ.
وقد جمعَ الشَّارُع في هذه الكلمة جوامع خير الدُّنيا والآخرة؛ لأنَّ الغضب يؤول إلى التَّقاطُعِ والتَّدابر، ومنع الرفق، ورُبَّما مالَ إلى الأذى.
وفي "الموطأ": قال رجلٌ: يا رسول الله! عَلِّمني (٢) كلماتٍ أعيشُ بِهِنَّ ولا تكْثِر عليَّ فَأَنْسى. قال "لا تَغْضَب" (٣).
وقد مَدَحَ الربُّ -ﷻ- الذين يعفون عند الغضب، وأثنى عليهم، وأخبر
_________________
(١) (٨/ ٢٨ رقم ٦١١٦)، وأحمد (١٦/ ٦٨ رقم ١٠٠١١)، والترمذي (٣/ ٥٤٦ رقم ٢٠٢٠).
(٢) في الأصل: "كلِّمني" والمثبت من "الموطأ".
(٣) (٢/ ٤٩٢ رقم ٢٦٣٦) عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف مرسلًا. وانظر: "التمهيد" (٧/ ٢٤٥).
[ ٢٢٢ ]
أنها عندَهُ خيرٌ وأَبقَى لهم مِن مَتَاعِ الحياةِ الدُّنيا وزينتها، وأثنى على الكاظمين الغيظ والعافين عن النَّاس، وأخبر أنه يحبهم بإحسانهم في ذلك.
وفي "مسند أحمد"، و"سنن أبي داود"، و"ابن ماجه"، و"جامع التِّرمذيّ" -وقال: حسنٌ غريبٌ- من حديث معاذ مرفوعًا: "مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وهوَ قادِرٌ على أنْ يُنْفذَهُ؛ دَعَاهُ اللهُ -﷿- على رُؤُوسِ الخَلائِقِ يومَ القِيامَةِ حتَّى يُخَيِّرهُ في أيِّ الحُورِ شاءَ" (١).
وقد أوضَحتُ الكلام على ذلك في "شرح صحيح البُخاريّ" فراجعهُ منه تَجِدْ مَا يَشْفِي العَلِيلَ (٢).
ويجوزُ أن يكونَ الشارعُ فَهِمَ من هذا الرَّجل كَثْرةَ الغَضَب فَحَضَّهُ بذلك.
ويُروى أنَّ يَحْيَى بن زكريا - ﵇ - لما رأى عيسى -﵊- مُفارِقه قال له: "أَوْصِني". قال: "لا تغضب". قال: "لا أستطيع" قال: "لا تَقتَن مالًا". قال: "حَسْبِي" (٣)،
وفي طرقه كما قال ابن عمر: "ما يُبْعِدُني مِن غَضَب الله"؟ قال: "لا تَغْضَبْ" (٤).
_________________
(١) رواه أحمد (٢٤/ ٣٨٤ رقم ١٥٦١٩)، والترمذي (٣/ ٥٤٧ رقم ٢٠٢١، ٢٤٩٣)، وأبو داود (٥/ ٩٠ رقم ٤٧٧٧)، وابن ماجه (٢/ ١٤٠٠ رقم ٤١٨٦)، وأبو يعلى (٣/ ٦٦ رقم ١٤٩٧)، والطبراني في معاجمه الثلاثة: "الكبير" (٢٠/ ١٨٨ رقم ٤١٥، ٤١٦، ٤١٧)، و"الأوسط" (٩/ ١٠٤ رقم ٩٢٥٦)، و"الصغير" (٢/ ٢٥٠ رقم ١١١٢) عن معاذ بن أنس الجُهَني - ﵁ -. والحديث حسَّنه التِّرمذيُّ، والألباني في "ابن ماجه" (٣٣٧٥)، و"صحيح الترغيب" (٣/ ٤٨ رقم ٢٧٥٣).
(٢) انظر: "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" (٢٨/ ٤٨٦ - ٤٩١).
(٣) رواه أحمد في "الزهد" (٥٧)، وهناد في "الزهد" (١/ ٣١٠ رقم ٥٥٢)، وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ١١٧، ٣٥٩).
(٤) رواه أبو يعلى في "المسند" (١٠/ ٥١ رقم ٥٦٨٥) وفي إسناده "أبن أبي الزناد، ضعَّفه غير واحدٍ من أهل العلم، وبقية رجاله رجال الصحيح" كما قال الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٦٩). =
[ ٢٢٣ ]
وكان الشَّعبي -﵀- يولع بهذا البيت (١):
ليست الأحلامُ في حينِ الرِّضا إنَّمَا الأحلامُ في حين الغَضَب
ولأبي العتاهية (٢):
أُقلِّبُ طَرْفي مرَّةً بعدَ مَرَّةٍ لأعلمَ ما في النَّاس والأمر ينْقَلِبْ
فلم أرَ كنْزًا كالقُنُوع لأهلهِ وأن يجمل الإنسان مَا دام في الطَّلبْ
ولم أر فضلًا صَحَّ إلَّا على التُّقى ولم أَرَ عَقْلًا تمَّ إلَّا على الأدبْ
ولَم أر في الأعدَاءِ حينَ خبَرتُهم عدُوًّا لِعَقْل المَرْءِ أَعْدَى مِن الغَضَبْ
وقال غيرهُ: "لا يُعرفُ الحلمُ إلَّا ساعَةَ الغضب" (٣).
* تتمَّات:
إحداها: لا يخفى أن هذا الغضب الدُّنيوي، أمَّا الدِّيني فَمَطْلوبٌ، فقد كان الشَّارع -صلوات الله وسلامه عليه- يغضَبُ إذا انْتُهِكت الحُرُمات، لا يقومُ لغضَبِهِ شَيءٌ حتَّى ينتصرَ للحقِّ، وإذا غَضِبَ أعرضَ وأَشَاحَ، وكان من حاجبيه عَرَقٌ يَدرُّهُ الغضب، وهذا معَ كَوْنِهِ أحلَمَ النَّاس وأكثرهم صَفْحًا واحتِمالًا، وهذا نهاية الكمال: الغضبُ في مَوْضِعِهِ، والحِلمُ في موضعهِ.
إذا قيل حِلْمًا قال: للحِلمِ مَوْضِعٌ وحِلمُ الفَتَى في غَيْرِ مَوْضِعِهِ جَهْلُ
_________________
(١) = واللفظ الذي ذكره المؤلف هو من رواية ابن عمرو - ﵄ -: رواه أحمد (١١/ ٢١١ وقم ٦٦٣٥)، وابن حبان (١/ ٥٣١ رقم ٢٩٦) والحديث فيه ابن لهيعة، لكن تابعه عمرو بن الحارث عند ابن حبان.
(٢) رواه أبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٣٢٧)، والبيهقيّ في "الشعب" (١١/ ٥٢ رقم ٨١٦٠).
(٣) انظر: "ديوانه" (٢٦).
(٤) جاء عن عليّ بن أبي طالب - ﵁ - كما في "بهجة المجالس" (١/ ٣٧٥) لابن عبد البر.
[ ٢٢٤ ]
وطِبُّ الغَضَبِ المذمومِ: صَحَّ في الصحيح أن الاستعاذةَ مِنَ الشيطان الرجيم تُذْهِب ما يجِدُهُ منه فينبغي استعماله، والوضوء أيضًا، والانتقال من مكانه، واستحضار ما جاء في فضل كظم الغيظ.
قال الثوري والفضيل بن عياض وغيرهما جمن: "أفضَلُ الأعمالِ: الحِلمُ عندَ الغَضبِ، والصَّبرُ عِندَ الطَّمَعِ".
ثانيها: حقيقةُ الغضبِ: فَوَرَانُ دَمِ القلبِ وغليانهُ لإرادة الانتقام، وفي الحديث: "إِنه جَمْرَةٌ تَتَوَقَّدُ في قَلْبِ ابن آدم، ألا تَرَوْنَ إلى انْتِفاخ أودَاجِهِ، واحمِرارِ عيْنَيهِ" (١).
وأمَّا غَضَبُ الجَليل فهو: إرادةُ الانتقام مِنَ العبيد، أعاذنا الله مِنْهُ (٢).
ثالثها: هذا الحديثُ تَضَمَّنَ دَفع أكبر شُرورِ الإنسان؛ لأنَّ الشَّخصَ في حالِ حياتِهِ بَيْنَ لذَّةٍ وأَلمٍ، فاللَّذةُ سببُها ثَوَرَانُ الشَّهوةِ أَكْلًا وشُربًا وجِماعًا ونحو ذلك، والألَمُ سببه ثوران الغضب، فإذا اجتنبهُ انْدَفعَ عنه نِصْفُ الشرِّ بل أكثرهُ،
_________________
(١) رواه أحمد (١٧/ ٢٢٧ رقم ١١١٤٣)، والترمذي (٤/ ٥٨ رقم ٢١٩١)، والحميدي (٢/ ٣٣١ رقم ٧٥٢)، والطيالسي (٣/ ٦١٤ رقم ٢٢٧٠)، وعبد بن حميد في "المنتخب" (٢/ ٥٨ رقم ٨٦٢)، وأبو يعلى (٢/ ٣٥٢ رقم ١١٠١)، والحاكم (٤/ ٥٠٥)، والبيهقيّ في "الشعب" (٨٢٨٩) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -. والحديث في إسناده عليّ بن زيد بن جُدْعَان، ضعيف كما في "التقريب" (٦٩٦ رقم ٤٧٦٨)، وقد ضعَّفه الألباني في "ضعيف التِّرمذيّ" (٣٨٥).
(٢) هذا الكلام باطل ومنكر، والصّواب الذي لا مَحِيدَ عنه هو: أن الغضب صفة فعلية خبرية ثابتة في حقّ الله -﷿-، وهي قطعًا ليست كصفات المخلوقين؛ إذ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وتفسير المؤلف إنما هو تفسير الشيء بلازمه؛ ومن عقائد أهل السنة والجماعة الثابتة والمتفق عليها: إثبات ما أثبته الله لنفسه من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. وتأويل الغضب بإرادة الانتقام هو في الحقيقة تعطيل لصفة أثبتها الباري -﷿- لنفسه. وكلٌّ يؤخذ من قوله ويردُّ إلَّا المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى.
[ ٢٢٥ ]
ولهذا لمَّا تجَرَّدَت الملائكةُ -﵈- عن الغضب والشَّهوة تجرَّدُوا عن جميع الشرور البشرية.
ويترك الشر فضل الحلم وخوف الرب (١) يندفع ذلك كما حُكِيَ عن بعض الملوك: أنه كتبَ ورقةً يذكرُ فيها: "ارحَمْ مَن في الأرضِ يرحمكَ الذي في السماء، ويلٌ لِسُلطان الأرض مِن سُلطان السماء، ويل لحاكِمِ الأرض مِن حاكم السَّماء، اذكُرْ في حينَ تَغْضَب أذكُركَ حينَ أَغْضَبُ" ثُمَّ دفَعَها إلى وزيره وقال: "إذا غَضِبتُ فادفَعْها إليَّ" فَجَعَلَ الوَزِيرُ كلَّما غَضِبَ المَلِكُ دَفَعَها إليهِ، فَيَنْظُر فيها فيسْكن غضبه.
وقد أَمَر الشارعُ -صلواتُ الله وسلامه عليه- بالانتقال عن الحالة التي هو فيها: إنْ كانَ قائمًا بالقُعود، وإن كانَ قاعِدًا فبالاضطجاع (٢)؛ والقصدُ به البُعْدُ عن هيئة الوثوب والتسرُّع إلى الانتقام ما أمكن؛ حَسْمًا لِمَادَّةِ المُبادرةِ.
وما أحسن قول معاوية بن أبي سفيان الأموي - ﵁ -: "مَا غَضِبتُ على مَن أَقْدِرُ عليه، وما غضبَ عَليَّ مَن أَقْدِرُ عليه".
والمُراد: ما تعاطيتُ أسبابه، ودَفَعْتُهُ لأنَّهُ جِبِلِّي.
وحُكِيَ عن سيدنا موسى -صلوات الله وسلامه عليه-: "أنَّهُ لَمَّا قيلَ لهُ: ﴿خُذْهَا
_________________
(١) العبارة فيها نقص، والذي في "التعيين" للطوفي -ومنه أخذ المؤلف-: "وللغضب دواءٌ مانعٌ ورافِعٌ، فالمانع تذكّر فضيلة الحلم، وخوف الله -﷿-" وبه تستقيم العبارة وتتضح. تنبيه: من هذا الموضع إلى نهاية شرح هذا الحديث استفاده المؤلف من "التعيين" للطوفي (١٣٩ - ١٤٥) مع تصرُّف يسير.
(٢) رواه أحمد (٣٥/ ٢٧٨ رقم ٢١٣٤٨)، وأبو داود (٥/ ٩٢ رقم ٤٧٨٢)، وابن حبان (١٢/ ٥٠١ رقم ٥٦٨٨) من حديث أبي ذر - ﵁ -. وهو حديثٌ صحيحٌ، صححه ابن حبان، والألباني.
[ ٢٢٦ ]
وَلَا تَخَفْ﴾ [طه: ٢١] لفَّ كُمَّهُ على يد يتناولها، فقيل له: لو أذنَ اللهُ -﷿ - فيما تَحْذَر هل كان ينفَعُكَ ذلك؟ قال: "لا، ولكنِّي ضَعِيفٌ، ومن ضَعْفٍ خُلِقتُ" (١).
ثُمَّ مَن غَلَبَ طبعهُ الحيواني فهذا دفعه ضعيف دونَ من غلبت عليه الرِّياضة؛ فإنَّهُ سهلٌ عليه، وإلَّا كان قوله -﵊-: "لا تَغْضَب" تَكَلُّفًا، أو أمرًا بما لا يُطاق، وإذا عَلِمَ العبدُ أن لا فاعل إلَّا الله، وأنَّ الخلق آلةٌ، سَهُلَ عليه ذلك، وإلَّا لكان غاضبًا على الربِّ وهو ينافي العبودية، أو [على] (٢) المخلوق وهو إشراكٌ يُنافي التوحيد، فلا مُعْطي ولا مانع إلَّا الله، والعبد آلة: إمَّا بِقَصْدٍ كالإنسان، أو دونه كالدَّابةِ، أو لا قصدَ [له] (٣) كالعصا المَضْروبِ بها (٤).
وضَرْبُ موسى الحَجَر لَمَّا فرَّ بثوبهِ (٥)؛ إمَّا عن غلبةِ الطِّباع كما مرَّ معنا في لفِّ كُمِّه على يَدِهِ، أو تأديبًا لَهُ.
_________________
(١) لم أقف عليه مسندًا، وهو من الإسرائيليات، وذكره بعض أهل التفسير عن وهب بن منبه وغيره. انظر: تفسير ابن أبي حاتم (٩/ ٢٩٧٥ رقم ١٦٨٩٢)، والسمعاني (٣/ ٣٢٦)، والبغوي (٥/ ٢٧٠)، وابن كثير (٥/ ٢٧٩ - ٢٨٠).
(٢) من "التعيين" (١٤٢).
(٣) من المصدر السابق.
(٤) هذا الكلام في حقيقته مختصر من كلام الطوفي في "التعيين" (١٤٢ - ١٤٣)، وقد قرر الطوفي فيه عقيدة الجبرية حيث جعل الإنسان آلة كالسيف للضارب والقوس للرامي، وابن الملقن حذف بعض ما لا يريده منه، فجاء كلامه ركيكًا غير مفهوم. وقوله: " وهو إشراكٌ يُنافي التوحيد" إن كان يظن أن الأسباب بيد العباد والتفت إليها واعتمد عليها واطمأن إليها فهذا شِركٌ، ولذلك قيل: "الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد"، وأمَّا إن التفتَ للأسباب التِفَات امتِثَالٍ وقيام بها وأداء لحق العبودية فيها وإنزالها منازلها: فهذا الالتفات عبودية وتوحيد، إذا لم يشغله عن الالتفات إلى المُسَبِّب، وأمَّا محوها أن تكون أسبابًا فقدحٌ في الشرع والعقل والحس والفطرة. انظر: "مدارج السالكين" للإمام ابن القيِّم (٣/ ٤٩٩).
(٥) قصة ضرب موسى للحَجَر لَمَّا فرَّ بثوبه رواها: البُخاريّ (١ / رقم ٢٧٤)، ومسلم (١/ ٢٦٧ - ٣٣٩) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٢٢٧ ]
وقد ثبتَ أنَّ موسى -صلوات الله وسلامه عليه- كان حَدِيدًا، حتَّى كان إذا غَضِب خرجَ شعرُ جَسَده من مُدرعته كمُسُلِ النَّخلِ (١)، ولهذا لَمَّا عَلِمَ ما أحْدَثَهُ قَوْمُهُ من بعد أخذَ بِرأْسِ أخيه يَجُرُّهُ إليه.
وكذا يحكَى أنهُ لَمَّا خَرَقَ الخضر السفينة غَضِبَ موسى وأخَذَ بِرِجْلِ الخَضر ليُلْقِيهِ في البحر حتَّى ذكَّره يُوشَع عهدهُ مع الخضر فخَلَّاهُ.
خاتِمة: قولهْ: "فَردَّدَ مِرارًا" يعني: أنَّ السائِلَ كرَّرَ السؤال مِرارًا بقوله: أوصني يا رسول الله! لأنَّهُ لم يقنع بقوله: "لا تغضب" وطلبَ وصيَّةً أبلغ منها وأنفع، فلَمْ يَزِدْهُ عليها؛ لِعِلمِهِ بعُمُومِ نَفْعِها، ونبَّهَ السائل على ذلك بتكرارها، وصارَ هذا كما قال له العبَّاس: عَلِّمني دُعاءً أدْعُو به يا رسولَ الله! فقال: "سَلِ اللهَ العافِيَةَ" فَعَاوَدَهُ العَبَّاسُ مِرارًا، فقال: "يا عبَّاسُ! يا عَمَ رسولِ الله، سلِ اللهَ العافِيَةَ في الدُّنْيا والآخِرةِ، فإنَّكَ إذا أعْطِيتَ العافيةَ أعطِيتَ كُلَّ خيرٍ" أو كما قال (٢).
وكذلكَ لَمَّا قال لأصحابه: "اجْتَمِعُوا فإنِّي أَتْلُو عليكم ثُلُثَ القرآن"، فاجتمعوا فتلا عليهم "سورةَ الإخلاص" ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، فأقاموا ينتظرونه فيكمل لهم ثلثَ القرآن، فخرج عليهم فقال: "ماذا تَنْتَظِرونَ، أَمَا إنَّها تعدِلُ ثُلُثَ القرآن" (٣) يعني: سورة الإخلاص.
* * *
_________________
(١) مُسُل النخل: جَرِيدُهُ. انظر: "تهذيب اللغة" (١٢/ ٤٥٩). وهذا موقوف على الدليل!
(٢) رواه أحمد (٣/ ٣٠٣ رقم ١٧٨٣)، وابن أبي شيبة (١٠/ ١٩ رقم ٢٩٦٧٣)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٢٥٠ رقم ٧٢٦)، والترمذي (٥/ ٤٩١ رقم ٣٥١٤)، والحميدي (١/ ٢١٩ رقم ٤٦١)، وأبو يعلى (١٢/ ٥٥ رقم ٦٦٩٦، ٦٦٩٧) عن العباس بن عبد المطلب - ﵁ -. والحديث صححه التِّرمذيُّ، والألباني في "السلسلة" (٤/ ٢٨ رقم ١٥٢٣).
(٣) رواه مسلم (١/ ٥٥٧ رقم ٨١٢) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٢٢٨ ]