عن أبي هُرَيرَةَ - ﵁ - قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: "كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلعٌ فيهِ الشَّمْسُ تَعْدِلُ بَيْنَ اثنَيْنِ صَدَقَةٌ، وتُعِينُ الرَّجُلَ في دَابَّتِهِ [فَتَحْمِلُهُ] (١) عَليْها أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْها مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، والكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خُطْوَةٍ تَمْشِيها إلى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ".
رواه البخاري ومسلم (٢).
* * *
الكلام عليه من وجوه:
وهو حديث عظيم يرجع إلى قوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا اللهَ﴾ [المائدة:٧٢]، ﴿وَتَعَاوَنُوْا عَلَى الْبِرِ وَالْتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، وإلى قوله -﵊-: "المُؤْمنُ للمُؤْمنِ كالبُنْيَان يَشُدُّ [بَعْضُهُ] (٣) بَعْضًا" (٤)، و"المُؤْمنُ كَثِيرٌ
_________________
(١) في "الأصل": "فيحمله" بالمثناة التحتية! والتصويب من "الصحيحين" ومتن "الأربعين".
(٢) رواه البُخاري (٣/ ١٨٧ رقم ٢٧٠٧، ٢٨٩١، ٢٩٨٩)، ومُسلِم (٢/ ٦٩٩ رقم ١٠٠٩).
(٣) في الأصل: "بعضها". والمثبت من مصادر تخريج الحديث.
(٤) رواه البخاري (١/ ١٠٣ رقم ٤٨١، ٢٤٤٦، ٦٠٢٦) ومسلم (٤/ ١٩٩٩ رقم ٢٥٨٥) عن أبي موسى الأشعري - ﵁ -.
[ ٣١٠ ]
بأَخِيهِ" (١)، و"المُؤْمنُ مِرآةُ المُؤمنِ" (٢) أي: يَرَى مِن نفسه ما لا يراه كالمرآة، وهو ضَرْبٌ مِن الإعانَةِ.
وإلى قوله: "انصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا" (٣) أي: الظَّالم بالكَفِّ عن ظلمه، والمظلوم بنصره، و"مَثَلُ المؤْمِنِينَ في تَوَادِّهم وَتَرَاحُمِهِمْ كمَثَلِ الجَسَدِ الوَاحِدِ" (٤) ونحو ذلك.
أحدها: "السُّلَامَى" -بضَمِّ السِّين المُهْمَلَةِ وتخفيف اللَّام-: المَفْصِل، وجمعها: سُلَامَيات -بفتح الميم وتخفيف الياء- وهي ثلاثمائةٍ وسِتُّونَ مَفْصِلًا، ثبتَ ذلك في "صحيح مسلم" (٥). وأصلُهَا: عِظَامُ الكَفِّ والأصابع والأرجل، ثم استعْمِلَ في سائِرِ عِظَام الجَسَدِ ومَفَاصِلِهِ؛ فالمرادُ: على كلِّ عُضْوٍ ومَفْصِلٍ صَدَقَةٌ.
وفي المراد به احتمالان:
_________________
(١) رواه ابن عدي في "الكامل" (٣/ ٢٤٨)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١/ ١٤١ رقم ١٨٦)، وأبو الشيخ في "أمثال الحديث" (٤٦، ٤٧، ١٦٦)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٨٠ السلفية)، (٣/ ٢٧٣ رقم ١٥٠٨ ط أضواء السلف) من حديث أنس - ﵁ - وهو حديث ضعيف جدًّا. قال ابن عدي: "هذا الحديث وضَعَهُ سُليمان بن عمرو على إسحاق بن عبد الله". وقد ضَعَّفهُ الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٢/ ٦٠ رقم ٥٩٦).
(٢) رواه البخاري في "الأدب المفرد" (٩٠ رقم ٢٣٩)، وأبو داود (٥/ ١٣٨ رقم ٤٩١٨)، والطبراني في "الأوسط" (٢/ ٣٢٥ رقم ٢١١٤)، والقضاعي في "الشهاب" (١/ ١٠٥ رقم ١٢٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -. وهو حديث صحيح، صححه الألباني في "صحيح الأدب المفرد"، و"السلسلة الصحيحة" (٢/ ٦٣٢ رقم ٩٢٦).
(٣) رواه البخاري (٣/ ١٢٨ رقم ٢٤٤٣، ٢٤٤٤، ٦٩٥٢) من حديث أنس بن مالك - ﵁ -.
(٤) رواه البخاري (٨/ ١٠ رقم ٦٠١١)، ومسلم (٤/ ١٩٩٩ رقم ٢٥٨٦) من حديث النعمان بن بشير - ﵁ -.
(٥) (٢/ ٦٩٨ رقم ١٠٠٧) من حديث أمِّ المؤمنين عائشة - ﵂ -.
[ ٣١١ ]
أحدهما: أنَّ الصدقةَ كما ورَدَ أنها تدفَعُ البلاء؛ فإذا تصدَّقَ عن أعضائِهِ -كما ذكر- كان جديرًا لِدَفعِ البَلَاءِ عنها.
ثانيهما: أنَّ للهِ -﷿- على الإنسان في كُل عضو ومفصل نعمة، والنعمة تَستَدعِي الشكر، ثم إنَّ الرب - ﷻ - وهبَ ذلك الشُّكرَ لعباده صدَقَةً عليهم كأنه قال: اجعل شكر نِعَمِي في أعضائك؛ أي: تعين بها عبادي، وتَتَصَدَّقُ عليهم بإعانتهم (١).
قال سهل بن عبد الله التُّسْتَرِي -﵀-: "في الإنسان ثلاثمائة وستون عِرْقًا: مائة وثمانون ساكنة، ومائة وثمانون متحركة، فلو تحرك ساكن لم يتم، ولو سكن متحرك لم يتم" (٢).
ثانيها: قوله: "كُلَّ يومٍ تَطْلعٌ فيه الشَّمسُ" وَجْهُهُ: أنَّ دَوَامَ نِعمَة الأعضاء نعمة أُخرَى، ولَمَّا كان الرب تعالى قادِرًا على سَلْبِها في كُلِّ وقتٍ وأَوَانٍ -وهو في ذلكَ عادِلٌ في حُكْمِهِ لا اعتِرَاضَ عليه فيه- فَعَفْوُه عن ذلك وإدَامَةُ النِّعمة عليه صدقة توجب الشكر والرعاية دائمًا مَا دَامَت النِّعمة.
ثالِثُهَا: الصَّدَقةُ ضَرْبان: عن أموالٍ: كالزكاة وصدقة التطوع.
وصدقة الأفعال كالمذكورة في الحديث، ويجمعها عبادة الله كالمشي إلى الصلاة، ونفع الناس؛ فمنهُ العدل بين الاثنين تَحَاكَمَا أو تَخَاصَمَا، سواءٌ كانَ حاكِمًا أو مُصلِحًا إِذَا نَوَى دَفعَ المُنَافَرَةِ بينهما فـ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥] ونحوه من الأمر بذلك (٣)؛ فَفِيهِ فَضلُ الصُّلْحِ، قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ
_________________
(١) انظر: "التعيين" (١٩٨).
(٢) ذكره الفاكهاني في "المنهج المبين" (٤٢٨).
(٣) "ثانيها" و"ثالثها" انظر: "التعيين" (١٩٨ - ١٩٩).
[ ٣١٢ ]
نَجْوَاهُمْ إلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]. وقد أجاز الشارع الكذب فيه؛ لجلب الأُلفَةِ ودَفْعِ التَّقَاطُعِ، وكذا في إرهاب الكفار، وعِدَةِ الرَّجُل زوجته كما ورَدَ في الحديث.
ومنه: إِعانَةُ الرَّجُلِ بحَمْلِهِ أو حَمْلِ مَتاعِهِ على دابَّتهِ.
ومنه: الكلمة الطيبة، نحو: سلام عليكم، حياك الله، وإنك لمحسن، وأنت رجل مبارك، ولقد أحسنتَ جِوَارَنَا ونحو ذلك؛ لأَنَّهُ مِمَّا يَسُرُّ السَامِعَ، ويجمع القلوب ويؤَلِّفُها، ويُحتَمَل أن يُرَاد بها كلمة ذكْرٍ مِن تسبيحٍ أو نحوه.
ومنه: الخَطوة -وهي بفتح الخاء- إلى المسجد، وقد وردت فيه أخبار -أعني في الحديث- على ذلك.
ومنهُ: "إِمَاطَةُ الأَذَى عن الطريق" أي: إزالته، كالشَوكِ المُؤْذِي، والحَجَر الَّذي يُعْثَرُ به، والحيوان المَخُوف مِنهُ، ودَعْم الجِدَار [المائل] (١) ونحوه؛ لأنه نَفعٌ عَامٌّ.
وفي "الصحيح": "الإيمَانُ بِضْعٌ وسَبْعُونَ شُعْبَة، أعلَاها: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأدنَاها: إِمَاطَةُ الأَذَى عن الطَّرِيقِ" (٢)، وفي "الصحيح": " فَنَحَّاهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ؛ فَغَفَرَ لَهُ" (٣).
ويحتمل أن يكون أرادَ بالأذى: أذى المظالم ونحوها.
و"الطَّريق": طريق الله، وهو شرعه وحدوده ورسومه، وذلك أعظم أجرًا
_________________
(١) من "التعيين" وبه تتضح العبارة أكثر.
(٢) سبق تخريجه ص (١٠٦).
(٣) رواه البخاري (١/ ١٣٢ رقم ٦٥٢)، ومسلم (٣/ ١٥٢١ رقم ١٩١٤) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٣١٣ ]
مِن إزالةِ الأَذَى الحِسِّي بما لا يقارب.
فائدة: "تميط" -بِضَمِّ أوله-، والأصل فيه أن يميط كما في "يعدل"، أي: أن تعدل، يُقَال: مَاطَ الشَّيءَ وأَمَاطَه إِذا تَنَحَّى عنهُ، وكذلك مِطْتُ غَيْري وَأَمَطْتُهُ.
قال الأصمَعِيُّ - ﵀ -: "مِطْتُ أنا، وأمَطتُ غيري" (١). ومِنهُ: الحديثُ.
و"الأَذَى": مَا يُؤذِي النَّاسَ في طُرُقَاتِهم مِمَّا قَدَّمْنَاهُ.
أُخْرَى: استحب بعض العلماء أن يأتي بكلمة التوحيد إذْ ذَاكَ؛ لِيَجْمَعَ بينَ أَعلَى الإيمان وأدنَاه (٢).
رابعُها: الحديث لم يحصر أفعال الصدقة فيما ذكره، وإنما ذَكَرَ مِنهَا أَمْثِلَةً، وجِمَاعُهَا ما أسلَفْنَاهُ مِن عبادة الله، أو نفعِ النَّاس، حتَّى: "إِنَّ رَجُلًا رَأَى فَرْخًا وَقَدْ وَقَعَ مِن عُشِّهِ فَرَدَّهُ إِليهِ؛ فَغَفَرَ اللهُ لَهُ" (٣)، وآخر "رَأَى كَلْبًا يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ فَسَقَاهُ؛ فَغُفِرَ لَهُ" (٤)، و"مُومِسَةٌ رَأَتْ كَلْبًا يَلْهَثُ عَطَشًا فَأَخْرَجَتْ مُوقَهَا فَأَخْرَجَتْ لَهُ ماءً؛ فَغُفِرَ لهَا" (٥).
وعَكس ذلك المرأة التي "دَخَلَتِ النَّارَ في هِرَّةٍ لَا هِيَ أَطْعَمَتْها وَلَا أَرْسَلَتْها
_________________
(١) "تهذيب اللغة" للأزهري (١٤/ ٤٥)، وكان في الأصل: "غيره" والتصويب من "التهذيب".
(٢) ليس على هذا الكلام دليلٌ مِن الشَّرع المُبارك، وهذا ذِكرٌ في غير موضعه.
(٣) لم أقف عليه.
(٤) رواه البخاري (١/ ٤٥ رقم ١٧٣)، ومسلم (٤/ ١٧٦١ رقم ٢٢٤٤) عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٥) رواه البخاري (٤/ ١٧٣ رقم ٣٤٦٧) ومسلم (٤/ ١٧٦١ رقم ٢٢٤٥) عن أبي هريرة - ﵁ -. والموق: الخُف. انظر: "غريب الحديث" للخطابي (٢/ ٦١).
[ ٣١٤ ]
تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ" (١)، وصح: "في كُلِّ كَبدٍ حَرَّى أَجْرٌ" (٢).
والرب - تعالى -: "كَتَبَ الإحسَانَ على كُلِّ شَيءٍ" كما سَلَفَ (٣)، و"الخَلْقُ عِيالُ الله، وأَحَبُّ الخَلقِ إليه: أَشْفَقُهم على عِيالِهِ" (٤)، وإذا تَصَدَّقَ كُلُّ أَحَدٍ عن أعضَائِهِ بِنَفْعِ خَلْقِ الله حَصلَ مِن ذلِكَ مقصوده، والحديث السالف: "لا يُؤْمنُ أَحَدُكم حتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" (٥).
* * *
تتمات:
قال العلماء: المراد بالصدقة: الصدقة المندوبة لا الواجبة، والمراد بالعدل بين اثنين: الإصلاح بينهما بالعدل.
وفي "الصحيح" (٦): "وَيُجْزِئُ مِن ذَلِكَ رَكْعَتَان يَرْكعهمَا مِنَ الضُّحَى".
_________________
(١) مضى تخريجه ص (١٧٩).
(٢) مضى تخريجه ص (٢٢١).
(٣) هو الحديث السابع عشر من "الأربعين".
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في "قضاء الحوائج" (٣٤ رقم ٢٤)، و"اصطناع المعروف" (٦٥ رقم ٧٦)، والحارث بن أبي أسامة في "مسنده" (٢/ ٨٥٧ رقم ٩١١ بغية الباحث)، والقضاعي في "الشهاب" (٢/ ٢٥٥ رقم ١٣٠٦)، وأبو يعلى في "مسنده" (٦/ ٦٥ رقم ٣٣١٥، ٣٣٧٠، ٣٤٧٨)، والبيهقي في "الشعب" (٩/ ٥٢١ رقم ٧٠٤٥، ٧٠٤٦)، والسلفي في "الطيوريات" (٣٠٠ رقم ٥٣٠، ٩٢٩) عن أنس - ﵁ -. قال البوصيري في "إتحاف الخيرة" (٥/ ٥٢٢): "مدارُ إسناد حديث أنس هذا على يوسف بن عطية الصفار، وهو مُجْمَعٌ على تَرْكِهِ". وذكره الذهبي في "الميزان" (٤/ ٤٦٩) في ترجمة يوسف هذا وقال: "وهذا مِن مناكيره". وضعّفه الألباني في "الضعيفة" (٤/ ٣٧٢ رقم ١٩٠٠).
(٥) الحديث الثالث عشر من "الأربعين".
(٦) "صحيح مسلم" (١/ ٤٨٩ رقم ٧٢٠) من حديث أبي ذر - ﵁ -.
[ ٣١٥ ]
أي: عن هذه الصدقات كلها، وإنما كان كذلك؛ لأَنَّ الصَّلاةَ عَمَلٌ بجَمِيع أعضَاءِ الجَسَدِ؛ فإذا صَلَّى فَقَدْ قامَ كُلُّ عُضو بوظيفَتِهِ التي عليه في الأصل الَّذي ذكره في الحديث قيامًا ورُكُوعًا وسُجُودًا.
قال صاحب "الإفصاح" (١): "وفيه أَنَّ الإنسانَ قد أعطاهُ الله خلقه، قال الله تعالى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] وفي معنى الآية وجهان: أعطى خلقه كل شيء، أو أعطى كل شيء خلقه؛ أي: وهبَ للآدَمِي خلقه؛ فجملةُ عِظَام الآدَمِي هِبَةٌ مِن الله له.
وتفضِيل ذلك أن كل سُلَامى هبة من الله للآدمي.
قال أبو عبيد - ﵀ -: "معنى الحديث: أَنَّ كُلَّ عَظْمٍ مِن عظام ابن آدم [صدقة] " (٢). فَإِذَا (٣) نَظَرَ الآدَمِيُّ في خلق نفسه، ورَأَى أنَّه [لو] (٤) قد أعوَزَهُ عظم واحد لاختلَّت عليه حياته كما لو زاد، وَرَأَى أنَّ ذلك كُلّه لم يكن له فيه صُنع، ورأَى أنَّ عِظَامَ الآدمي مَا بينَ طِوال وقِصار، ودِقَاقٍ وغِلَاظٍ، فَلَو قَصُرَ الطَّويلُ مِنهَا، أو طال القصير، أو دقَّ (٥) الغَلِيظُ، أو غلظ الدقيق لاختل بذلك نفعه. فإذا أصبحَ المؤمِنُ قد أُعطِي لِينَ الحركة لما اتفق فيه من تَركِيبِ العِظَام
_________________
(١) هو الوزير العالم الصالح يحيى بن محمد بن هبيرة الحنبلي، أبو المظفَّر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كان من أمثل وزراء الإسلام، وكان له من العناية بالإسلام والحديث ما ليس لغيره". توفي سنة (٥٦٠ هـ). وكتابه الإفصاح شرحٌ "للجمع بين الصحيحين"، للحميدي (ت:٤٨٨ هـ) وقد طُبع منه ثمانية أجزاء. انظر: "مجموع الفتاوى" (٤/ ٢٣)، و"ذيل طبقات الحنابلة" (٢/ ١٠٧ - ١٨٤).
(٢) "غريب الحديث" (٢/ ٢٧٩) وما بين المعقوفتين منه، ومن "الإفصاح".
(٣) في الأصل: "إذا" والتصويب من "الإفصاح".
(٤) في الأصل: "أن قد" والتصويب وما بين المعقوفتين من "الإفصاح".
(٥) كذا في "الإفصاح"، وفي الأصل: "رَقَّ" وكِلاهُما صحيح. انظر: "تهذيب اللغة" (٨/ ٢٧٠، ٢٨٥)، لكن أثبتُّ ما في "الإفصاح"؛ لأنه الأصل؛ ولأن السياق يقتضيه.
[ ٣١٦ ]
جعلها الله جسمًا صلبًا لا يضعف فيهِ أُنبُوبُ سَاقِهِ عن حَمْلِ بَدَنِ نَفْسِهِ، وعن حملٍ يَحْمِلُهُ بَدَنُهُ أيضًا، ولا عظم زنده عن إقلال حملِ مَا يَرْفعه بيده، ولا عظام أضلاعه عن وقاية حشاه، ولا عظم يافوخه (١) عن [صيانة] (٢) دماغه، تَعَيَّن شُكرُ فاعل هذا به شُكرًا متحتمًا، فَنبَّهَ الشَّرعُ على أنْ يُقَابِل النعمة بما ذكَرَهُ، إلَّا أنَّه لَطَفَ به في تَسْمِية ذلك: صدقَةً مُخْرجًا لها مَخْرج ما يُثَاب عليه ويُؤْجَرُ فيه، ثم احتَسَبَ له بما ذكر، ثم لطفَ به حتَّى جَمَعَ ذلك كُلّه بأن يُصَلِّي ركعتين مِن الضُّحَى" (٣). كما سَلَفَ، والله أعلم.
* * *
_________________
(١) اليافوخ هو: ما التقى من عَظْم مقدَّم الرأس وعظم مؤخره، وهو الموضع الذي يتحرَّك من رأس الطفل. "تاج العروس" (٧/ ٢٢٨).
(٢) في الأصل رسمت هكذا: "ضياه" والمثبت من "الإفصاح".
(٣) انتهى النقل من "الإفصاح عن معاني الصِّحاح" للوزير ابن هبيرة (٢/ ١٧٩ - ١٨٠).
[ ٣١٧ ]