عن أَبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: "إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا، وإِنَّ اللهَ أَمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّمَاءِ: يا ربِّ! يا ربِّ! وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وغُذِيَ بالحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ ".
رواهُ مُسْلِمٌ (١).
* * *
أَمَّا رَاوِيهِ فقد سَلَف الكَلامُ عليْهِ.
وأَمَّا المَتْنُ فَهوَ أَحَدُ الأحاديت التي عليها قواعِدُ الإسلام، ومباني الأحكام، ومَا أَعَمَّ نَفْعَهُ، ومِمَّا تَضَمَّنَهُ بيانُ شَأنِ حكم الدُّعاء، وشرطه، ومانِعه، و"الدُّعاءُ مُخُّ العِبادة" (٢)، لأَنَّ الدَّاعِي إنما يدعو عند انقِطَاع الآمال عَمَّا سِواهُ،
_________________
(١) رواه مسلم (٢/ ٧٠٣ رقم ١٠١٥)، والترمذي (٥/ ٩٥ رقم ٢٩٨٩)، وأحمد (١٤/ ٩٠ رقم ٨٣٤٨).
(٢) جاء فيه حديث بهذا اللفظ: رواه الترمذي (٥/ ٣٨٦ رقم ٣٣٧١)، والطبراني في "الأوسط" (٣/ ٢٩٣ رقم ٣١٩٦)، و"الدعاء" (٢/ ٧٨٩ رقم ٨) عن أنس - ﵁ - والحديث في إسناده ابن لهيعة، وقد استغربه الترمذي، وضعّفه الألباني في "ضعيف الترمذي" (٦٦٩). =
[ ١٨٤ ]
فهو حقيقةُ التَّوْحِيدِ والإِخلاص، ونعْمَ السِّلاح.
ومعنى إضافة الطيب إلى الله تعالى: تنزيِهه عن النَّقْصِ والخُبْثِ؛ إذِ الطَّيِّب خلاف الخبيث، ويكون بِمَعْنَى (١) القُدُّوس.
وقيل: طيب الثناء، وعلى هذا فهو مِنْ أسمائِهِ الحُسنى المأخوذةِ مِنَ السُّنة، كالجميل.
وقوله: "إنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقبَلُ إلَّا طيبًا" هو توطِئَةٌ لِبَاقِي الحديث، وهو طِيبُ الطُّعْم لإجابة الدعاء.
والطَّيِّب -هنا-: الحَلال كما هو المراد في الآيتين السالِفَتين. وقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وهي جمعُ: طيِّبةٍ.
وقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠]. وأصلهُ المُستلذ بالطَّعم. ومِنهُ: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣].
ويُطلَقُ -أيضًا- بمعنى: الطَّاهِر، ومنه: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، و﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النور: ٢٦]، والله تعالى طَيِّبٌ بهذا المعنى، أي: مُنَزَّهٌ -كما سلف- فَلَا يَقْبَلُ مِنَ الأعْمَالِ إلَّا طاهِرًا مِن المُفْسِدَات: كالرِّياء والعُجب ونحوهما، ولا مِنَ الأموال إلَّا طاهِرًا مِنَ الحَرام، فالطَّيِّبُ مَا طَيَّبَهُ
_________________
(١) = ويُغْنِي عنه قوله - ﷺ -: "الدُّعاءُ هُوَ العِبَادةُ". رواه البخاري في "الأدب المفرد" (٢٤٧ رقم ٧١٤)، وأبو داود (٢/ ١٠٩ رقم ١٤٧٩)، والترمذي (٥/ ٨٠، ٣٨٦ رقم ٢٩٦٩، ٣٣٧٢)، والنسائي في "الكبرى" (١٠/ ٢٤٤ رقم ١١٤٠٠)، وابن ماجه (٢/ ١٢٥٨ رقم ٣٨٢٨)، وابن حبان (٣/ ١٧٢ رقم ٨٩٠)، والحاكم (١/ ٤٩١) عن النُّعمان بن بشير - ﵁ -. وهو حديث صحيح، صححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم، والذهبي، والألباني في "صحيح الترغيب" (٢/ ٢٧٥ رقم ١٦٢٧)، و"صحيح أبي داود" (٥/ ٢١٩ رقم ١٣٢٩).
(٢) في الأصل: "معنى" والتصويب من "المفهم" (٣/ ٥٨).
[ ١٨٥ ]
الشَّرعُ لا الطَّعم اللذيذ، والطعم من غير المباح، وقال: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل: ١٣]، وفي الحديث: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فيهِ غيْرِي تركْتُهُ وشِرْكَهُ" (١).
وفي آخَر: "مَنْ صَلَّى في ثوبٍ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِم فيهِ دِرْهَمُ حَرَامٍ لمْ تُقْبَل لهُ صَلاةٌ" أخرجه أحمد (٢).
وإنَّمَا لَمْ تُقْبَل الصَّدَقةِ مِنَ المَالِ الحَرام؛ لأنَّهُ ممنُوعٌ مِنَ التَّصَرُّفِ فيه؛ ولأنَّ أكلَهُ يُفْسِدُ القَلْبَ، فَيُحْرَم الرِّقة والإخلاص.
وهل القَبول مِنْ لَوَازِمِ الصِّحةِ أَمْ لا؟ فيهِ بَحْثٌ (٣).
وقوله: "إِنَّ اللهَ أمَر المُؤمِنين بِمَا أَمَرَ به المُرسلين" أي: سَوَّى بينهم في الخِطَاب بِوُجُوبِ أكلِ الحَلال، وكذا أمَّتهم معهم، وفي العبادة -أيضًا- إلَّا مَا قامَ الدَّليلُ على تخصيصِهم به؛ لأنَّ الجميع عبادُهُ ومَأْمُورُونَ بِعِبَادَتِهِ.
ومعنى: ﴿رَزَقْنَاكُمْ﴾ هنا: مَلَّكْنَاكُمْ، وقد تكون في موضعٍ آخر بمعنى: نَفَعْنَاكُمْ. والرِّزقُ عِندَنا: مَا فَتَحهُ الله لَنَا مِنْ حَلالٍ أو حرامٍ، والمعتزلة خَصّوهُ بالحلال، واللغةُ لا تقتَضِيه (٤).
_________________
(١) رواه مسلم (٤/ ٢٢٨٩ رقم ٢٩٨٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) في "المسند" (١٠/ ٢٤ رقم ٥٧٣٢)، وعبد بن حميد في "المنتخب" (٢/ ٥١ رقم ٨٤٧) عن ابن عمر - ﵁ -. وإسنادهُ ضعيف فيه بقية بن الوليد، وعثمان بن زُفَر، وهاشم الأوقص -وهو ضالٌّ غير ثقة-. والحديث له طرق أخرى مدارها على الأوقص وهو كما عرفتَ. وقد نقل الزيلعي في "نصب الراية" (٢/ ٣٢٥): عن أبي طالب قال: سألتُ أبا عبد الله -الإمام أحمد- عن هذا الحديث فقال: "ليس بشيء، ليس له إسناد". وضعَّفه الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٢/ ٢٤٠ رقم ٨٤٤).
(٣) انظر: "الإحكام" (١٦٥) لابن دقيق العيد، و"المنهج المبين" للفاكهاني (٢٨٠ - ٢٨٢).
(٤) قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في "رسالة في إهداء الثواب للنبي - ﷺ -" (٧١ - ٧٢): [وطبعت ضمن "جامع المسائل" (٤/ ٢٦٥ - ٢٦٦)]: "واسم الرزق في كتاب الله: يُرادُ =
[ ١٨٦ ]
وقوله: "ثُمَّ ذَكر الرّجُل " إلى آخره، هذا مِنْ كلامِ أبي هُريْرَةَ! يعني: أن النبي - ﷺ - بعدَ مَا سَبَقَ ذَكَرَهُ اسْتَطْرادًا، وهو من وادي:
ولقد أَمُرُّ على اللئيم يَسُبُّني فَمَضيتُ ثُمَّتَ قلتُ: لا يَعْنِينِي
فوصفَهُ بالنَّكرة، وإن كان فيه الألف واللام حيث لم يُرِدْ رجُلًا بِعَيْنِهِ.
ومعنى: "يُطِيلُ السفر" يعني: في الحجِّ والجهاد، ومَا أشْبَهَ ذلِكَ مِنْ أسفارِ الطَّاعات.
و"الأشعث" المُغْبَر الرأس.
وقوله: "يمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ" وهو دالٌّ على أن ذلِكَ مِنْ أدَبِ الدعاء.
وكانَ الشَّارعُ يرفَعُ يَدَيْهِ في عِدَّةِ مَوَاضِع؛ منها (١): في الاستسقاء حتى يُرى بياض إبطيه (٢).
وقال في حديث آخر: "إنَّ اللهَ حييٌّ كريمٌ، يَسْتَحِي مِنْ عَبْدِه أنْ يرْفَعَ إليهِ كَفَّيْهِ ثمَّ يَرُدُّهُما صِفْرًا" (٣).
_________________
(١) = به: ما ملك شرعًا، ويُرادُ به: ما يَتَنَعَّمُ به الحيُّ. فالأول: يختص بالحلال، والثاني: يتناول كل ما ينتفع به الحيوان وإن كان حرامًا. فالأول: كقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، والثاني: كقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾. والقدرية مَنَعوا أن يكون الحرامُ مرزوقًا بناءً علي أصلهم في أنَّ اللهَ لم يَخْلق أفعال العباد؛ فتناول العبد له ليس عندهم مقدورًا لله، ولا هو ملَّكه إِيَّاهُ. وهو قولٌ باطِلٌ". وانظر: "مجموع الفتاوى" (٨/ ٥٤١ - ٥٤٦).
(٢) في الأصل: "فيها" ولعل ما أثبتناه هو الأقرب.
(٣) رواه البخاري (٢/ ٣٢ رقم ١٠٣١)، ومسلم (٢/ ٦١٢ رقم ٨٩٥) عن أنس - ﵁ -.
(٤) رواه أحمد (٣٩/ ١٢٠ رقم ٢٣٧١٥)، وأبو داود (٢/ ١١٢ رقم ١٤٨٨)، والترمذي (٥/ ٥٢١ رقم ٣٥٥٦)، وابن ماجه (٢/ ١٢٧١ رقم ٣٨٦٥)، وابن حبان (٣/ ١٦٠ رقم ٨٧٦)، والحاكم (١/ ٤٩٧) عن سلمان الفارسي - ﵁ -. وهو حديث صحيح، صححه ابن حبان، والحاكم، ووافقه الذهبي، والألباني في "صحيح السُّنن".
[ ١٨٧ ]
وعادةُ العربِ إذا استعظَمَت أمرًا رَفَعَت أيْدِيَها، فالدَّاعي أَجْدَرُ بذلِكَ؛ إذْ هوَ بين يديْ عظيمِ العُظماءِ كما في التَّكبير، وهو العادة في سؤال المخلوق ليأخُذَ في يدهِ، ولأنَّهُ قِبْلَة الدُّعاء (١).
وقوله: "فأنَّى يُستجاب لذلك" أي: كيف؟ على جِهَةِ الاستبعاد لمن هذه صِفَتُهُ وهذا حالُهُ، ومعناه: أنه ليسَ أهلًا لإجابةِ دُعائه، فلا يُجيرُهُ شعثه وغباره من إثم مطعمه ومشربه، فالغوي الذي مَدَّ لها يَدًا نشأت عن مخالفة وعصيان، فكيف حال مَنْ هو منهَمِكٌ في الفساد، ساعي بظلم العباد؟
لكن يجوز أن يستجيبَ اللهُ لهُ تَفَضُّلًا ولُطفًا وكَرَمًا، نعم؛ مِن علامة الإجابة: اجتنابُ الحرام؛ لأنَّ مخالطته تُفْسِدُ القلب، وإذا فَسَدَ فَسَدَت جوارِحُهُ.
ومعنى: "غُذِيَ به" أي: كان غِذَاؤُهُ -وهو بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ، ثم ذالٍ مُعْجَمَةٍ مَكسُورةٍ مُخَفَّفةٍ-.
وللدُّعاءِ آداب وشروطٌ ذَكَرَهَا الغزالي (٢) وغيره في كتاب "الدُّعاء":
_________________
(١) ويرفع يديه؛ لأن الله ﷿ في العلو، وهي الفطرة التي فطر الله الناس عليها عند الدعاء: مسلمهم وكافرهم. وأهل السنة والجماعة يعتقدون: أنَّ الله عالٍ على خلقهِ، مستوٍ على عرشه، بائنٌ من خلقه، عِلمُه في كل مكان، وهو فوق السموات السبع، كما قال - ﷺ - للجارية: "أين الله؟ " قالت: "في السَّماء". قال - ﷺ -: "أعتِقها فإنَّها مؤمِنَةٌ" [رواه مسلم (١/ ٣٨١ رقم ٥٣٧)]. والأدلة على ذلك أكثر من أن تُذكر في هذا المقام، وقد توسع في ذكرها ابن قدامة والذهبي في "العلو"، وابن القيم في "اجتماع الجيوش الإسلامية" وغيرهم.
(٢) وهو "كتاب الدعاء" مِن "الإحياء" (٣/ ٥٤٩ - ٥٥٧). وأنصحُ بالرجوع إلى كتب أهل العلم والسنة في هذا الباب وهي كثيرةٌ جدًّا؛ ففيها غُنيَةٌ عن مثل هذه الكتب المليئة بالخرافات والمخالفات والأحاديث الواهيات، انظر على سبيل المثال "الدعاء" للطبراني، و"الدعوات الكبرى" للبيهقي، وكتاب "الكلم =
[ ١٨٨ ]
ألا يُدْعَى بمعصية، ولا بِمُحالٍ، وأن يكونَ حاضِرَ القلب عنده، وأن يحسِن الظَّنَّ بالإجابةِ، وألَّا يَستعجِل فيقول: دَعَوْتُ فلَمْ يُستَجَب لي، وهو سوءُ أدَبٍ فيقطَعُه عن الدُّعاء فيُفَوِّت الإجابة.
وفيه الحثُّ علي الإنفاق مِنَ الحلال، والنَّهي عن الإنفاق من غيره.
وفيه أن المأكول والمشروب والملبوس ونحوها ينبغي أن تكون حلالًا لا شُبْهَةَ فيهِ، وأنَّ مُريد الدّعاء أولى بالاعتناء بِذَلِكَ مِنْ غيرِهِ، والله سبحانه أعلم.
* * *
_________________
(١) = الطيِّب" لابن تيمية وشرحه "العَلَمُ الهَيِّب" لبدر الدين العيني الحنفي صاحب "عمدة القاري"، و"الوابل الصيب" لابن القيِّم، و"الأذكار" للنووي، و"أدب المرتعى في علم الدعا" ليوسف بن عبد الهادي الحنبلي وغيرها كثير.
[ ١٨٩ ]