عن أبي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بن عَمْرٍو الأنصاريِّ البَدْرِيِّ - ﵁ - قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: "إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ الأُولى: إِذَا لَمْ تَسْتَح فاصْنع مَا شِئْتَ".
رواه البُخاريُّ (١).
* * *
الكلام عليه من وجوهٍ:
أحَدهما: في التَّعريفِ بِرَاوِيهِ:
وهو أبو مسعود عُقْبَة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري البدري الصحابي، ولم يشْهَد بَدرًا -في قول الأكثرين- وإِنَّمَا نَزَلَها (٢)، كالمقبري؛ لنزوله المقابر (٣)، ويزيد الفقير؛ لِفقار ظهره (٤)، وفلانٌ الضال؛ لأنَّهُ ضَلَّ عن الطريق (٥).
_________________
(١) رواه البخاري (٤/ ١٧٧ رقم ٣٤٨٣، ٣٤٨٤).
(٢) انظر: "الإصابة" لابن حجر (٢/ ٤٨٣)، و"تهذيب الكمال" (٢٠/ ٢١٥).
(٣) انظر: "تهذيب الكمال" (١٠/ ٤٦٦) ترجمة سعيد بن أبي سعيد المقبري.
(٤) انظر: "تهذيب الكمال" (٢٠/ ١٦٥) ترجمة يزيد بن صهيب الفقير.
(٥) المراد هو معاوية بن عبد الكريم الضَّال، قال الإمام أحمد: "معاوية الضَّال: ثقةٌ ..، قيل: ولم سُمِّي الضَّال؟ قال: ضَلَّ -زَعَموا في طريق مكَّةَ فَسُمِّي الضال". "سؤالات الأثرم للإمام أحمد" (٤٨)، و"الأنساب" للسمعاني (٨/ ٣٧٠).
[ ٢٥٩ ]
ثانيها: هذا الحديثُ عليهِ مَدَارُ الإسلام، وَوَجْهُهُ: أنَّ أفعال العبد إمَّا أن يستحي منها أَوْ لَا.
فالأوَّل: يشمل الحرام والمكروه، وتركُهُمَا هو المشروع.
والثاني: يَشْمَلُ ما في الأحكام الخمسة: الوجوب والندب والإباحة، وفِعْلُها مَشْرُوعٌ في الأوَّلَيْن، شائعٌ (١) في الثالث، وهذه أحكام الأفعال الخمسة، وهو شَبِيهٌ بالحديث الآتي: "الإثْم: مَا حاكَ في نَفْسِكَ" (٢).
ثالثها: قوله -﵊-: "فاصْنعَ مَا شِئتَ" هل هو خَبَرٌ أو نَهْيٌ؟ كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [النحل: ٥٥]، "أشْهِدْ على هَذَا غَيْرِي" (٣)، و"مَنْ باعَ الخَمْرَ فلْيُشَقِّص (٤) بالخَنَازِير" (٥)،
_________________
(١) في "التعيين" (١٦٨): "جائز" وله وجه.
(٢) هو الحديث (٢٧) من الأربعين.
(٣) رواه مسلم (٣/ ١٢٤٣ رقم ١٦٢٣/ ١٧) من حديث النُّعمان بن بشير - ﵄ - بهذا اللفظ. وأصل القصة في "الصحيحين".
(٤) في الأصل "فليستقض" والتصويب من كافة مصادر التخريج.
(٥) رواه أحمد (٣٠/ ١٥٤ رقم ١٨٢١٤)، وأبو داود (٣/ ٤٨٩ رقم ٣٤٨٩)، وابن أبي شيبة (٧/ ٤٤٣ رقم ٢١٩١٨)، والحميدي (٢/ ٣٣٥ رقم ٧٦٠)، والطيالسي (٢/ ٧٦ رقم ٧٣٥)، والدارمي (٢/ ١٣٣٤ رقم ٢١٤٧)، والطبراني في "الكبير" (٢٠/ ٣٧٩ رقم ٨٨٤)، و"الأوسط" (٨/ ٢٤٥ رقم ٨٥٣٢)، وابن أبي حاتم في "العلل" (٢/ ٥٦ رقم ١١٥٢)، والبيهقي في "الكبرى" (٦/ ١٢) عن المغيرة بن شعبة - ﵁ -. والحديث فيه عمر بن بيان التغلبي مجهول. قال أحمد في "العلل" (٢/ ٧): "لا أعرفه". وقال الطبراني في "الأوسط": "لا يُروى هذا الحديث عن المغيرة إلا بهذا الإسناد، تفرَّد به طلحة بن عمرو" يعني الراوي عن عمر بن بيان. وقال ابن حجر: "مقبول" ["التقريب" (٧١٤ رقم ٤٩٠٣)، يعني: حين يُتابع وإلَّا فليِّن الحديث، والحديث لم يُتابع عليه. فائدة: قال ابن الأثير في "النهاية" (٢/ ٤٩٠): "" فليُشَقِّص الخنازير" أي: فليُقَطعها قِطَعًا ويُفَصِّلْها أعضاءً كما تُفصَّل الشاة إِذا بيعَ لَحمُها. يُقال: شَقَصه يُشَقِّصهُ، وبه سُمِّي القَصَّاب مُشَقِّصًا. المعنى: مَن استَحَلَّ بيعَ الخمر فليسْتَحِل بيع الخنزير، فإنهُما في التَّحريم سواءٌ، وهذا لفظُ أَمْرٍ معناهُ النَّهي، تقديرهُ: مَن باعَ الخمرَ فليَكُنْ للخَنَازير قصَّابًا".
[ ٢٦٠ ]
والمعنى على هذا: إذا نُزِعَ عنكَ الحياء فافعل ما شِئتَ، فَإِنَّهُ تعالى يُجازيكَ عليهِ، ويكونُ هذا تعظيمًا لأمرِ الحياء، وتبيينًا لوضْعِهِ عندَ فَقْدِه.
وعلى الأول معناه: إذا لَمْ تَسْتَحِ صَنَعْتَ مَا شِئْتَ؛ لأنَّ عَدَمَ الحياء يُوجِبُ الانهِمَاكَ في هَتْكِ السِّتْرِ، وقد ثبتَ أنَّ: "الحياء شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الإيمانِ" (١).
وقال -﵊-: "الحياءُ لا يَأتِي إلَّا بِخَيْرٍ"، وقال - ﷺ -: "الحياءُ خَيْرٌ كلُّهُ" (٢).
وقال -﵊-: "اسْتَحْيُوا مِن الله حَقَّ الحَيَاءِ" (٣).
رابعها: معنى: "إنَّ مِمَّا أدركَ الناس": أنَّ الحياءَ لَمْ يَزَل مستَحَبًا مُسْتَحْسَنًا في شرائعِ الأنبياء الأوَّلين، وأَنَه لم يُنْسَخ مِن جُمْلَةِ مَا نُسِخ مِن شرائِعهم، ولا شَكَّ أنهُ مِن الخِصَالِ الشَّريفة، والصِّفاتِ المنيفة، وهو خيرٌ كُلُّهُ كما سلف (٤)، ولكن لا ينبغي أن يغلبه حتى يستحي فيما يَضُرُّه مِن أمرِ دينهِ
_________________
(١) رواه البخاري (١/ ١١ رقم ٩)، ومسلم (١/ ٦٣ رقم ٣٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) هذا والذي قبله حديث واحد رواه البخاري (٨/ ٢٩ رقم ٦١١٧)، ومسلم (١/ ٦٤ رقم ٣٧) من حديث عمران بن الحصين - ﵁ -.
(٣) رواه أحمد (٦/ ١٨٧ رقم ٣٦٧١)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (١٩/ ٥٩ رقم ٣٤٣٢٠)، والترمذي (٤/ ٢٤٦ رقم ٢٤٥٨)، والبزار (٥/ ٣٩١ رقم ٢٠٢٥)، والحاكم (٤/ ٣٢٣)، وأبو يعلى (٨/ ٤٦١ رقم ٥٠٤٧)، والطبراني في "الكبير" (١٠/ ١٥٢ رقم ١٠٢٩٠)، و"الصغير" (١/ ٢٩٨ رقم ٤٩٤) من حديث ابن مسعود - ﵁ -. والحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي والألباني.
(٤) قال الصالحي (ت: ٩٤٢ هـ) في "سبل الهدى والرشاد" (٧/ ٤٢): "الحياء من الحياة، ومنه الحَيَا للمطر، وعلى حسب حياة القلب يكون في قوم خُلُق الحياء، وقِلَّة الحياء من موت القلب والروح، وكلما كان القلب حيًّا كان الحياء أتم. وهو في اللغة: تغيُّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، وقد يُطلق على مجرد ترك الشيء بسبب، وفي الشرع: خُلُقٌ يبعثُ على اجتناب القبيح، ويمنع عن التقصير في حقِّ ذي الحق".
[ ٢٦١ ]
ودنياه، فإنَّهُ حياءٌ غيرُ محمود، ومنهُ الحياء في التَّفقه في الدين، وليسَ حياءً، بل خَوَرًا (١).
وأهلُ المعرِفةِ في الحياء مُنْقَسِمون، كما أنهم في أحوالهم متقاربون، وقد كان رسول الله - ﷺ - جُمِعَ لهُ كمال نَوْعَي الحياء، فكان في الحياء الغريزي أشدَّ حياءً مِن العذراءِ في خِدْرِها، وفي حالهِ الكَسْبي في [ذروتها] (٢).
* * *
_________________
(١) في الأصل: "جورًا" وهو تصحيف.
(٢) في الأصل: "ذوويها". والتصويب من "المفهم" (١/ ٢١٩) إذ هي من كلامه! ونقله عنه الفاكهاني في "المنهج المبين" (٣٧٩)، ونقله ابن حجر الهيتمي في "الفتح المبين" (٣٨٥) ولكن من غير عزو!
[ ٢٦٢ ]