وحديث: "إنَّ ذَا الوَجْهيْن لَا يَكُونُ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا" (١).
وغير ذلك مِمَّا لا يُحْصَى كَثْرَةً.
وقال الهروي: "يعني بـ"جوامع الكلم": القرآن، جَمَعَ اللهُ فيه الألفاظ اليسيرة مِن المعاني الكثيرة" (٢).
وقال ابن شهاب: "بَلَغَني أنَّ اللهَ تعالى يجمَعُ له الأمور الكثيرة التي كانت تُكتب في الكتب القديمة في الأَمْرِ الواحد والأمرين ونحو ذلك" (٣). ذَكَرَهُ البيهقي في "دلائل النبوة" في إثر حديث أبي هريرة أنه - ﷺ - قال: "بعثت بجوامع الكلم. ." الحديث وعَزَاهُ إلى البخاري ومسلم (٤).
وقوله: "وسَمَاحَةِ الدِّينِ" هو إشارةٌ إلى قوله ﵊: "بُعِثْتُ بالحَنِيفيَّةِ السَّمْحَة" وهو حديث مرويٌّ مِنْ طُرُقٍ:
أحدها: من حديث أبي أمامة رواه الطبراني في "أكبر معاجمه" من حديث علي بن يزيد عن القاسم عنه رَفَعَهُ: "إني إنما بُعِثْتُ بالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ" (٥).
_________________
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، ولكن روى البخاري في "الأدب المفرد" (١١٢ رقم ٣١٣)، وأحمد في "المسند" (١٣/ ٢٧٠ رقم ٧٨٩٠)، وابن أبي الدنيا في "الصمت وآداب اللسان" (٣٧٤ رقم ٢٨٣)، و"ذمّ الغيبة والنميمة" (١٨٥ رقم ١٤٤) عن أبي هريرة - ﵁ - أنه - ﷺ - قال: "لا يَنْبَغي لِذي الوَجْهينِ أنْ يَكُونَ أَمِينًا". وقد صححه الألباني في "الأدب المفرد"، وفي "السلسلة الصَّحيحة" (٧/ ١ / ٥٩٧ رقم ٣١٩٧).
(٢) "الغريبين" (١/ ٣٦٥) وذكره عنه: القاضي عياض في "إكمال المعلم" (٢/ ٤٣٨)، والقرطبي في "المفهم" (٢/ ١١٩)، والنووي في "شرحه لمسلم" (٥/ ٧).
(٣) "دلائل النبوة" (٥/ ٤٧١).
(٤) "دلائل النبوة" (٥/ ٤٧١). وقد رواه البخاري (٤/ ٥٤ رقم ٢٩٧٧)، ومسلم (١/ ٣٧١ رقم ٥٢٣/ ٦) عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٥) "المعجم الكبير" (٨/ ٢٢٢ رقم ٧٨٨٣) وفيه علي بن يزيد وهو الألهاني، وهو ضعيف كما في "التقريب" (٧٠٧ رقم ٤٨٥١).
[ ٥٠ ]
ومن الوليد بن مسلم عن عفير بن معدان، عن سليم (١) بن عامر، عن أبي أُمامة -مرفوعًا- بِزِيادة: "ولم أبْعَث بالرَّهْبَانيَّة والبدعَةِ" (٢).
ورواه أحمدُ في "مسندِه" عن مُعَان بن رفاعة (٣) عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة رفعهُ: "إني لم أُبْعَث باليهوديَّة ولا بالنَّصرانية، ولكني بُعِثتُ بالحَنِيفِية السَّمحَةِ" (٤).
ثانيها: من حديث ابن عباس - ﵁ - قيل: يا رسول الله! أيُّ الأديان أَحَبُّ إلى الله؟ قال: "الحَنِيفِيَّةُ السَّمحَةُ".
رواه أحمد في "مسنده"، والطبراني في "أكبر معاجمه". وفي إسناده ابن إسحاق وهو حسن الحديث (٥).
_________________
(١) في الأصل: "سلمان" والمثبت من "المعجم الكبير".
(٢) "المعجم الكبير" (٨/ ١٧٠ رقم ٧٧١٥). وفيه عفير بن معدان قال الهيثمي في "المجمع" (٤/ ٣٠٢): "وهو ضعيف". وقال في موضع آخر (١٠/ ٥٨): "وهو مجمَعٌ على ضَعفِه".
(٣) في الأصل: "مالك" والتصويب من مصادر التخريج، وكتب التراجم. وهو "لَين الحديث كثير الإرسال" كما في "التقريب" (٩٥٣ رقم ٦٧٩٥).
(٤) رواه أحمد (٣٦/ ٦٢٣ رقم ٢٢٢٩١)، والطبراني في "الكبير" (٨/ ٢١٦ رقم ٧٨٦٨)، والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (٢/ ٤٣٠ رقم ١٢١٨)، وابن عساكر في "الأربعون في الحث على الجهاد" (٧٧ رقم ١٥) وإسناده ضعيف؛ فيه: علي بن يزيد الألهاني، ومعان بن رفاعة. لكن الحديث له شواهد يرتقي بها إلى الحسن. ولذلك ذكره الألباني -﵀- في "الصحيحة" (٦/ ٢ / ١٠٢٢ رقم ٢٩٢٤).
(٥) علَّقه البخاري في الصحيح" (١/ ١٦) ووصله في "الأدب المفرد" (١٠٤ رقم ٢٨٧)، ورواه أحمد (٤/ ١٦ رقم ٢١٠٧)، وعبد بن حميد (١/ ٤٩٧ رقم ٥٦٧)، والطبراني (١١/ ١٨١ رقم ١١٥٧١، ١١٥٧٢)،، وإسناده ضعيف لتدليس ابن إسحاق. وقد حكان إسناده الحافظ في "الفتح" (١/ ١١٧)! لكن الحديث حَسَنٌ بالشواهِدِ. انظر: "السلسلة الصحيحة" (٢/ ٥٦٩ رقم ٨٨١).
[ ٥١ ]
ثالثها: مِن حديث عروة الفُقَمي رفعه: "يا أَيُّها النَّاسُ، إِنَّ دِينَ اللهِ يُسْرٌ" قالها ثلاثًا. رواه أحمد في "مُسْندهِ" (١).
ورابعها: من حديث مِحجن بن الأدرع السلَمي رَفَعَهُ: "إن خيرَ دِينِكُم أيْسَرُهُ" ثلاثًا. رواه أحمدُ أيضًا (٢).
خامِسُها: مِن حديث عائشة أنها لَمَّا نَظَرَت إلى زَفْنِ (٣) الحبشة قال رسول الله - ﷺ -: "لِتَعلَمَ يهودُ أنَّ في دِيننا فُسْحَةً، إني أُرسِلتُ بحَنِيفِيَّةٍ سَمحَةٍ" رواه أحمد -أيضًا- (٤).
سادِسُها: من حديث ابن أبي رَوَّاد قال: أخبرني محمد بن واسع أنَّ رجُلًا قال: يا رسول الله! جرٌّ مُخَمَر جديدٌ أحبُّ إليكَ أن تَتَوضَّأ منهُ أو مما يَتَوَضّأُ
_________________
(١) (٣٤/ ٢٦٩ رقم ٢٠٦٦٩)، ورواه البخاري في "التاريخ الكبير" (٧/ ٣٠ - ٣١)، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢/ ٣٩٧ رقم ١١٩٠)، وأبو يعلى (١٢/ ٢٧٤ رقم ٦٨٦٣)، والطبراني في "الكبير" (١٧/ ١٤٦ رقم ٣٧٢)، وابن قانع في "مُعجمه" (٢/ ٢٦٢ رقم ٧٨٠)، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة" (٤/ ٢١٨٦ رقم ٥٤٨٣، ٥٤٨٤) وإسناده ضعيف فيه: عاصم بن هلال "فيه لين" ["التقريب" (٤٧٤ رقم ٣٠٩٨)]، وغاضرة بن عروة الفقيمي، قال فيه ابن المديني: "شيخٌ مجهولٌ". كما في "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (٧/ ٥٦). وبعض أهل العلم يوثق عاصمًا كأبي حاتم وأبي داود. وعليه فيُحسنون الإسناد لغيره.
(٢) (٣١/ ٣١٣ رقم ١٨٩٧٦)، والطبراني في "الكبير" (٢٠/ ٢٦٩ رقم ٧٠٤، ٧٠٥). قال الهيثمي في "المجمع" (٣/ ٣٠٨): "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح خلا رجاء، وقد وثقه ابن حبان". قلت: وفاته أن ينسبه للطبراني؛ ورجاء هو ابن أبي رجاء الباهلي، قال الحافظ في "التقريب" (٣٢٤ رقم ١٩٣٢): "مقبول" يعني حين يُتابع وإلَّا فلين.
(٣) قال السندي: "زَفْن الحبشة -بفتح فسكون-: الرقص". "المسند" (٤١/ ٣٤٩)، وانظر: "تهذيب اللغة" (١٣/ ٢٢٤).
(٤) "المسند" (٤١/ ٣٤٩ رقم ٢٤٨٥٥)، (٤٣/ ١١٥ رقم ٢٥٩٦٢). وحسن إسناده الألباني في "السلسلة الصحيحة" (٦/ ٢ / ١٠٢٣ - ١٠٢٤ تحت رقم ٢٩٢٤).
[ ٥٢ ]
الناس منه؟ قال: " [بلْ مِمَّا يتوضأُ الناسُ مِنْهُ أحَبُّ إلَي] (١)، أحب الأَديَانِ إلى اللهِ الحَنِيفِية السمحة". قيل: وما الحنيفية السمحة؟ قال: "الإسلامُ الواسِعُ" روَاه عبد الرزاق في "مُصَنَّفه" عن ابن أبي رَوَّادٍ به (٢).
سابعها: من حديث سعيد بن العاصي أنَّ عثمان بن مظعون قال: يا رسول الله! ائذن لي في الإختصاء! فقال: "يا عثمان! إنَّ الله قد عرَّفَنا (٣) بالرَّهْبَانِيةِ، الحَنِيفيةِ السَّمحَةِ، والتَّكْبِير على كُلِّ شرَفٍ، فإن كنتَ مِنا فاصنعَ كمَا نَصنع" رواه الطبراني في "مُعجَمِهِ" مِن حديث أَبي أُمَيَّةَ الطَّائِفِي حدَّثَنِي جَدِّي، عن جَدِّه (٤) سعيد به (٥).
ثامِنُها: من حديث أُبيّ بن كعب قال: أقرأني النبي - ﷺ -: "إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الحنيفية السمحة (٦)، لا اليهودية ولا النَّصرانية" رواه أبو عمرو بن مُعلى في فوائده بإسنادٍ جيِّد (٧). وهذا مما نُسِخَ لفظهُ وبقي معناهُ.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين ليس في مصنَّف عبد الرزاق! وزعم محققه أنه سقط من الأصل! وقدَّره في الحاشية بنحو ما في أعلاه، فليُستدرك، وليُصحِّح طالب العلم نُسخته.
(٢) (١/ ٧٤ رقم ٣٣٨)، ورواه الطبراني في "الأوسط" (١/ ٢٤٢ رقم ٧٩٤) عن ابن عمر [أنه هو السائل] من طريق عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع به، وابن أبي روّاد "صدوق ربما وَهم" كما في "التقريب" (٦١٢ رقم ٤١٢٤).
(٣) في "المعجم الكبير": "أبدلنا".
(٤) في الأصل: "عن جده عن سعيد به". والتصويب من "الطبراني".
(٥) رواه في "المعجم الكبير" (٦/ ٦٢ رقم ٥٥١٩). قال الهيثمي في "المجمع" (٤/ ٢٥٢): "وفيه إبراهيم بن زكريا ضعيف". وانظر: (٩/ ٣٨ رقم ٨٣١٩) منه.
(٦) كتب فوقه بالأصل: "والتي لا ضيقَ فيها ولا حَرَج".
(٧) رواه أحمد (٣٥/ ١٢٩ رقم ٢١٢٠٢، ٢١٢٠٣)، والترمذي (٦/ ١٩٠ رقم ٣٨٩٨)، والطيالسي (١/ ٤٣٥ رقم ٥٤١)، والحاكم (٢/ ٢٢٤). قال الترمذي: "هذا حديث حَسنٌ صحيح". وقال الحاكم: "هذ حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي.
[ ٥٣ ]
ويؤيد هذه الطُّرق حديث أبي هريرة الثابت في "صحيح البخاري" أنه - ﷺ - قال: "إنَّ الدِّينَ يُسرٌ، ولن يُشادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وقَارِبُوا " الحديث (١).
وحديث أنس الثابت في "صحيح مسلم" أنه - ﷺ - " قال: "يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا، وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا" (٢).
ويؤيد ذلك كُلَّه ظَوَاهِرُ القُرآن العزيز، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦]، وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، وقال: هو ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]، وقال: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وأجاب الله تعالى الصحابة حين دَعَوْا بقوله: ﴿اوَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ بقوله: "نعم، وَقَد فَعَلْتُ" كَمَا ثَبَتَ في "صحيح مسلم" (٣).
وقال في صِفَةِ نَبِيِّنا -عليه أفضل الصلاة والسلام-: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
قيل: كانت بنو إسرائيل يقرِضونَ مَحَلَّ البول بالمقاريض مِن جُلودهم إذا أصابهم، ولا يُجزئهم غَسلُه.
وإذا أتى أحدهم ذنبًا أصبحَ مكتوبًا على باب داره فيقام عليه حدّه.
_________________
(١) (١/ ١٦ رقم ٣٩، ٥٦٧٣، ٦٤٦٣، ٧٢٣٥) من حديث أبي هريرة - ﵁ -
(٢) رواه البخاري (١/ ٢٥ رقم ٦٩، ٦١٢٥)، ومسلم (٣/ ١٣٥٩ رقم ١٧٣٤).
(٣) (١/ ١١٥ رقم ١٢٣) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٥٤ ]
وكانت توبتهم بقتل أنفُسِهم.
وكان موجب القتال عندهم القتل عينًا، ولا تُقبَلُ الدِّيَةُ.
وفي "الصحيح": "فُضِّلتُ على الأَنبِياءِ بِسِتٍّ .. " الحديث كما سلف.
وكُلّ هذا ونحوه مِن سماحة الدين وتشديد غيره؛ فديننا -إذن- أسمَحُ الأَديَان.
وقوله: "وَصَلَوَاتُهُ وَسَلامُهُ عليهِ وعلى سَائِرِ النَّبِيِّين والمرسَلِينَ، وآلِ كلٍّ و[سائِر] (١) الصَّالِحِين". قد سَلف معنى الصلاة والسلام.
و"سائِر" أي: باقي وجميع، ولم ينفرد الجوهري بالثاني فقد وافقه الجواليقي، وابن بزي (٢).
و"النَّبِيّونَ" جمع نبي، وهو الذي ينبئ، أي: يُخبر عن الله تعالى، فعيل بمعنى مفعِل -بكسر العين- أي: مُبلّغ الأحكام.
وقيل بفتحها، أي: لأن الله أعلمه ذلك. وقد أوضحتُ الكلام على هذه المادة في "شرحِي لعُمدَةِ الأحكَام" (٣)، وذَكَرتُ عدد الأنبياء والمرسلين (٤) فَرَاجِعهُ منه فإنَّهُ من المُهمَات، وقد سَلَفَ الكلام عليه.
_________________
(١) من متن "الأربعين".
(٢) انظر: "الصحاح" (٢/ ٦٩٢)، و"لسان العرب" (٤/ ٣٤٠)، و"تهذيب اللغة" (١٣/ ٤٧). وقال ابن الأثير في "النهاية" (٢/ ٣٢٧) في الكلام على "سائر": "والناس يستعملونه في معنى الجميع، وليسَ بصحيح".
(٣) "الإعلام" (١/ ١٠٥).
(٤) "الإعلام" (١/ ١٠٨ - ١٠٩). وجاء في هامش الأصل: "عدد الأنبياء: مائة ألف نبي وعشرون ألف نبي، وعدد المرسلين ثلاثمائة وثلاثة عشر مرسلًا".
[ ٥٥ ]
وذَكَر بعضهم أنَّ النبي لم يُنزل عليه كتاب، ولم يؤمر بحُكْمٍ جَدِيدٍ، بل أُمِر بالدعاء إلى دين مَنْ قَبْلَهُ، بخلاف الرَّسول.
وذَكَر بعضهم أنَّ الرسول: مَنْ نَزَلَ عليه جبريل وأمرهُ بالتبليغ. والنبي: من لم ينزل عليه جبريل، بل سمِع صوتًا، أو رأى في المنام أنكَ نبيٌّ فَبَلِّغ الناس.
وقوله: "وآلِ كُلٍّ " أي مِنَ النبيين، حَذَف المضاف إليه لدلالة الكلام عليه، والتنوين في "كلٍّ " عوضٌ مِنَ الإضافة.
و"آل" أصله: أهل، بدليل تصغيره [على أُهيْل] (١)، ثمَّ أبدل من الهاء همزة، ثم أبدل منها ألف. وقيل: أصله "أوَل"، تحركت الواو وانفتح ما قبلها، فقُلِبَت ألفًا.
وقيل في تصغيره: أويل، فأبدلت الألف واوًا، ولم يرد إلى الأصل كما لم يردُّوا "عيدًا" إلى أَصلِهِ، إذْ قالوا: عُييد (٢).
و"آله" عند الشافعي: بنو هاشم، وبنو المطلب (٣).
وقيل: عترته وأهل بيته.
وقيل: كُلُّ الأمة، واختاره الأزهري وغيره من المحققين (٤).
وآل إبراهيم: إسماعيل وإسحاق وأولادهما، قاله صاحب "الكشاف" (٥).
_________________
(١) من الهامش، ورأيت أن إضافتها هنا أنسب، وهي مثبته في "الإعلام" (١/ ١١٢).
(٢) في الهامش: "والأصل عويد، لئلا يلتبس بتصغير عود".
(٣) كتب فوقها بالأصل: "مؤمنو بني هاشم ومؤمنو عبد المطلب".
(٤) انظر: "الزاهر" للأزهري (١٦٩ - ١٧٠)، و"المجموع" للنووي (١/ ١٢٠)، و"جلاء الأفهام" لابن القيم (٣١٦ - ٣٤٣)، و"الإعلام" للمؤلف (١/ ١١١ - ١١٤).
(٥) انظر: "الكشاف" (١/ ٢٦٩).
[ ٥٦ ]
وأَمَّا "آل" غيرهما فابحث عنهُ (١).
و"الصَّالِحُونَ" جمعُ صالِحٍ، وهو القائم بحقوق الله تعالى وحقوق العباد -جعلنا الله منهم-.
وقوله: "أَمَّا بعدُ" أي: أمَّا بعد ما سَبَق -وهو الحمدُ والصلاة-.
وبدأ بها للأحاديث الصحيحة أنه -﵊- كان يقولها في خُطَبه وشبهها، رواه عنه اثنان وثلاثون صحابيًّا (٢)؛ وفي المبتدئ بها خمسة أقوال:
داود، وهي "فضلُ الخِطاب" الذي أوتيهُ؛ لأنَّ المتكلم يفصلُ بها بين خُطبه ومواعظه.
وقيل: إن فصل الخطاب: البَيِّنَةُ على [المُدَّعي] (٣) واليمين على من أنكر.
ثانيها: قِسُّ بن سَاعِدة.
ثالثها: كعب بن لُؤي.
رابعها: يَعرُب بن قحطان.
خامسها: سَحبَان (٤).
وفي ضَبْطها أربَعَةُ أوجهٍ: ضَمُّ الدال، وفتحُها، ورفعُها منونةً، وكذا نصبُها.
قوله: "فقد رُوِّينا" الأجودُ في قراءةِ هذه اللفظة: ضَمُّ الراء وتشديدُ الواو وكَسْرها. أي: روى لنا مشايخنا كذا فسمعناه عليهم.
_________________
(١) لا تتعب نفسك في البحث! انظره في: "جلاء الأفهام" لابن القيم (٣٢٠ - ٣٢٤).
(٢) في الإعلام (١/ ١١٥) خمسة وثلاثون صحابيًّا!
(٣) في الأصل طمس.
(٤) انظر: "شرح صحيح مسلم" للنووي (٦/ ٤٠٥)، و"الإعلام" للمؤلف (١/ ١١٥ - ١١٦).
[ ٥٧ ]