ويجوز فتح الراء -أيضًا-، يُقال: روى يروي، إذا نَقَلَ عن غيره.
وقوله: "فقد رُوِّينا عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي الدرداء، وابن عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري ﵃ مِنْ طُرُقٍ كثِيراتٍ بِرِواياتٍ مُتَنَوِّعاتٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: "مَنْ حَفِظَ على أمَّتي أربَعينَ حَدِيثًا مِنْ أمرِ دينِها بَعَثَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ في زمرَةِ الفُقَهاءِ والعُلَمَاءِ" (١).
وفي روايةٍ: "بَعَثَهُ اللهُ فَقِيهًا عَالِمًا" (٢).
وفي روايَةِ أبي الدَّردَاءِ: "وكُنْتُ لهُ يومَ القِيَامَةِ شافِعًا وشَهيدًا" (٣).
وفي رِوايةِ ابن مسعود: "قيلَ لهُ ادخُلِ مِنْ أيِّ أبوابِ الجنةِ شِئْت" (٤).
_________________
(١) رواه الآجري في "الأربعين" (١٣٤ - ١٣٥)، والرامهرمزي في "المحدّث الفاصل" (١٧٣)، والقاضي عياض في "الإلماع" (١٩ - ٢٢)، وابن عساكر في "الأربعين البلدانية" (٤٠ - ٤١)، وابن الجوزي في "العلل" (١/ ١١٢) من حديث معاذ بن جبل - ﵁ -. وفي إسناده محمد بن إبراهيم السائح كذَّبه الدارقطني كما في "ميزان الاعتدال" (٣/ ٤٤٦)، وبه أعله ابن الجوزي في "العلل".
(٢) رواه ابن عبد البر في "الجامع" (١/ ١٩٢ رقم ٢٠٤)، وابن الجوزي (١/ ١١٨) من حديث أنس - ﵁ -. قال ابن عبد البر بعده: "علي بن يعقوب -أحد الرواة- ينسبونه إلى الكذب ووضع الحديث، وإسناد هذا الحديث كله ضعيف".
(٣) رواه ابن حبان في "المجروحين" (٢/ ١١٥)، وأبو بكر الشافعي في "الغيلانيات" (١/ ٣٧٠ رقم ٣٨٩)، وابن عساكر في "الأربعين البلدانية" (٣٩ - ٤٠)، والسلفي في "الأربعين البلدانية" (٣٠)، وابن الجوزي في "العلل" (١/ ١١٣)، والبيهقي في "الشعب" (٣/ ٢٤١ رقم ١٥٩٧). وإسناده موضوع فيه عبد الملك بن هارون بن عنترة. قال ابن حبان في "المجروحين": "كان ممن يضع الحديث، لا تحل كتابة حديثه".
(٤) رواه أبو نعيم في "الحلية" (٤/ ١٨٩)، وابن عساكر (٤١ - ٤٣)، وابن الجوزي (١/ ١١٢). وفي إسناده محمد بن حفص. وحكم العلامة الألباني في "الضعيفة" (١٠/ ٩٧ - ١٠٤ رقم ٤٥٨٩) على جميع طرقه بأنها: "موضوعة".
[ ٥٨ ]
وفي روايَةِ ابنِ عُمَرَ: "كُتِبَ في زمرَةِ العُلَمَاءِ، وحُشِرَ في زُمرَةِ الشُّهداء" (١).
قلتُ: ورُوِي -أيضًا- عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، وأبي أمامة، وجابر بن سمرة، ونويرة، ذَكَرها ابن الجوزي في "عِلَله" (٢).
وذكر المنذري الحافظ في جزء مفردٍ من هذه الطرق كلها وزيادة: سلمان الفارسي، فهذه -مع ما ذكره المُصَنِّف- أربَعَةَ عشر طريقًا، وسيأتي ترجمة من وقَعَ مِنهُم في الكتاب.
ومعنى "الحفظ" هنا: نقلها إلى المسلمين، وإنْ لم يحفظها ولا عَرَفَ معناها، هذا حقيقة معناه، وبه يحصلُ انتفاع المسلمين لا بحفظ مَا لَمْ يُنقل إليهم، قاله المُصنِّف في آخر "الأربَعِين" في آخِر الباب الذي أَفرَدَهُ لبيانِ المُشكِلات (٣).
وقد يُقال: المرادُ هنا حِفظُ مَعَانِيها، إذْ بهِ يُسمَّى فقيهًا، ويدخُلُ في الحديث مَن اجتهدَ في طرق تصحيحه وتدوينه، كالبخاري ومُسلم وغيرهما، ومَنْ نَقَلها مِن كُتُبِهم فقد قرَّبَها للمُتَعَلِّمِين؛ فلهُ أجْرُ ذلك، وأمَّا أجرُ الحفظِ فأبلغ، ويدخل فيه الأحاديث الضعيفة إذا كانت في الترغيب والترهيب فقط، لأنه يُعمَل بها (٤).
فائدة: إن قيلَ: ما وجهُ التخصيص بهذا العدد دونَ سائر مقادير العدد؟ وأجيب عنه بأنه روي عن بِشر الحافي أنه قال: "يا أهل الحديث! اعمَلُوا مِن
_________________
(١) رواه ابن الجوزي (١/ ١١٧).
(٢) "العلل المتناهية" (١/ ١١١ - ١٢١).
(٣) انظر ص (١٠٣) من "الأربعين".
(٤) هذا القول ضعيف، ونتائجه سيئة وخطيرة، فمنها: تساهل الناس في رواية الأحاديث الضعيفة في الكتب والدروس وعلى المنابر وغيرها، وهو مخالفة صريحة للأحاديث الصحيحة التي جاءت بالتحذير من التحديث إلَّا بعد التَّثبت من صحة الحديث. وما اشترطه بعض أهل العلم من شروط في رواية الضعيف فهو أمر غير ممكن التطبيق إلا في النادر والنادر لا حكم له. انظر: "الحديث الضعيف وحكم الاحتجاج به" للشيخ د. عبد الكريم الخضير (٢٤٩ - ٣٠٠)، و"المحرر" للشيخ د. حمد العثمان (١١٥ - ١٦٦).
[ ٥٩ ]
كُلِّ أربعين حديثًا بحديث كما قال -﵊-: "أَدُّوا رُبعَ عُشر أَموَالِكُم مِنْ كُلِّ أَربَعِينَ دِرهمًا دِرهمٌ" (١).". وإنما قال ذلك؛ لأنّه أقل عدد له ربعُ عشر صحيح، وإلَّا فزكاة الفضة إنما تجِبُ في مائتين فصاعِدًا.
فائدة: أفتى الكيا الهراسي -من كبار أصحاب الشافعية- بأنَّ مَنْ حَفِظَ أربعين مسألة فهو فقيه، وفيه نظرٌ كما قال الرافعي (٢)؛ لأنَّ حِفْظَ الشيء غير حفظه على الغير، وأيضًا فقد تجتمع أحاديث كثيرة في المسألة الواحدة.
وقوله: "واتَّفَقَ الحُفَّاظُ على أَنَّهُ حديثٌ ضعيفٌ وإِنْ كَثُرَتْ طُرقُه" هو كما قال، وقد أوضَحَ ضعفها ابن الجوزي في "عِلله"، وبرهن لهُ (٣).
وقال الحافظ زكي الدين المنذري في جُزئه الذي أفرده في ذلك في أوراقٍ لطيفة: "ليسَ في جميع طرقه ما يقوى وتَقُومُ به الحُجَّة، ولا تَخْلُو طريق من طرقه أن يكون فيها مجهول، أو معروف مشهور بالضعف".
ولَمَّا أَخْرَجَهُ ابن عبد البر مِن حديث الإمام مالك قال: "هذا حديثٌ غير محفوظ ولا معروف من حديث مالك، ومَن رواه عن مالك فقد أخطأ عليه، وأضاف ما ليسَ في روايته له" (٤).
_________________
(١) رواه أحمد (٢/ ١١٨ رقم ٧١١، ١٢٣٣)، والترمذي (٢/ ٨ رقم ٦٢٠)، وأبو داود (٢/ ١٥٨ رقم ١٥٧٤)، والنسائي (٥/ ٣٧ رقم ٢٤٧٧، ٢٤٧٨)، وفي "الكبرى" (٣/ ٢٦ رقم ٢٢٦٨، ٢٢٦٩)، والدارمي (٢/ ١٠١٣ رقم ١٦٦٩)، والبيهقي في "الكبرى" (٤/ ١١٧ - ١١٨) عن عاصم بن ضمرَة عن علي بن أبي طالب - ﵁ - وهو حديث صحيح. وقد صححه الشيخ الألباني في "السنن". وانظر: "البدر المنير" (٥/ ٥٥٦ - ٥٥٧) للمؤلف، و"صحيح سنن أبي داود" (٥/ ٢٩١ رقم ١٤٠٤) للألباني.
(٢) رواه عنه تلميذه الله السِّلفي في "الأربعين البلدانية" (٢٩). و"الكيا" هو: علي بن محمد الطبري (ت: ٥٠٤ هـ). انظر: "طبقات الشافعية" (٤/ ٢٨١).
(٣) "العلل المتناهية" (١/ ١١١ - ١٢٢).
(٤) "جامع بيان العلم وفضله" (١/ ١٩٣).
[ ٦٠ ]
وقال في كتاب "العلم": "إسنادهُ كلّه ضعيف ، وأخرجه ابن السكن مِن رواية خالد بن إسماعيل، وقال: خالد هذا هو أبو الوليد المخزومي، وهو مُنكَرُ الحَدِيث.
قال: وليسَ يُروَى هذا الحديث عن النبي - ﷺ - من وجهٍ يَثْبُت" (١)،
قال الدارقطني في "عِلله": "كُلّ طُرُقِ هذا الحديث ضِعاف، ولا يثبت منها شيء" (٢).
وأخرجهُ البيهقي مِنْ حَديث الإمام مالك وغيِره وقال: "أسانيد هذا الحديث كلها ضعيفة" (٣).
وأخرجه -أيضًا- ابن عساكر الحافظ من طُرُق، وقال: "قد رُوي هذا الحديث أيضًا عن: علي، وابن عمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأبي أمامة، وأنس مرفوعًا بأسانيد فيها كلها مقال، ليسَ فيها للتصحيح مجال" (٤).
وأَمَّا قوله الحافظ أبي طاهر السِّلَفي في "أربعينه" أن هذا الحديث: "روي من طُرق وثقوا بها، وركنوا إليها، وعرفوا صحتها، وعولوا عليها" (٥). فليسَ بِجَيدٍ مِنْهُ.
قال الحافظ عبد العظيم المنذري: "فيما قالَهُ نَظَر". قال: "ويمكن أَنْ يكون سلَكَ في ذلكَ مَسْلَكَ مَن رأى أنَّ الأحاديث الضعيفة إذا انضمَّ بعضها إلى بعضٍ أحْدَثَ قوَّةً".
_________________
(١) "الجامع" (١/ ١٩٢، ١٩٨).
(٢) "العلل" للدارقطني (٦/ ٣٤).
(٣) "شعب الإيمان" (٣/ ٢٤١)، وانظر: كتاب "الأربعون الصغرى" له (٢٢).
(٤) "الأربعون البلدانية" (٤٣).
(٥) "الأربعون البلدانية" للسلفي (٢٥).
[ ٦١ ]