وحديث: "نَضَّرَ الله امرأً .. " أخرجَهُ الترمذي من حديث ابن مسعود وقال: "حسنٌ صحيح" (١).
وابن حِبَّان في "صحيحه" (٢)، والحاكم في "مستدركه" من حديث جبير بن مُطْعِم وقال: "صحيحٌ على شَرطِ الشَّيخَين" (٣).
ورواه أبو داود وابن ماجه والترمذي من حديث زيد بن ثابت وقال: "حسن" (٤).
ورواه الجورقاني في أوائل "موضوعاته" من حديث أَنَس رَفَعَهُ: "نضَّرَ اللهُ مَنْ سَمِعَ قولي ثمَّ لَمْ يَزد فيهِ، [ثلاث] (٥) لا يَغِلُّ عليهنَّ قلبُ امرئٍ مُسْلِمٍ: إِخْلاصُ العَمَلِ للهِ، ومُنَاصَحةُ ولاةِ الأمرِ، ولُزُومُ جماعَةِ المُسْلِمِينَ (٦)، فَإِنَّ دَعوَتَهم تُحِيطُ مِنْ وَرَائهِم".
_________________
(١) (٤/ ٣٩٤ رقم ٢٦٥٧)، وقد رواه أحمد (٧/ ٢٢١ رقم ٤١٥٧)، وابن ماجه (١/ ٨٥ رقم ٢٣٢)، وهو حديث صحيح.
(٢) (١/ ٢٦٨ رقم ٦٦).
(٣) (١/ ٨٦ - ٨٧) ووافقه الذهبي، وهو كما قالا؛ ورواه أحمد (٢٧/ ٣٠٠ رقم ١٦٧٣٨)، وابن ماجه (١/ ٨٥ رقم ٢٣١).
(٤) رواه أحمد (٣٥/ ٤٦٧ رقم ٢١٥٩٠)، أبو داود (٤/ ٤٦ رقم ٣٦٦٠)، والترمذي (٤/ ٣٩٣ رقم ٢٦٥٦)، وابن ماجه (١/ ٨٤ رقم ٢٣٠)، وابن حبان في صحيحه (١/ ٢٧٠ رقم ٦٧) والحديث حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان، والألباني في "السنن"، و"السلسلة الصحيحة" (١/ ٦٨٩ رقم ٤٠٤).
(٥) من "الأباطل والمناكير"، ومصادر تخريج الحديث.
(٦) قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كما في "مجموع فتاواه" (١/ ١٨ - ١٩) -: "وهذه الثلاث: تجْمَعُ أصول الدِّين وقواعده، وتجمع الحقوق التي لله ولِعباده، وتَنْتَظِم مصالح الدنيا والآخرة. وبيانُ ذلِكَ: أنَّ الحُقوق قِسمان: حقّ لله، وحقّ لِعِباده. فحق الله أن نعبده ولا نُشرك به شيئًا وحقوق العِباد قسمان: خاصٌّ وعام. أَمَّا الخاص: فمثل برِّ كُلِّ إنسان والِدَيْه، وحقِّ زوجته، وجاره، فهذه مِن فروع الدِّين، لأنَّ المُكَلَّف قد يخلو عن وُجوبها عليه، ولأن مصلحتها خاصَّة فردِيّة. وأَما الحقوق العامة: فالناس نوعان: رُعاةٌ ورعِية. =
[ ٦٨ ]
ثمَّ قال: "هذا حديث مشهور" (١).
ثُمَّ رواه من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "نضَّرَ الله امرأً سَمِعَ مِنَّا حديثًا فأَدَّاهُ عَنَّا كمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغ أوعى مِنْ سامِع". ثمَّ قال: "هذا حديث صحيح مشهور، ورواته ثقات" (٢).
وفي روايةٍ: "نَضَّرَ اللهُ رَجُلًا سَمِعَ مِنَّا كلِمَةً فبَلَّغَها كمَا سَمِعَها، قربَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِن سامِعٍ". ثمَّ قال: "هذا حديثٌ صحيح" (٣).
فائدةٌ: نَضَّرَ -بتخفيف الضاد وتشديدها- من النَّضَارة، وهي في الأصل: حُسْنُ الوجه والبريق.
ورجَّحَ بعضهم التخفيف، لكن التشديد أكثر -كما قاله النووي-، ومعناه: "حسَّنَهُ وجَمَّلهُ" (٤).
_________________
(١) = فحقوقُ الرعاة: مناصَحتهم، وحقوق الرَّعيَّة: لزوم جماعتهم، فإنَ مصلحتهم لا تَتِمُّ إلَّا باجتِماعهم، وهم لا يَجْتَمِعون على ضَلالة، بل مصلحة دينهم ودنياهم في اجتماعهم واعتصامهم بحبل الله جميعًا. فهذه الخِصال تجمع أصول الدين" اهـ. وقال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب -﵀- (ت: ١٢٠٦ هـ): " لم يقَغ خَلَلٌ في دين الناسِ ودُنياهُم إلَّا بسبب الإخلال بهذه الثلاث أو بعضها" أهـ "مسائل الجاهلية" (١/ ٣٣٦ ضمن مؤلفات الشيخ).
(٢) رواه الجورقاني في الأباطيل والمناكير (١/ ١٠٠ رقم ٩٤)، وأبو عمرو بن المديني في جزئه في هذا الحديث (٥٠ رقم ٤٠)، وابن عبد البر في "الجامع" (١/ ١٨٧ رقم ١٩٨، ١٩٩) بهذا اللفظ. وللحديث طرق عن أنس -﵀- وهو حديث حسن كما قال الجورقاني. تنبيه: رِوَاية الجورقاني له في كتابه "الأباطيل" من باب إيراد الأحاديث الصحيحة بعد الضعيفة والباطلة لبيان خلافها لها، وهذا منهجه في كتابه.
(٣) "الأباطيل والمناكير" (١/ ١٠١) وليس فيه: "صحيح".
(٤) "الأباطيل والمناكير" (١/ ١٠٤). فائدة: هذا الحديث متواتر، وقد رواه جمعٌ من الصحابة، وفي تخريجه عدة رسائل مطبوعة.
(٥) "الأربعون" (٩٠) باب ضبط المُشْكِلات.
[ ٦٩ ]
وقال بعضهم: "إني لأرى في وجوه أهل الحديث نضرًا لقوله -﵊-: "نضَّر الله امرأً .. " الحديث" (١). يعني: أنها دعوةٌ أجيبت.
وقال الرُّوياني في "بحره": "الأجود التخفيف". قال: "وفي الخبر بيان أنَّ الفقة هو: الاستنباط والاستدراكُ لمعاني الكَلام، وفي ضمنه وجوب التفقه والحث على استنباط معاني الحديث" (٢).
وقال ابن الأثير: "نَضَرَ وَنَضَّره وأَنْضَره، أي: نَعَّمَهُ" (٣).
وفي "الغيريبين" للهروي: "رواه الأصمَعِيُّ بالتَّشديد، وأبو عُبيدة (٤) بالتَّخفيف، أرادَ: نعَّم الله عبدًا، ويقال: نضر الله يُنضر ونضر ينضر لغتان.
وقال الحسن بن محمد بن موسى الأزدي المؤدب: "ليسَ هذا مِن الحُسن في الوجه، إنما معناه: حَسَّنَ اللهُ وجةهُ في خُلُقِهِ، أي: جَاهِهِ وقَدرِهِ". قال: "وهذا مثل قوله -﵊-: "اطلُبوا الحَوَائِجَ إِلى حِسَانِ الوُجُوه" (٥).
_________________
(١) القائل هو الإمام سفيان بن عيينة -﵀- (ت: ١٩٨ هـ) كما رواه عنه الخطيب في "شرف أصحاب الحديث" (١٩).
(٢) الروياني هو: عبد الواحد بن إسماعيل الشافعي (ت: ٥٠٢ هـ) وله كتاب "البحر في المذهب" ولا أعلم أنه طبع. انظر: "معجم المؤلفين" (٦/ ٢٠٦).
(٣) "النهاية" (٥/ ٧١)، و"الشافي في شرح مسند الشافعي" (٥/ ٥٥٧). وفي الأصل: " .. ونضر وأنضر أي .. " والتصويب من "النهاية" و"الشافي"، و"الفائق" للزمخشري (٣/ ٤٣٩).
(٤) في الأصل و"الغريبين": "أبو عبيد"، والتصويب من "تهذيب اللغة" (١٢/ ٨)، و"غريب الحديث" لابن الجوزي (٢/ ٤١٤). وهو: أبو عبيدة مَعمَر بن المُثَنَّى (ت: ٢١٠ هـ). انظر: "مجاز القرآن" له (٢/ ٢٧٨).
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في "قضاء الحوائج" (٥٣ رقم ٥٢)، وفي "اصطناع المعروف" (٩٢ رقم ١١٠)، وابن حبان في "المجروحين" (٢/ ٣٣٣) [في ترجمة محمد بن يونس الكديمي] عن ابن عمر - ﵄ - وهو حديث ضعيف، آفته محمد بن يونس. قال ابن حبان في ترجمته: "كان يَضَعُ على الثِّقات الحديث وَضْعًا، ولعَلَّه قد وضع أكثر من ألفِ حديث"!
[ ٧٠ ]
يعني: ذوي الوجوه من الناس، وذوي الأقدار" (١).
وانفردَ ابن العربي فقال: "هو بالصَّاد المهملة حكئ عن ابن بشكَوال عنه سماعًا" (٢).
وقوله: "فأدَّاها كما سمِعَها" يُستَدَلُّ به على مَنع رِوَايَةِ الحديث بالمَغنى.
وجوابُ الجمهور: أنَّ المُرَاد حُكْمها لا لَفْظها؛ بدليل آخِرِ الحَدِيث: "فَرُبَّ حامل فقه غير فقيه، وربَّ حامل فقه إلى مَن هو أفقه منه".
قلتُ: ومِنْ شواهِدهِ أيضًا حديث: "يَحمِلُ هذا العِلمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ" الحديث (٣).
وقد ذكرتهُ في خطبة "تخريجي لأحاديث الرافعي الكبير" (٤).
وقوله: "وَقَد رَأَيْتُ جمعَ أربَعينَ أَهمَّ مِنْ هذا كُلِّهِ". هو كَمَا قال، فإنَّ الشريعة ورَدَت للمَصَالح الدينية والدنْيَويَّة، والأولى بالتوحيد.
_________________
(١) "الغريبين" (٦/ ١٨٥٣)، وانظر: "تهذيب اللغة" (١٢/ ٨).
(٢) انظر: "عارضة الأحوذي" (١٠/ ١٢٤) وليس فيه هذا النص! لأنه في الأصول الخطية من "العارضة" -في هذا الموضع- بياضٌ!
(٣) رواه ابن قتيبة في "عيون الأخبار" (٢/ ١١٩)، وابن وضاح في "البدع والنهي عنها" (٢٥ رقم ١، ٢)، والعقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٢٥٦ ط قلعجي)، (٤/ ١٣٩٦ ط السَّلَفِي [في ترجمة معان بن رفاعة]، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٢/ ١٧)، وابن عبد البر في "التمهيد" (١/ ٥٨ - ٥٩)، والخطيب البغدادي في "شرف أصحاب الحديث" (٢٩)، والبيهقي في "الكبرى" (١٠/ ٢٠٩)، وفي "المناقب" (١/ ٦ - ٨) عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري مُرْسَلًا. انظر: "الوهم والإيهام" لابن قطان (٣/ ٣٧ - ٤١ رقم ٦٩١). وللحديث طرق أُخرى لا تخلو من ضعف. وقد ذكر شيئًا من طرقه: ابن القيم في "مفتاح دار السعادة" (١/ ٤٩٧ - ٥٠٠)، والشيخ بدر البدر في تعليقه على "ما جاء في البدع" لابن وضاح (٢٥ - ٣٢).
(٤) "البدر المنير" (١/ ٢٥٨ - ٢٥٩).
[ ٧١ ]