قلتُ: وَوَرَدَ في حديث آخر: "مَن حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي حَدِيثًا واحِدًا كانَ لَهُ كَأَجْرِ أَحد وسَبْعِينَ نَبِيًّا صَدِّيقًا".
أنبأنا به الحافظ شمسُ الدين الذَّهبي، أنبا أبو المعالي محمد بن محمد (١) بن عبد العزيز الجذامي الإسكندري، أنبا جدي، أنبا أبو طاهر الحافظ قال: كَتَبَ إِليَّ أبو الفتيان عمر بن أبي الحسن الحافظ، أنبا أحمد بن محمد البجلي الحافظ، أنبا محمد بن أحمد بن يعقوب الزرقي -زرق من قُرى مرو-، ثنا أبو حامد أحمد بن عيسى بن مهدي -إملاءً-، ثنا محمد بن رزام المروزي، ثنا محمد بن أيوب الهنائي، ثنا حميد بن أبي حميد، عن عبد الرحمن بن دلهم، عن ابن عباس مرفوعًا فَذَكَرَهُ (٢).
قال أبو الفتيان: "كَتبهُ عَنِّي الحافظ أبو بكر الخطيب بصور" (٣).
قلتُ: هذا حديثٌ موضوعٌ، وإسنادهُ مُظْلِم، والظاهر أنَّ الآفةَ فيه مِن ابن رزام الكذَّاب (٤).
وقوله: "وقد صَنَّفَ فيه عبدُ الله بن المبارك (٥).
_________________
(١) في "تذكرة الحُفَّاظ": "أحمد".
(٢) رواه السِّلفي في "الأربعين" (٣٢ رقم ٣)، وابن عساكر في "الأربعين البلدانية" (٤٤) من طريق الحافظ أبي طاهر به.
(٣) "تذكرة الحُفَّاظ" (٤/ ١٢٣٩) في ترجمة أبي الفتيان.
(٤) قال الحافظ الذهبي -﵀- في "تذكرة الحُفاظ" (٤/ ١٢٣٩): "هذا مما تَحرُمُ روايته إلَّا مقرونًا بأنه مكذوبٌ مِنْ غير تَرَدُّدٍ، وقبَّحَ اللهُ مَنْ وضعَهُ، وإِسنَادهُ مُظْلِمٌ، وفيهم: ابن رزام كذَّابٌ، لَعَلَّه آفتهُ".
(٥) المتوفى سنة (١٨١ هـ)، انظر: "العلل المتناهية" (١/ ١٢١). وكتابه له نسخة خطية في مركز البحث العلمي في جامعة أم القرى في ورقتين.
[ ٦٢ ]
ثمَّ محمد بن أَسْلَم الطُّوسِي العالمُ الرَّباني (١)، ثم الحسن بن سفيان النَّسَوي (٢)، وأبو بكر الآجُرِّي (٣)، وأبو بكر محمد بن إبر اهيم الأصبَهاني (٤)، والدَّارَقُطْني (٥)، والحاكم (٦)، وأبو نُعَيم (٧)، وأبو عبد الرحمن السُّلَمِيُّ (٨)، وأبو سعدٍ المَالِيني (٩)، وأبو عثمان الصَّابُونيُّ (١٠)، ومحمدُ بن عبد اللهِ الأَنصَاريُّ (١١)، وأبو بكرٍ البَيْهقيُّ (١٢)، وخلائقُ لا يُحصَونَ مِنَ المُتَقَدِّمِين والمُتَأَخِّرينَ".
_________________
(١) الإمام محمد بن أسلم الطوسي (ت: ٢٤٢ هـ)، طبع كتابه بتحقيق الأخ الشيخ مشعل بن باني المطيري -وفقه الله-، وصدر عن دار ابن حزم (١٤٢١ هـ).
(٢) طبع بتحقيق الشيخ محمد بن ناصر العجمي -حفظه المولى-، وصدر عن دار البشائر البيروتية، عام (١٤١٤ هـ).
(٣) طبع بتحقيق الشيخ بدر البدر - حفظه الله -، عن دار المعلا بالكويت عام (١٤٠٨ هـ).
(٤) المتوفى سنة (٤٦٦ هـ). انظر: "السير" (١٨/ ٣٣٨).
(٥) علي بن عمر الإمام المشهور صاحب "السنن" و"العلل" وغيرها، (ت: ٣٨٥ هـ). انظر: "السير" (١٦/ ٤٤٩).
(٦) محمد بن عبد الله النيسابوري، صاحب "المستدرك" (ت: ٤٠٥ هـ)، انظر في توثيق كتابه: "السير" (٢٠/ ١٩٧)، و"طبقات الشافعية" للسبكي (٤/ ١٦٧).
(٧) أحمد بن عبد الله الأصفهاني (ت: ٤٣٠ هـ)، له "الأربعون في التصوف"، و"الأربعون في الأحكام"، انظر: "السير" (١٩/ ٣٠٦).
(٨) محمد بن الحسين السلمي، تكلَّموا فيه وليس بعمدة، وقيل: كان يضع الأحاديث للصوفية (ت: ٤١٢ هـ). انظر: "السير" (١٧/ ٢٤٧).
(٩) (ت: ٤١٢ هـ). انظر: "السير" (١٧/ ٣٠٣).
(١٠) (ت: ٤٤٩ هـ)، انظر في "الأربعين" له: "كشف الظنون" (١/ ٥٣).
(١١) أبو إسماعيل الهروي، شيخ الإسلام (ت: ٤٨١ هـ). له "الأربعون في دلائل التوحيد" طبع بتحقيق فضيلة الشيخ أ. د. علي بن محمد بن ناصر الفقيهي -حفظه الله تعالى-، وطبع سنة (١٤٠٤ هـ)، وله "الأربعون في السنة" انظر: "السير" (١٨/ ٥٠٩).
(١٢) طبع بتحقيق محمد بن بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، (١٤٠٧ هـ)، وطبعت بتحقيق أبي إسحاق الحويني، عن دار الكتاب العربي، (١٤٠٨ هـ)، وحقق رسالة علمية بجامعة الإمام عام (١٤٠١ هـ). وهو "الأربعون الصغرى"، أما "الكبرى" فلم تطبع بعد.
[ ٦٣ ]
هو كما قال، ويبعُدُ إحصاؤهم حتى إلى زماننا هذا وهلُمَّ جَرًّا.
ومنهم: الطائي (١)، والسِّلَفي (٢)، والمنذري (٣)، وإمام الحرمين (٤).
والطُّوسي: بِضَمِّ الطاء.
و"الرَّبَّاني": مَنْ أُفِيضَت عليهِ معارِفُ رَبّهِ، ورَبَّى الناس بِعِلمِهِ.
و"النَّسَوي": -بفتح النون ثم سينٌ مُهْمَلة ثم واو-: نسبة إلى نَسَا.
و"الآجريّ": -بهمزة مفتوحةٍ ممدودةٍ- (٥)، ولم يذكرها السمعاني في "أنسابه" ولا مَنْ تَبِعَهُ! (٦).
_________________
(١) هو أبو الفتوح محمد بن محمد الطائي (ت: ٥٥٥ هـ)، طبع "الأربعون" له بتحقيق الدكتور علي حسين البواب، وصدر عن دار المعارف بالرياض، عام (١٤١٧ هـ).
(٢) قال الذهبي في "السير" (٢١/ ٢١): "ولقد خرَّج "الأربعين البلدية" التي لم يُسبق إلى تخريجها، وقَل أن يتهيأ ذلك إلا لحافظٍ عُرِف باتِّساع الرحلة". وأربعينه مطبوعة في مكتبة أضواء السلف بالرياض بتحقيق مسعد بن عبد الحميد السعدني عام (١٤١٨ هـ).
(٣) عبد العظيم بن عبد القوي المنذري الإمام الحافظ (ت:٦٥٦ هـ)، له "الأربعون في اصطناع المعروف وإغاثة الملهوف" مطبوع بتحقيق سالم بن أحمد السلفي، وصدر عن مكتبة التراث، (١٤٠٨ هـ)، وطبعت مع شرحها للثعالبي (ت: ٨٧٥ هـ) بتحقيق محمد الطنجي، الرباط وزارة الدولة للشؤون الدينية. وخرّج أحاديثها صدر الدين المناوي (٨٠٣ هـ) وطبعت في عالم الكتب ببيروت بتحقيق سمير المجذوب. وانظر: "السير" (٢٣/ ٣٢١).
(٤) عبد الملك بن عبد الله (ت: ٤٧٨ هـ)، انظر: "السير" (١٨/ ٤٦٩). وانظر للاستزادة فيمن ألَّف في "الأربعين": "الأربعون البلدانية" (٣٣ - ٣٧)، و"العلل المتناهية" (١/ ١٢١ - ١٢٢)، و"كشف الظنون" (١/ ٥٢ - ٦١). تنبيه: الإحالات فيما تقدم لتوثيق نسبة الكتب لا للترجمة، فإن من تقدَّم ذِكرُهم أعلام مشاهير، وقد ذكرتُ أسماءهم، وتواريخ وفياتهم للفائدة لا أكثر.
(٥) فائدة: "الطوسي" نسبة إلى طوس قرية من قرى بخارى، و"نَسَا": مدينةٌ بخُراسَان، والنسبة إليها: "نسائي" و"نسوي". و"الآجري": نسبة إلى محلة كانت ببغداد بالجانب الغربي. ينظر -على الترتيب-: "معجم البلدان" (٤/ ٥٠)، (٥/ ٢٨٢)، (١/ ٥١).
(٦) بل ذكرها السمعاني في "الأنساب" (١/ ٦٨)، وذكرها من تَبِعَهُ! انظر: "الإكمال" لابن ماكولا (١/ ١٣٣)، و"تكملة الإكمال" لابن نقطة (١/ ١٦٩).
[ ٦٤ ]
و"الأصبهاني": -بكسر الهمزة وفتحها-، وبالفاء بدل الباء.
و"الدَّارَقُطْنِي": -بفتحِ الراء- نسبة إلى دار القطن محلَّة كبيرة ببغداد.
و"السُّلَمي": -بضمِّ السين وفتح اللام-، نسبة إلى سليم بن منصور قبيلةٌ مشهورة، واسمه محمد بن الحسين، وهو ابن بنت أبي عمرو بن بجيد السلمي.
و"المَالِيني": -بفتح الميم، وكسر اللام، ثم مثناة تحت ساكنة، ثمَّ نون- نسبة إلى مالين، وهي: قُرَى مجتمعة مِن أعمال هراة، يقال لجميعها: مالين، وأهل هراة يقولون: مالان. كذا ذَكره السمعاني، وكَنَّاه أبا أسْعَد (١)، وسماه أحمد بن محمد (٢)، وهو رَاوِيَةُ ابن عَدِيٍّ الحافظ.
و"الصَّابُوني": نسبة إلى عمله، ولعَلَّ أَجدَادَ أبي عُثمان هذا -واسمه إسماعيل بن عبد الرحمن شيخ الإسلام- كان يَعمله (٣).
وهذه الألفاظُ ضَبطتُها ليعرفها المبتدئ في هذا الفنِّ.
وقوله: "وقد اسْتَخَرتُ الله تعالى في جَمعِ أَربَعينَ حَديثًا اقتِداءً بهؤلاءِ الأَئِمَّةِ الأَعلامِ وحُفَّاظِ الإسلامِ.
وقدِ اتَّفَقَ العُلَمَاءُ على جَوازِ العَمَلِ بالحَدِيثِ الضَّعيف في فَضَائِلِ الأعمَالِ، ومَعَ هذا فليسَ اعتِمَادي على هذا الحديثِ، بلْ على قولهِ - ﷺ - في الأحاديث الصَّحيحَةِ: "لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ مِنْكُم الغائبَ".
_________________
(١) والصواب أنه: "أبو سعد" كما في "تاريخ بغداد" (٤/ ٣٧١)، و"معجم البلدان" (٥/ ٤٤)، و"شرح الأربعين" لابن دقيق (١٩)، و"السير".
(٢) انظر في ترجمته: "السير" (١٧/ ٣٠١).
(٣) انظر: "الأنساب" للسمعاني (٨/ ٢٤٧).
[ ٦٥ ]
وقوله - ﷺ -: "نضَّرَ اللهُ امرأً سَمِعَ مقالَتِي فوعَاها فأَدَّاها كمَا سَمِعَها".
ثمَّ مِنَ العُلَماءِ مَنْ جَمَعَ الأربَعينَ في أُصُولِ الدِّين، وبَعضُهم في الفُرُوعِ، وبعضهم في الجِهادِ، وبعضهم في الزهدِ، وبعضهم في الآدابِ، وبعضهم في الخُطَبِ، وكلُّها مَقَاصِدُ صالِحَةٌ، رضي الله عن قاصِديها.
وَقَد رَأَيْتُ جَمعَ أربَعينَ أَهمَّ مِنْ هذا كلِّهِ، وهي (١) أربعونَ حديثًا مُشْتَمِلَةٌ على جميع ذلك، وكُلُّ حديثٍ منها قاعِدَةٌ عظيمَةٌ مِن قواعِدِ الدِّين، قد وَصَفَهُ العُلَماءُ بأنَّ مَدَارَ الإسلام عليه، [أو هُوَ نِصفُ الإسلام] (٢)، أو ثُلُثُهُ، أو نحوُ ذلِكَ.
وألتَزمُ في هذه الأربعين أنْ تَكُونَ صَحِيحَةً، ومُعظَمُها في صحيحَيْ البُخَاريِّ ومُسلمٍ، وأذكُرُها محذُوفةَ الأَسانيدِ لِيَسْهلَ حِفْظُها ويَعُمَّ الانتِفاعُ بها إنْ شاءَ اللهُ تعالى".
ولَمَّا كانت الاستخارةُ مطلوبةً في جميع الأمور، قدَّمَها المُصَنِّف على تأليف "الأربعين" المذكورة، وحديث الاستخارة معروف ثابت في "الصحيح" (٣).
ويُروى: "مِنْ سَعَادَةِ ابن آدم: الرضا بالقَضَاءِ، واسْتِخَارَةُ الله تعالى في أُمُوره، ومن شَقاوَتهِ تَركُ ذلك" (٤).
_________________
(١) في الأصل: "وهو"! والمثبت من مقدّمة النووي لأربعينه (١٨).
(٢) سقط من الأصل، وأثبتهُ من مقدمة النووي لأربعينه (١٩).
(٣) رواه البخاري (٢/ ٥٦ رقم ١١٦٢، ٦٣٨٢، ٧٣٩٠) عن جابر بن عبد الله - ﵄ -.
(٤) رواه أحمد (٣/ ٥٤ رقم ١٤٤٤)، والترمذي (٤/ ٢٧ رقم ٢١٥١)، وأبو يعلى (٢/ ٦٠ رقم ٧٠١)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥١٨)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ٣٧٨ رقم ١٩٩) عن سعد بن أبي وقَّاص - ﵁ -. وهو حديث ضعيف، وقد ضعَّفه الألباني في "السلسلة الضعيفة" (٤/ ٣٧٧ رقم ١٩٠٦).
[ ٦٦ ]
ثمَّ ذَكَرَ المُصَنِّف مستندًا في جمعِها، وأنه ليسَ مُسْتَنَدُ ذلك الحديثُ السابق، وإن كانوا أجمعوا على العمل بالضعيف في فضائل الأعمال، وليسَ هو اختراع عبادَةٍ كما استُشْكِلَ، وإنما هوَ رجاءُ فَضْلِهِ بأَمَارةٍ ضَعيفةِ (١)، وقد وَرَدَ في بعضَ الأحاديث: "مَنْ بَلَغَهُ عني ثواب فعمِلَهُ كان له أجرهُ وإن لم أكن قُلتُهُ" أو كَمَا قال (٢).
وحديث: "لِيُبَلّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُم الغائب" أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" في خطبة حجة الوداع (٣)، ولهُ طُرقٌ كثيرة ذَكَرَها ابن منده في "مستخرجه" مِنْ حَدِيث: ابن عباس، وابن عمرو، وأبي بكرة، وعبادة، وعمار، ووابصة بن معبد، والحارث بن البَرصَاء، وأبي شريح العدوي، ومعاوية بن حيدة، والعدي بن خالد، والحارث بن عمرو، وجابر، وأبي سعيد، وأبي أُمامة، وعائشة، وأسماء بنت يزيد، وسَرَّاءَ بنتِ نَبهان (٤).
_________________
(١) انظر في مسألة العمل بالحديث الضعيف ومراد العلماء بذلك: "قاعدة جليلة" لشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- (١٦٢)، ومقدمة"صحيح الترغيب والترهيب" للإمام الألباني -﵀- (١/ ٤٧ - ٦٧). وما تقدم ص (٥٧).
(٢) رواه ابن حبان في "المجروحين" (١/ ٢٢٨)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٣/ ٤٠٢) من طريق بزيع -أبو الخليل-، عن محمد بن واسع وثابت، عن أنس بن مالك - ﵁ -. وهو حديث موضوع، آفته من بزيع بن حسان. قال ابن حبان: "يروي عن الثقات ما ليس من أحاديثهم، لا يجوز الاحتجاج به". وقال مثله الحافظ القيسراني في "تذكرة الحفاظ" (٣١٣ رقم ٧٨٥). وقال ابن الجوزي: "هذا حديث موضوع".
(٣) رواه البخاري (١/ ٣٢ رقم ١٠٤)، ومسلم (٢/ ٩٨٧ رقم ١٣٥٤) من حديث أبي شُرَيْح العَدَوِي - ﵁ -.
(٤) انظر: "حجة الوداع" لابن حزم (١٩٥ وما بعدها)، و"جزء فيه قول النبي - ﷺ -: نضَّر الله امرأ .. " لأبي عمرو المديني (ت: ٣٣٣ هـ).
[ ٦٧ ]