الحمدُ لله منزلِ الشرائعِ والأحكام، وجاعلِ سنَّةَ نبيِّه - ﷺ - مبينة للحلال والحرام، والهادي من اتَّبعَ رضوانَه سُبلَ السَّلام.
وأشهد أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريك له، شهادةَ تحقيقٍ على الدوام.
وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أرسلَه رحمةً للأنام، وعلى آله وصحبِه الكرام.
أمّا بعد:
فإنَّ الله - جلَّ وعلا - قد هيَّأ لهذه الأمَّةِ علماءَ ربَّانيين، حَفِظوا حديثَ نبيِّه محمَّدٍ - ﷺ - في دواوين ألَّفوها في السُّنن والأحكام، والحلال والحرام، وما جاء عنه - ﷺ - في فضائل الأعمال ونَفَائسِ الأحوال الداعيةِ إلى طُرق الخيرِ وسُبُل الرَّشاد، وما دعا إليه من مكارم الأخلاقِ ومحاسنِ الآداب.
وكان كتابُ "مصابيح السُّنَّة" للإمام محيي السنة، شيخِ الإِسلام البَغَويِّ أجمعَ كتابٍ صُنِّف في بابه، وأضبطَ لشواردِ الأحاديث وأَوابِدها (١).
وهو الكتابُ الذي عكف عليه المتعبِّدون، واشتغل بتدريسه الأئمةُ
_________________
(١) انظر: "مشكاة المصابيح" للتبريزي (١/ ٣).
[ مقدمة / ٥ ]
المعتبرون، وأقرَّ بفضله وتقديمه الفقهاءُ المحدثون، وقال بتمييزه الموافقون والمخالفون (١).
وهو كتابٌ مُبَاركٌ، وفيه عِلم جَمٌّ من سُنن رسول الله - ﷺ - (٢)، ناهزت أحاديثُه الخمسةَ آلاف حديث، أحسنَ الإمامُ في ترتيبها، وفاقَ ترتيبُه للكتب كثيرًا من كتب الحديث المصنَّفة، فإنَّه وضَعَ دلائلَ الأحكام على نَهجٍ يستحسنُه الفقيهُ، فوضع الترغيبَ والترهيب على ما يقتضيه العلم، ولو فكَّر أحدٌ في تغيير بابٍ عن موضعه لم يجدْ له موضعًا أنسبَ مما اقتضى رأيُه (٣).
وقد كثُرت عناية العلماءِ بهذا الكتاب الجليل، وتنوَّعت الشروحُ والتعليقاتُ والتخريجاتُ عليه، وكان من بين تلكَ الشروحِ:
- "شرح المصابيح" لعلَم الدين السَّخَاوي (ت ٦٤٣ هـ).
- "الميسَّر في شرح مصابيح السنة" لشهاب الدين فضل الله التوربشتي (ت ٦٦١ هـ).
- "المفاتيح في شرح المصابيح" للحسين بن محمود الزَّيداني المُظْهِري.
- "شرح المصابيح" لابن المَلَك الحنفي.
- "التجاريح في فوائد متعلقة بأحاديث المصابيح" للفيروزأَبادي (ت ٨١٧ هـ).
- "شرح المصابيح" لابن كمال باشا (ت ٩٤٠ هـ).
_________________
(١) انظر: "كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح" لصدر الدين المناوي (١/ ٥).
(٢) انظر: "الميسر في شرح المصابيح" للتوربشتي (١/ ٢٩).
(٣) كما قال محمَّد بن عتيق الغرناطي (ت ٦٤٦ هـ).
[ مقدمة / ٦ ]
وقد اختصر "المصابيح" غيرُ واحدٍ من الأئمة، كان من أبرزِها: "مشكاة المصابيح" للتَّبْرِيزي، والذي شرح الإمامُ الطَّيبيُّ في كتاب سماه: "الكاشف عن حقائق السُّنن"، وكذا شرحه العلامةُ ملا علي القارِيُّ في "مِرقاة المفاتيح".
كما قام بتخريج "المصابيح" الإمامُ صدرُ الدين المَناويُّ (ت ٨٠٣) في "كشف المناهج والتَّناقيح في تخريج أحاديث المصابيح"، ولخَّصه الحافظُ ابنُ حجر في "هداية الرواة إلى تخريج المصابيح والمشكاة".
إلى غيرِ ذلك من الشروحِ والتَّعاليق القيَّمة، ومِنْ هنا عُنينا بتلك المؤلَّفاتِ عنايةً خاصةً في مشروعنا "موسوعة شروح السنة النبوية" التي نسألُ اللهَ أن يكتبَ لها القَبول والتَّمامَ، وأن يوفِّقنا لإصدارها كما أرادها مؤلِّفوها أنْ تخرجَ لأهل الإِسلام، إنَّه وليُّ ذلك والقادر عليه.
وقد تناولنا في تحقيقنا جملةً من الشُّروح النفيسةِ التي لم تَرَ النورَ بعد، وألفينا فيها علومًا جَمَّةَ لا يستغني عنها مَنْ تَشَرَّب لِبانَ السنَّةِ النبوية، وحَرَصَ على أخذِها رِوايةً ودِرايةً.
وحسبُ المرءِ احتفاءً بجملة الشُّروح المحققَّةِ، والتي نُخرجها إلى عالم المطبوعات لأول مرة، أنَّها تأتي بعد نَشْرِ شَرحٍ واحدٍ يتيمٍ لهذا الكتابِ الجليل، وهو شرحُ الإمام التُّوْرِبِشْتي، فلله الحمدُ على مَنِّه وتوفيقه.
ومن تلكَ الشروحِ الحافلةِ، شرحُ الإمامِ مُظْهِرِ الدَّين الحُسين بن محمود الزَّيداني المُظْهِري، الذي نقومُ بإصدارِه لأوَّلِ مَرَّةٍ مُقابَلًا على أربعِ نُسَخٍ خَطَّية.
وقد اشتملَ هذا الشَّرحُ على غالبِ مادَّةِ "مصابيح السُّنَّة" للإمام البَغَوِي رحمه الله تعالى.
وقد عُني فيه - ﵀ - ببيانِ مُفْرداتِه، وحَلِّ إشكالاته، وإعرابِ
[ مقدمة / ٧ ]
ما استغلقَ مِنْ ألفاظِه، وجَمْعِ اختلافاته، وبَثَّ فقهَ الأئمَّةِ الأربعةِ في كثيرِ من أحاديثِهِ.
فأتى شَرْحًا مُفيدًا مُحَرَّرًا، ليسَ بالطَّويلِ المُمِلِّ، ولا بالقصيرِ المُخِلِّ، اعتمد في النقلِ عنه كثيرٌ من الشُّرَّاحِ المتأخِّرين؛ كالإمامِ الطَّيبيِّ في "شرح المِشْكاة" ورَمَزَ له بـ (مظ)، وكذا نقلَ عنه شُرَّاحُ "المصابيح"؛ كالإمام ابن المَلَك، وزَينِ العَرَب، ومُلَّا علي القَاريِّ، وأَكْثَرَ الكَرْمانيُّ في "شرح البخاري" وتَبِعَه البِرْمَاوِيُّ في "اللامع الصَّبيح بشرح الجامع الصحيح" في النقلِ عنه، ونقلَ عنه الحافظُ ابنُ حجرٍ والعَينيُّ والقَسْطَلاني وغيرُهم من شُرَّاح البُخاريِّ.
وقد امتازَ هذا الشرحُ ببساطة ألفاظِه، وسُهولة جُملِه وعِبَاراتِه، ووضوحِ ما المرادُ مِنْ أحاديثِه.
وقد وافتِ الإمامَ المُظْهِريَّ المنيةُ قبلَ تَمامِه، فوصلَ فيه إلى أُخريات كتاب "مصابيح السنة" عند (باب المَلاحم) من (كتاب الفتن) (١)، فأتمَّه أحدُ تلامذَتِهِ على نَسَقِ مَنْهَجِ المؤلَّفِ - ﵀ - في أسلوبِه ومَصَادِرِه، فظهرتْ هذه التَّتمَّةُ وكأنَّها مِنْ شَرْحِ الإمام المُظْهِريِّ رحمهما الله تعالى.
هذا وقد تمَّ التقديمُ للكتاب بترجمة الإمام البغوي، وترجمة الإمام المظهري - رحمهما الله تعالى - ثم تلاه تعريف بمنهج المؤلِّف في هذا الشرح.
وتمَّ تذييلُ الكتابِ بِفِهْرسِ أطرافِ الأحاديث النبوية الشريفة التي شرحها المؤِّلفُ، ثمَّ فِهرسٍ لعناوينِ الكُتب والأبواب.
اللهمَّ اجعلنا ممَّنْ يَسْتَنهج كتابَكَ وسنَّةَ نبيِّكَ محمَّدٍ - ﷺ -، واجعلْ نيَّتَنا
_________________
(١) عند شرح الحديث رقم (٤١٨٨)، وهو في مطبوعتنا (٥/ ٣٨٠).
[ مقدمة / ٨ ]
خالصةً لوجهكَ الكريمِ في نَشْرِ السنَّةِ المُطَهَّرة، يدومُ الأجرُ فيها بعد الممات، ونَبْلُغُ بها منزلةً مرضيَّةً عندك، إنَّكَ وليُّ ذلك والقادرُ عليه، ولا حولَ ولا قوة إلا بك.
وصلَّى الله على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آلهِ وأصحابِه أجمعين، والحمدُ لله ربِّ العالمين.
حَرَّرَهُ
نُورُ الدَّيْن طَالِب
ذو الحجة/ ١٤٣٢ هـ
° ° °
[ مقدمة / ٩ ]