بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أحمدُ الله مِلْءَ السماوات ومِلْءَ الأرض ومِلْءَ ما يشاء بعد هذه الأشياء، وأشكر له شكرًا يكون جميعُ المخلوقات حتَّى الهباء بالنسبة إليه كذرَّةٍ بالنسبة إلى كلِّ أجزاء الأرض والسماء، ثم ألتجِئُ من الاستحباءِ إلى حصن: لا أُحصي ثناءً عليك أنتَ كما أثنيت على نفسك، يا مَنْ آلاؤه عليَّ بلا إحصاء، وأكمل الصَّلاة وأدومها على رسوله محمد قدوة الأنبياء، ومتمَّم مكارم الأخلاق، ومُسدَّد الملة العوجاء، والتحية والرضوان على آله وأصحابه، وأزواجه وأولاده، ومَنِ اقتدى به إلى يوم الفصل والقضاء.
أمّا بعد:
فقد ألحَّ عليَّ زمرةُ خِلاني وثلة خُلَصائي أن أشرح لهم كتاب "المصابيح" تصنيف الإمامِ الهمامِ وليَّ الإنعام على أهل الإسلام، ركن الشريعة، مُحيي السنة، أبي محمد، الحسين بن مسعود الفرَّاء، جزاه الله عن الإسلام والمسلمين الخير وأرضاه، وجعل الجنة مأواه، وطلبوا أن لا يكون مطولًا مُمِلًّا، ولا مختصرًا مُخِلًا، فأجبتهم إلى ذلك، وأوردتُ في أول الكتاب مقدمةً في اصطلاحات أصحابِ الحديث، وأنواع علوم الحديث، وأوردتُ فيه كلَّ راوٍ لم يكن مذكورًا في متن "المصابيح"، وتركتُ ذكر من هو مذكورٌ فيه، وسمَّيته بكتاب:
[ ١ / ٣ ]
وأستوهبُ من ربي الكريم الوهاب أن يسدِّدَ لساني، ويهديني إلى سبيل الصواب، فإنَّه إن أعانني ربي يتيسَّرُ لي كلُّ مستصعبٍ عسير، وإلا فلا أقدرُ على ما يقدر عليه من الكلام طفلٌ صغير، ولا يأتي مني قليل ولا كثير، ولا نَقيرٌ ولا قِطْميرٌ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي الكبير، ولا حول عن معصيته إلا بعصمته، ولا قوةَ على طاعته إلا بإعانته.
أما المقدمة في معرفة أنواع علم الحديث: فأنواع علم الحديث عشرون نوعًا:
النوع الأول: اشتراط الإسناد، وهو شيءٌ عظيمُ القدرِ عند أصحاب الحديث، والإسناد من الدين.
قال عبد الله بن المبارك: لولا الإسنادُ لقال من شاءَ ما شاءَ.
ودخل الزهريُّ على إسحاق بن أبي فروة يومًا، فجعل إسحاق يقول: قال رسول الله ﵇ كذا، قال رسول الله ﵇ كذا، فقال الزهري: قاتلك الله يا ابن أبي فروةَ ما أجرأك على الله! ألا تسند حديثك؟! تحدثنا بأحاديث ليس لها خُطمٌ ولا أزمَّةٌ.
يعني: كل حديث ليس له إسناد كجملٍ ليس له زمامٌ وليس له مالك مُعيَّنٌ ضالٍ في البادية، وقد جاء الحديثُ بالنهي عن أخذ الجمل الضالِّ في البادية، فكذلك الحديث إذا لم يكن مرويًا عن رسول الله - ﵇ - بإسناد صحيح، أو لم يكن مكتوبًا في كتاب صنفه إمامٌ معتبر لم يجز قَبولُ ذلك الحديث، لأن النبي - ﵇ - قال: "اتقوا الحديثَ منِّي إلا ما علمتُم، فمَنْ كذبَ عليَّ متعمِّدًا، فليتبَّوأْ مقعدَهُ من النارِ".
[ ١ / ٤ ]
فقد قيَّد - ﵇ - رواية الحديث عنه بالعلم، وكلُّ حديث ليس له إسنادٌ، ولا هو منقولٌ في كتاب مصنفه معتبر، لا تُعلَم روايةُ ذلك الحديث عن رسول الله ﵇، وإذا لم تُعلَم روايتُهُ عن رسول الله ﵇، فلا يجوز قَبولُهُ.
وإذا ثبت اشتراطُ الإسناد فمعلومٌ أن كل حديث إسناده أعلى، فهو أقوى، وبالقَبولِ أحرى، وعلُّو الإسناد يكون بقلة العدد، فكلُّ حديثٍ بين راويه وبين رسول الله أقلُّ عددًا، فهو أعلى من حديثٍ بين روايه وبين الرسول أكثرُ عددًا.
وقد يكون بشهرة الراوي بعلم الحديث، وكلُّ حديث يُروى عن رجل مشهور بعلم الحديث، فهو أقوى من حديث يُروى عن رجل غير مشهور بعلم الحديث، وإن كان الرجلُ الذي ليس مشهورًا بعلم الحديث أقربَ إلى رسول الله - ﷺ - من الرجل الذي هو مشهورٌ بعلم الحديث.
وكذلك الحديثُ الذي يرويه رجلٌ عالمٌ بعلم الحديث أو غيره أعلى من الحديث الذي يرويه رجل ليس بعالم؛ زاهدًا كان، أو غيرَ زاهد.
فقد قال وكيعٌ لتلامذته: أيُّ الإسنادين أحبُّ إليكم: الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله، أو سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله؟ فقال: الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله، فقال: يا سبحان الله! الأعمشُ شيخٌ، وأبو وائل شيخ، وسفيان فقيه، وإبراهيم فقيه، وعلقمة فقيه، وحديثٌ يتداوله الفقهاء خيرٌ من أن يتداوله الشيوخ.
وكذلك كلُّ حديث يرويه اثنان أعلى من حديث يرويه واحد، وما يرويه ثلاثة أعلى مما يرويه اثنان.
وكذلك كلُّ حديث يرويه من عُرِف بقوة الحفظ والمواظبة على تتبع الحديث وقراءته وكتبته ومطالعته، أعلى من حديث يرويه من لم يكن بهذه الصفة؛ لأن النسيانَ والغلطَ على من لا يواظب على تتبُّع الحديث أكثرُ احتمالًا
[ ١ / ٥ ]
ممن يواظب على تتبُّعِ الحديث.
وكان أميرُ المؤمنين عليّ بن أبي طالب - ﵁ - إذا نسي شيئًا ممَّا سمعه من رسول الله - ﷺ -، ثم سمعه من رجل يحلَّفُ الرجلَ الذي سمع منه ما سمعه من رسول الله - ﷺ -، ثم نسيه، وإنما فعل هذا للاحتياط في صحة الأحاديث.
وكلُّ ذلك تصريحٌ منهم بأنه لا يجوز إلا قَبولُ ما صحَّ من الحديث، بل لا ينبغي لمن له ديانة أن يقول قولًا أَو يفعل فعلًا ليس له عليه حجةٌ.
وينبغي أن يبحث الرجلُ عن حال من يروي عنه أنه صاحبُ عقيدة مرضية في الشرع، وصاحب تقوى وصدق وديانة، فإن كان كذلك يروي عنه، وإلا فلا.
وكذلك يبحث عن سِنِّه هل يحتمل سنه روايةَ من يروي عنه، وسماع الحديث منه؟ فإن لم يحتمل، فلا يروي.
النوع الثاني: الحديث الموقوف وهو: ما يكون إسناده متصلًا إلى الصحابي، فلمَّا وصل إلى الصحابي لا يقول الراوي من الصحابي: إنه قال الصحابي: قال رسول الله - ﷺ - كذا، وسمعت من رسول الله - ﷺ - كذا، بل يقول الراوي: إن فلانًا الصحابي يقول كذا، أو يفعل كذا، أو يأمر بكذا، وما أشبه ذلك.
ومن الموقوف ما يقول الصحابي: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يفعلون كذا، ويقولون كذا، ويأمرون بكذا.
النوع الثالث: الحديث المرسل، وهو: ما يكون إسناده متصلًا إلى التابعي، فلما وصل إلى التابعي يقول التابعي: قال رسول الله - ﷺ - كذا، أو فعل رسول الله - ﷺ - كذا.
واختلف في أن الحديث المرسل هل هو محتج به أم لا؟
وأقوى المراسيلِ مراسيلُ سعيد بن المسيب؛ لأنه كان فقيهًا صاحب فتوى، وأبوه صحابي من أصحاب الشجرة، وقد أدرك سعيدٌ عمر، وعثمان،
[ ١ / ٦ ]
وعليًا، وطلحة، والزبير إلى آخر العشرة.
وقريبٌ من مراسيل سعيد مراسيل عطاء بن رباح، وسعيد بن هلال، ومكحول الدمشقي، وحسن بن أبي الحسن البصري، وإبراهيم النخعي.
ولم تكن المراسيلُ حجةً عند الشَّافعي إلَّا مراسيل سعيد بن المسيب ﵀.
النوع الرابع: المنقطع، وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: أن يروي أحدٌ عن شيخ لم يسمع منه، وهذا قبلَ أن يصل الإسناد إلى التابعي.
والثاني: أن يكون من الرواة رجلٌ مجهولٌ، مثل أن يقول أحد: حدثني رجل، عن فلان.
والثالث: أن يكون أحد الرواة مجهولًا من طريق، ومعروفًا من طريق آخر، مثاله: قال سفيان الثوري: حدثنا داود بن أبي هند قال: حدثنا شيخ، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يأتي على الناسِ زمنٌ يُخيَّرُ الرجلُ بين العجز والفجور، فمن أدركَ ذلك الزمانَ فليختر العجزَ على الفجور"، فمن هذا الطريق هذا الحديث منقطع؛ لأن الشيخ الذي يروي داود بن أبي هند عنه هذا الحديث مجهول.
وقال علي بن أبي عاصم عن داود بن أبي هند: نزلتُ جديلةَ قيس - وهي اسم قبيلة - فسمعت شيخًا أعمى يقال له: أبو عمرو، يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: "ليأتينَّ على الناسِ زمانٌ يخيَّرُ الرجلُ بين العجز والفجور، فمن أدرك ذلك الزمانَ فليختر العجزَ على الفجور".
فهذا النوعُ ليس بمنقطع على الحقيقة؛ لأنه قد عُرِف في هذا الطريق الشيخُ الذي كان مجهولًا في الطريق الأول، ومن وصلَ إليه الطريق الأول دون الثاني، فالحديثُ يكون منقطعًا عنده.
[ ١ / ٧ ]
النوع الخامس: المعضل، وهو: الحديث الذي يرويه أحدٌ من التابعين عن رسول الله - ﷺ -، أو عن الصحابي المشهور.
وربما يكون الحديث معضلًا ومسندًا، بأن يرويَ الراوي الذي هو من أتباع التابعين عن رسول الله - ﷺ - في وقت حديثًا، وهو يروي ذلك الحديث عن تابعي، ويروي التابعي ذلك الحديث عن صحابي، ويرويه الصحابي عن رسول الله ﵇، وربما يروي حديثًا أحدٌ من أتباع التابعين عن رسول الله - ﷺ -، فيكون معضلًا، ويروي ذلك الحديث رجلٌ آخر، ويكون إسناده متصلًا إلى رسول الله - ﷺ -، فإذا ظهر اتصال إسناد الحديث المعضل إلى رسول الله - ﷺ - من ذلك الراوي ومن راوٍ آخر، خرج ذلك الحديث عن كونه معضلًا، بل يكون متصلًا، فإذا قال أحد من أتباع التابعين: إن فلانًا التابعي يفعل كذا، أو يقول كذا، أو يأمر بكذا، يكون ذلك الفعل أو القول أو الأمر موقوفًا على ذلك الرجل الذي هو من أتباع التابعين.
النوع السادس: المدرج، وهو: الحديثُ وقعَ فيه لفظٌ من كلام الصحابي أو التابعي، يظنه السامعُ أنه من جملة الحديث.
وإنما يُعرَف تمييزُ كلام الصحابي أو التابعي من كلام النبي بأن يرويَ ذلك الحديث رجلٌ آخرُ عن ذلك الراوي، ويقول: قال لي فلان الذي أروي عنه الحديث: إن هذا الحديث من كلامي.
فأما إذا روى أحدٌ حديثًا، وروى آخرُ ذلك الحديث، ووُجِدَ لفظٌ في حديث أحدهما، ولم يوجد ذلك اللفظ في حديث آخر، فذلك اللفظ لا يُعرَف يقينًا: أنه مدرجٌ؛ لإمكان سقوط ذلك اللفظ من حفظ الراوي الذي ليس في حديثه ذلك اللفظ، وقد وقع اختلافٌ بين الأحاديث المروية عن رسول الله - ﷺ - في ألفاظٍ، فلا يقال: هذا مدرج، إلا بدليل واضح.
[ ١ / ٨ ]
النوع السابع: الغريب.
والثامن: العزيز.
والتاسع: المشهور.
وأما الغريب: فهو الحديث الذي يكون إسناده أيضًا متصلًا إلى رسول الله - ﷺ -، ولكن يرويه راوٍ واحد؛ إما من التابعين، أو من أتباع التابعين، أو من أتباع أتباع التابعين.
أما العزيز: فهو الحديث الذي يكون إسناده أيضًا متصلًا إلى رسول الله - ﷺ -، ولكن يرويه راويان، أو ثلاث.
والمشهور: كلُّ حديث يرويه جماعةٌ أكثرُ من ثلاثة.
والمستفيضُ بمعنى المشهور.
فمن المشهور نحو قوله: "طلبُ العلمِ فريضةٌ على كل مسلم"
وقوله ﵇: "نضَّر الله امرأ سمعَ مقالتي فوعاها".
ومنه: "الخوارجُ كلابُ النار".
ومنه: "لا نكاحَ إلا بوليٍّ".
ومنه: "إذا انتصفَ شعبانُ فلا صيامَ حتَّى رمضان".
ومنه: "أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ".
ومنه: "من سُئِلَ عن علمٍ علمه، فكتمه، أُلجِم بلجامٍ من النَّار".
ومنه: "من مسَّ ذكره، فليتوضأ".
ومنه: "من كان له إمام، فقراءةُ الإمام كقراءته".
ومنه: "الأذنانِ من الرأسِ".
[ ١ / ٩ ]
ومنه: "صلاةُ القاعدِ على النصف من صلاة القائم".
وقوله ﵇: "إنمَّا الأعمالُ بالنياتِ، ولكلِّ امرئ ما نوى".
وقوله ﵇: "إنَّ الله لا يقبضُ العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس".
وقوله: "من أتى الجمعةَ فليغتسلْ".
وقوله: "إن خلقَ أحدِكُم يُجمَعُ في بطن أمَّه أربعين يومًا".
وقوله ﵇: "أُمِرتُ أن أسجد على سبعةِ أعضاء".
وقوله: "كلُّ معروفٍ صدقة".
وقوله: "إنمَّا جُعِلَ الإمامُ ليُؤتَمَّ به".
وقوله: "تقتلُ عمَّارَ الفئةُ الباغية".
وقوله: كان رسول الله ﵇ يرفعُ اليدين في الصَّلاة عند الركوع، ورفع الرأسِ.
و: أمره بإفراد الإقامة.
وقوله ﵇: "المسلمُ من سَلِمَ المسلمون من لسانِهِ ويدِهِ".
وقوله: "لا تَقَاطعوا، ولا تَدَابروا".
والطِّوالات من الأحاديث مثل: حديث الإيمان، وحديث الزكاة، وحديث الحج، وحديث الإفك، وحديث التوبة، وحديث المعراج، وحديث الشفاعة، وحديث القبر، وحديث أُمِّ زَرْع.
النوع العاشر: السقيم والمريض، وهو: الحديث الذي طَعَنَ في صحته ثقةٌ أو أكثر، وهو ثلاثة أنواع: موضوع، ومقلوب، ومجهول.
فالموضوعُ: ما صحَّ عند أهل الحديث: أنه ليس بحديثٍ منقولٍ عن رسول الله ﵇، بل موضوعٌ وضعه أحدٌ.
[ ١ / ١٠ ]
والمقلوبُ: ما قلبه القلَاّبون؛ متنًا وإسنادًا، ومعنى المتن: اللفظ.
والمجهولُ: ما يكون مداره على مَن لا يُعرَف في رجال الحديث أصلًا.
أما المنكَرُ فالمراد به المقلوب والمجهول.
النوع الحادي عشر: المرفوع، وهو: الحديث المنقول عن رسول الله ﵇، وهو خلافُ الموقوف؛ فإن الموقوف منقول من الصحابي، كما تقدم ذكره.
النوع الثاني عشر: الضعيف، وهو: الحديثُ الذي فيه ضعف، وضعفُهُ يكون تارةً لضعفِ بعضِ الرواة من المردودين؛ من عدمِ العدالة، والروايةِ عمن لم يره، أو سوءِ الحفظ، أو تهمةٍ في العقيدة، أو عدمِ المعرفة بما يُحِّدث به، والإسناد إلى من لا يُعرَف.
وتارةً بعلل أُخَرَ مثل: الإرسال والانقطاع والتدليس.
والتدليس: أن يقول المحدث: قال فلان: سمعت من فلان، أو: أدرك فلان فلانًا، أو رأى فلان فلانًا؛ ليظن السامع أن المحدث سمع من فلان.
مثاله: قال أبو عوانة: حدثني الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر: أنَّ النبي - ﵇ - قال: "فلانٌ في النار".
قال أبو عوانة: قلت للأعمش: سمعت هذا من إبراهيم؟ فقال: لا، حدثني أبو حكيم بن جبير عنه. فظن أبو عوانة أن الأعمش يروي هذا الحديث عن إبراهيم التيمي، فلما سأله قال: لا أروي عن إبراهيم، بل عن حكيم بن جبير عن إبراهيم، وهذا تدليسٌ من الأعمش؛ ليظن أبو عوانة أنه سمع الحديث عن إبراهيم التيمي، هكذا أورده الحاكم النيسابوري في كتابه.
ومن جملة تلك الوجوه أيضًا: الاضطرابُ في الإسناد، وهو: أن يرويَ الحديث عن شيخ، ثم يرويه تارة أخرى عمن دونه أو فوقه، أو يرفع الحديث تارة ويوقفه أخرى.
[ ١ / ١١ ]
والتعَّويلُ بمعنى: التدليس، يقال: هذا الحديث مُعَوَّل؛ أي: مدلَّس فيه.
النوع الثالث عشر: قال الشافعي: ليس الشاذُّ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره، هذا ليس بشاذ، إنما الشاذُّ أن يرويَ الثقة حديثًا يخالفُ فيه الناسَ، هذا هو الشاذُّ من الحديث.
مثاله: عن سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: رأيت رسول الله - ﷺ - في صلاة الظهر يرفع يديه إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع.
هذا الحديثُ شاذٌّ؛ لأنه روى هذا الحديث جماعةٌ كثيرة لم يذكروا فيه صلاة الظهر.
النوع الرابع عشر: المسنَد، وهو: الحديث الذي إسناده متصلٌ إلى رسول الله - ﷺ -، وهو جنس يدخل فيه الغريب والعزيز والمشهور، وغير ذلك مما كان إسناده متصلًا إلى رسول الله - ﷺ -.
والمتصلُ مثلُ المسند.
والحديث المُعنعَنُ بمعنى: المسند، وقيل: المعنعن ما يكون بلفظ "عن" من المحدث إلى رسول الله ﵇، مثل أن يقول المحدث: حدثني فلان، عن فلان، عن فلان إلى رسول الله ﵇.
النوع الخامس عشر: المسلسل، وهو: الحديث الذي يكون من المحدث إلى رسول الله ﵇ متصلًا عن نسق واحد، مثل أن يقول المحدث: أخبرني فلان، قال: أخبرني فلان، كل شيخ يقول: أخبرني إلى الصحابي، أو يكون جميعها بلفظ: حدثني إلى الصحابي، أو يكون بلفظ: سمعت.
فإن فعلَ رسولُ الله - ﵇ - في وقتِ تحدُّثِهِ بالحديث فعلًا، ينبغي
[ ١ / ١٢ ]
أن يفعل الصحابي ذلك الفعل إذا تحدَّثَ بذلك الحديث، وكذلك يفعل كلُّ شيخ ذلك الفعل، إلى آخر راوٍ لذلك الحديث.
مثاله: قال الحاكم: حدثني الزبير، عن عبد الواحد، قال: حدثني أبو الحسن يوسف بن عبد الأحد القِمَنِيُّ الشافعي بمصر، قال: حدثني سُليم بن شعيب الكسائي، قال: حدثني سعيدٌ الإمام، قال: حدثني شهاب بن خراش الحوشبي قال: سمعت يزيد الرقاشي يحدث عن أنسِ بن مالكٍ قال: قال رسول الله ﵇: "لا يجدُ حلاوةَ الإيمانِ حتى يؤمنَ بالقدر خيرِهِ وشرِّه، وحلوِهِ ومرِّهِ".
قال: وقبض رسول الله ﵇ على لحيته، فقال: "آمنتُ بالقدرِ خيرِهِ وشرِّهِ، وحلوِهِ ومرِّهِ".
قال: وقبض أنس على لحيته، فقال: آمنت بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره.
وأخذ يزيد بلحيته، فقال: آمنت بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره.
وأخذ شهاب بلحيته، فقال: آمنت بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره.
قال: وأخذ سعيد بلحيته، فقال: آمنت بالقدر خيره شره، وحلوه ومره.
قال: وأخذ سليمان بلحيته، فقال: آمنت بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره.
قال: وأخذ يوسف بلحيته، فقال: آمنت بالقدر خيره وشره، وحلوه ومره.
وأخذ شيخنا الزبير بلحيته، فقال: آمنت بالقدر خيره وشره وحلوه ومره.
ومن هذا ذكرُ أنواعِ مصطلحات أصحاب الحديث المتداولة بينهم، ومن اصطلاحات المتأخرين بالأحاديث: الصِّحاح والحِسَان؛ يعنون بالصحاح: ما أخرجه الشيخان إماما أهلِ هذه الصنعة؛ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجُعْفي البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجَّاج القُشيري في كتابيهما، أو
[ ١ / ١٣ ]
أحدهما، وشرطهما: أن يرويا الحديث عن الصحابي المشهور بشرط أن يكون لذلك الحديث راويان من التابعين، وعلى هذا لا يجوز أن ينقص عن الراويين إلى أن يصل إلى المحدثين، كلهم ينبغي أن يكونوا ثقاتًا مشهورين.
ويعنون بالحسان: ما أخرجه أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي، وأبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، وأبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي (١) السمرقندي، وأبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني ﵏.
وأحاديثُ الحسان كلها منقولةٌ عن الرواة العدول إلا أنه ما رُوِعي فيها الشرطُ المرعي في الصحاح، بل جَوَز أصحاب الحسان بأن يكون للصحابي راوٍ واحد من التابعين، وللتابعي كذلك راوٍ واحد، فكذلك إلى آخرهم.
وهذه المصنفاتُ السبعة - أعني: الصحاح، والحسان - معتبرةٌ مشهورة، إلا أن الصحاح أشد اعتبارًا واعتمادًا عليها، ولا يجوز لقائل أن يقول: كل حديث وجدناه في هذه الكتب السبعة قبلناه، وما لم نجد فيها لم نقبله؛ لأن الأحاديث الصحاح المعتبرة غير منحصرة في هذه الكتب السبعة، قد صُنِّفت كتبٌ كثيرة معتبرة معتمدٌ عليها غير هذه السبعة، وطريق قبَولِ الحديث: أن ينظر إلى ناقله، فإن كان ناقله معتبرًا وإسناده متصلًا إلى رسول الله ﵇، فهو مقبول.
النوع السادس عشر: المختصر، وهو: الحديثُ الذي رُوِي بعضه، وتُرِك بعضه.
النوع السابع عشر: المقتصي، ومثله المتقصي، ومثله المستقصي، وهو: الحديث الذي رُوِي جميعه من غير أن يُترَكَ منه شيءٌ.
_________________
(١) في "ت" و"ش": "عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن الدارمي"، والصواب ما أثبت.
[ ١ / ١٤ ]
النوع الثامن عشر والتاسع عشر: الناسخ والمنسوخ، وهما الحديثان المتناقضان؛ أحدهما متأخِّرٌ عن الآخر، فالمتأخر ناسخ، والمتقدم منسوخ، والنسخُ: إبطال الحكم المتقدم.
النوع العشرون: في اصطلاحاتهم في الإجازة، وهو أنواع:
أحدها: أن يسمع من لفظ المحدث يحدثه، وليس مع المستمع أحدٌ فيقول المستمع: حدثني فلان، فإن كان مع المستمع أحد يقول: حدثنا فلان.
الثاني: أن يقرأ على المحدث بنفسه فيقول: أخبرني فلان، وإن قُرِئ عليه وهو حاضر فيقول: أخبرنا فلان.
وقد اختُلِفَ في أن القراءة على المحدث هل هو إخبار أم إنباء؟ فالجمهورُ على أنه إخبار.
النوع الثالث: أن يعرضَ المستفيد كتابًا أو جزءًا على المحدث، وينظرَ فيه المحدث، ويروي المحدث أنه سماعه أو قراءته أو تصنيفه، فيقول المحدث للمستفيد: أجزت لك أن تروي عني ما في الكتاب، فإذا روى المستفيد ذلك الكتاب يقول: أنبأني فلان بهذا.
واختُلِفَ في هذا النوع أنه إجازة، أم ليس بإجازة حتى يسمعَ من المحدث، أو يقرأ على المحدث؟ فمذهبُ مالك وسفيان بن عيينة وجمع كثير: أنه إجازة، وعند بعض: ليس بإجازة، والمختار في عصرنا: أنه إجازة.
النوع الرابع: أن لا يقول المحدث مشافهة للمستفيد: اروِ عني هذا الكتاب، بل يكتب إليه من مدينة إلى مدينة: أني أجزتُ لفلان يروي عني الكتاب الفلاني، أو يكتب إليه: يا فلان! إروِ عني الكتاب الفلاني، فهذا أيضًا إجازة، ويقول المكتوب إليه إذا روى ذلك الكتاب: كتب إلي فلان وأجازني أن أروي عنه هذا الكتاب.
[ ١ / ١٥ ]
النوع الخامس: أن يقول المحدث للمستفيد مشافهة: أجرت لك أن تروي عني الكتاب الفلاني، من غير أن يرفعَ ذلك الكتاب بيده إليه، فهذا أضعفُ من النوع الثالث، وأقوى من النوع الرابع.
ويقال للنوع الأول: السماع، وللنوع الثاني: الإخبار، وللنوع الثالث: العرض والمناولة، وللرابع: الكتابة، وللخامس: الإجازة.
ويقول المستفيد في النوع الخامس: أجازني فلان، ولو قال: أنبأني، جاز.
وأقوى هذه الأنواع الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم الرابع، وقد جوَّز بعض المتأخرين أن يقول المحدث: أجرت لمن أدرك حياتي أن يرويَ عني كلَّ ما صحَّ عنده روايتي عن شيوخي.
هذا ذكر اصطلاحات أصحاب الحديث ﵏.
° ° °
[ ١ / ١٦ ]