(باب المسح على الخفين)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٥٧ - سُئِلَ عليُّ بن أبي طالب - ﵁ - عَن المَسْحِ على الخُفَّيْنِ، فقال:
[ ١ / ٤٤٢ ]
جَعلَ رسولُ الله - ﷺ - ثلاثةَ أيَّامٍ ولَيالِيَهُنَّ للمُسافِر، ويومًا وليلةً للمُقيمِ.
قوله: "سئل علي (١) " إلى آخره، معناه ظاهر.
* * *
٣٥٨ - عن المُغيرة بن شُعبة - ﵁ -: أنَّه غَزا معَ رسولِ الله - ﷺ - غَزْوَةَ تبوكَ، قال المُغيرةُ: فتبرَّزَ رسولُ الله - ﷺ - قِبَلَ الغائطِ، فحمَلْتُ معهُ إداوةً، فلمَّا رَجَعَ أخذتُ أُهريقُ على يَدَيْهِ مِنَ الإداوةِ، فغسلَ يَدَيْهِ ووجْهَهُ، وعليهِ جُبَّةٌ مِنْ صوفٍ، ذهبَ يَحْسِرُ عَنْ ذِراعَيْهِ، فضاقَ كُمُّ الجُبَّةِ، فأخرجَ يَدَيْهِ مِنْ تحتِ الجُبَّةِ، وألقى الجُبَّةَ على مَنْكِبَيْهِ، وغسلَ ذِراعَيْهِ، ثم مسحَ بناصِيَتِهِ وعلَى العِمامةِ، ثم أَهوَيْتُ لأنزِعَ خُفَّيْهِ فقال: "دَعْهُمَا، فإنِّي أدْخَلْتُهُما طاهِرَتَيْنِ"، فمسحَ عليهِما، ثمَّ ركِبَ ورَكِبْتُ، فانتهَيْنَا إلى القَوْمِ وقدْ قامُوا إلى الصَّلاةِ يُصلِّي بهم عبدُ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ - ﵁ - وقدْ ركعَ بهم ركعةً، فلمَّا أحسرَّ بالنَّبيِّ - ﷺ - ذهبَ يتأخَّرُ، فأَوْمأَ إليهِ، فأدركَ النَّبيُّ - ﷺ - إحدى الرَّكعتَيْنِ معهُ، فلمَّا سلَّمَ قامَ النَّبيُّ - ﷺ - وقُمْتُ، فَرَكَعْنا الرَّكْعَةَ التي سَبَقَتْنا.
قوله: "تبرَّز"؛ أي: خرج "قِبَل الغائط" - بكسر القاف وبفتح الباء - أي: جانبَ وناحيةَ، يقضي فيه حاجته.
"إداوة"؛ أي: مطهرة فيها الماء؛ ليتوضأ منها.
قوله: "قبل الفجر"؛ أي: وكان خروجه لقضاء الحاجة قبل الفجر.
وهذا دليلٌ على أن تحصيل أسباب الصلاة من الوضوء وغيره يستحبُّ قبل دخول الصلاة.
_________________
(١) في جميع النسخ: "عن علي".
[ ١ / ٤٤٣ ]
"فلما رجع"؛ أي: فلما رجع من قضاء الحاجة "أخذت"؛ أي: طفِقْتُ أُهريق؛ أي: أصبُّ على يديه.
وهذا دليلٌ على أن صبَّ الماء على يد المتوضَّئ ليتوضَّأ جائز.
"فغسل يديه"؛ أي: كفيه.
قوله: "وعليه جبة من صوف" وهذا دليلٌ على أن لبس الصوف سنةٌ.
"ذهب"؛ أي: طفق "يحسر عن ذراعيه"؛ أي: يُبعد كمَّيه عن ذراعيه، "فضاق كمُّ الجبة" بحيث لا يقدر أن يخرج يده إلى المرافق عن كم الجبة من غايةِ ضيقِ الكم.
وهذا دليلٌ على أن الكمَّ الضيِّقَ سنة.
"أهويت"؛ أي: قصدتُ.
قوله: "دعهما"؛ أي: اتركهما ولا تنزعهما عن رجليَّ "فإني أدخلْتُهما طاهرتين"؛ يعني: لبستهما في حالةِ كونِ قدميَّ طاهرتين، يعني: كنت على وضوءٍ كامل حين لبستهما، فيجوز المسحُ عليهما.
وهذا دليلٌ على أن المسح على الخفين إنما يجوز إذا لبس الخفين على وضوء كامل.
"فانتهينا"؛ أي: وصلنا.
"يصلِّي بهم"؛ أي: كان عبد الرحمن بن عوف إمامَهم، وقد جاء في رواية أخرى: أن رسول الله - ﵇ - قال لهم بعد الفراغ من الصلاة: "أحسنتم، صلُّوا الصلاة لوقتها"؛ يعني: إذا دخل وقت الصلاة صلُّوا الصلاة لوقتها، ولا تؤخِّروا الصلاة لانتظار الإمام، وتركُ انتظار الإمام إنما يستحبُّ إذا علموا أن الإمام يجيء بعد مضي زمان كثير، ولم يعلموا متى يجيء الإمام، أما
[ ١ / ٤٤٤ ]
إذا علموا مجيء الإمام في زمانٍ يسيرٍ يستحبُّ انتظاره، وإن كان موضع الإمام قريبًا من المسجد يستحبُّ إعلامه وقتَ الصلاة.
قوله: "وقد ركع بهم ركعة"؛ أي: وقد صلَّى بهم ركعةً " [فلما] أحس بالنبي ﵇"؛ أي: علم عبد الرحمن مجيء النبي ﵇ "ذهب يتأخر"؛ أي: عزم على أن يتأخر عن موضعه؛ ليتقدم النبي ﵇.
"فأومأ"؛ أي: أشار إليه النبي - ﵇ - أن يكون على حاله، "فأدرك النبي - ﵇ - إحدى الركعتين معه"، يعني: اقتدى النبي - ﵇ - بعبد الرحمن في ركعتهم الباقية، وهذا دليل على أن اقتداء الأفضل بمن دونه جائز إذا علم الإمام أركان الصلاة.
"فركعنا"؛ أي: صلينا.
"سبقَتْنا"؛ أي: فاتت عنَّا مع الإمام.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٥٩ - قال أبو بَكْرة - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ -: أنَّهُ رخَّص للمُسافرِ ثلاثةَ أيَّامٍ وليالِيَهُنَّ، وللمُقيمِ يومًا وليلةً، إذا تطهَّرَ فلبِسَ خُفَّيْهِ أنْ يمسحَ عليهِما.
(مِنَ الحِسَان):
قوله: "أرخص"؛ أي: جوَّز.
"فلبس خفَّيه" الفاء للتعقيب، يعني: ليكن وضوؤه متقدمًا على لبس الخف، فلو لبس الخفَّ على الحدث ثم توضأ لا يجوز المسح على الخف.
"أبو بكرة": ثقفي، واسمه: نفيع بن الحارث بن كَلَدَة بن عمرو بن علاج.
* * *
[ ١ / ٤٤٥ ]
٣٦٠ - وقال صَفوان بن عسَّال - ﵁ -: كانَ رسولُ الله - ﷺ - يأْمُرُنا إذا كُنَّا سَفْرًا أنْ لا نَنْزِعَ خِفافَنا ثلاثةَ أيَّامٍ ولَيالِيَهُنَّ إلَاّ مِنْ جنابةٍ، ولكنْ مِنْ غائطٍ وبَوْلٍ ونَوْمٍ.
قوله: "إذا كنَّا سفرًا"، (السَّفْر) بسكون الفاء؛ بمعنى المسافرين.
"أن لا ننزع خفافنا"؛ أي: أن نمسح على خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، و(الخفاف): جمع خُفٍّ.
"إلا من جنابة"؛ يعني: لا ننزع خفافنا إلا عند غُسلِ الجنابة؛ فإنه لا يجوز للمغتسل أن يمسح على الخف، بل يجب عليه نزعُ الخف وغسلُ الرجلين كسائر الأعضاء.
قوله: "ولكن من غائطٍ وبول ونوم"؛ يعني: ننزع خفافنا عند غسل الجنابة، ولكن لا ننزعها عند البول والغائط والنوم، بل نتوضأ ونمسح على الخف.
فإن قيل: لم لا يجوز المسح على الخف للمغتسل ويجوز للمتوضيء؟.
قلنا: لأن الجنابة لا يكثر وقوعها، فلا يكون في نزع الخف عند غسل الجنابة مشقةٌ، وأما الحدث يكثر وقوعه، فيكون في نزع الخف مشقةٌ، فالمسحُ على الخف رخصةٌ، وورودُ الرخصة إنما يكون لرفع المشقة.
* * *
٣٦١ - عن المُغيرة بن شُعبة - ﵁ - أنه قال: وضَّأْتُ النَّبيَّ - ﷺ - في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فمسحَ أعلى الخُفِّ وأسفلَه.
قال الشيخ الإِمام - ﵁ -: هذا مرسلٌ لا يثبت، ورُوي متصلًا:
[ ١ / ٤٤٦ ]
٣٦٢ - عن المُغيرة - ﵁ - قال: رأيتُ النَّبيَّ - ﷺ - يمسحُ على الخُفَّيْنِ على ظاهرهِما.
قوله: "وضأت" بتشديد الضاد؛ أي: صببتُ ماء الوضوء على يدي رسول الله ﵇.
قول الشيخ: "هذا مرسلٌ لا يثبت" بعد قوله: "عن المغيرة" غير مستقيم؛ لأن المرسل هو الحديث الذي يرويه التابعي عن رسول الله ﵇، ولم يذكر الصحابي، وها هنا ذكر المغيرة وهو صحابي، وهو راوي هذا الحديث، فكيف يكون مرسلًا؟.
وأصل هذا الحديث: أن رجاء بن حَيْوَةَ روى عن ورَّادٍ كاتبِ المغيرة ومولاه: أن رسول الله - ﵇ - مسح أعلى الخفِّ وأسفلَه.
فالحديث على هذا الطريق مرسل؛ لأن ورَّادًا روى هذا الحديث عن رسول الله ﵇، وترك ذكر المغيرة، وورَّادٌ تابعي.
فإذا عرفتَ هذا؛ فاعلم أن السنَّة عند الشافعي ومالك: أن يمسح أعلى الخفِّ وأسفله، وعند أبي حنيفة: أن يمسح أعلى الخف دون أسفله.
* * *
٣٦٣ - وعن المُغيرة - ﵁ - قال: توضَّأَ النَّبيُّ - ﷺ - ومسحَ على الجَوْرَبَيْنِ والنَّعْلَيْنِ.
قوله: "ومسح على الجوربين والنعلين" قال الخطابي: معنى قوله: (مسح على الجوربين والنعلين) أن النعلين لبسهما فوق الجوربين.
وقد جوَّز المسح على الجوربين: سفيان الثوري وأحمد بن حنبل.
وعند أبي يوسف ومحمد بن الحسن: يجوز المسح على الجوربين إذا كانا
[ ١ / ٤٤٧ ]
ثخينين لا يصل الماء منهما إلى الرِّجلين.
* * *