(باب القراءة في الصلاة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٥٧٧ - قال رسول الله - ﷺ -: "لا صلاةَ لمْن لمْ يقرأْ بفاتِحَةِ الكِتابِ".
ويروى: "لِمَنْ لمْ يقرأْ بأُمَّ القُرآنِ فصاعِدًا".
قوله: "فصاعدًا"؛ يعني: أو أكثر؛ يعني: قراءةُ الفاتحة واجبةٌ، وقراءةُ شيء من القرآن بعد الفاتحة سنةٌ.
(الصعود): الارتقاء من سفل إلى علو، و(الصاعد): اسم فاعل منه، ومعنى الصاعد ها هنا: الزائد، (فصاعدًا) منصوب على الحال، وهذا اللفظ لا يتغير سواء كان حالًا من مذكر أو مؤنث، وتقرير كون (صاعدًا) حالًا أن يقال: تقديره: لا صلاةَ لمن لم يقرأ بأمِّ القرآن فقط، أو بأم القرآن في حال كون قراءتِهِ صاعدًا - أي: زائدًا - على أم القرآن.
* * *
[ ٢ / ١٢٥ ]
٥٧٨ - وعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: "مَنْ صلَّى صلاةً لم يَقْرأْ فيها بأُمِّ القُرآنِ فهيَ خِداجٌ ثلاثًا، غيرُ تمامٍ"، وقيل لأبي هريرة - ﵁ -: إنَّا نكونُ وراءَ الإِمام؟، قال: اقْرَأ، بها في نَفسِكَ، فإنِّي سمعتُ النبيَّ - ﷺ - يقولُ: "قال الله - ﷿ -: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْني وبينَ عَبْدي نِصْفَيْنِ، ولِعَبْدِي ما سألَ، وإذا قالَ العبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حَمَدني عَبْدي، وإذا قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قالَ الله: أَثنَى عليَّ عَبْدي، وإذا قالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: الله تعالى مَجَّدَنِي عَبْدي، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بَيْني وبَيْنَ عَبْدي، ولِعَبْدِي ما سألَ، وإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: هذا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي ما سَألَ".
قوله: "فهي خداج"، (الخداج) مصدر خدَجت الناقة تخدِج - بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر -: إذا أسقطت ولدها قبل أوانِ النِّتاج، وإن كان تامَّ الخِلقةِ، و(الخديج): الولد الذي صورتُهُ وخلقتُهُ تامةٌ ومدتُهُ ناقصةٌ، و(أخدجت الناقة): إذا أسقطت ولدها ناقصَ الخِلقةِ تامَّ المدة، و(المخدَج) بفتح الدال: ذلك الولد، و(الخداج) هنا مصدر أُقيم مقامَ اسم الفاعل، بمعنى: الناقص.
"في نفسك"؛ أي: بحيث تسمع أذنك، ولا تجهر صوتك بحيث تشوِّشُ على من يقربك، ومن لم تسمع أذنُهُ قراءةَ نفسِهِ، لم تصحَّ قراءته إلا إذا كان أصمَّ.
"قسمتُ الصلاةَ"، معنى الصلاة هنا: الفاتحة، سُمِّيت الفاتحة صلاةً؛ لما في الصلاة من القراءة.
قوله: "بيني وبين عبدي نصفين"، أراد بنصفين: من جهة المعنى، لا من جهة اللفظ؛ لأن لفظ الحمد والثناء ينتهي بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، ومن قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إلى آخر السورة دعاءٌ، ولا شكَّ أن نصف الدعاء أكثر.
[ ٢ / ١٢٦ ]
ومعناه: نصف هذه السورة حمدٌ وثناءٌ لي، ونصفُها دعاءٌ للعبد، ومعنى النصف: البعضُ هنا؛ يعني: بعضها لي وبعضها له.
"مجَّدَني"؛ أي: ذكرني بالعظمة، ومصدره: التمجيد.
﴿نَسْتَعِينُ﴾؛ أي: نطلب العون على الأمور منك.
﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؛ يعني به: كلَّ فعل وقول ونية تَرضاهُ.
﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾؛ يعني بهم: الأنبياء والأولياء.
﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾؛ يعني بهم: اليهود.
﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ أي: وغير الضالين؛ يعني بهم: النصارى.
يعني بقوله: ﴿اهْدِنَا﴾: ثبتنا؛ يعني: وثبتنا على طريق أنبيائك وأوليائك وسيرتهم دون اليهود والنصارى، بل أبعِدْنا عن أفعالهم وأقوالهم.
* * *
٥٧٩ - وعن أنس: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - وأبا بكرٍ وعمرَ - ﵄ - كانوا يفتَتِحُونَ الصَّلاةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
"يفتتحون"؛ يعني: يبتدؤون بفاتحة الكتاب، لا بسورةٍ أخرى.
وقال بعض العلماء: معناه: أنهم يُسِرُّون بـ: (بسم الله الرحمن الرحيم)، كما يُسَّرون بالتعوذ، ثم يجهرون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾.
* * *
٥٨٠ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا أَمَّنَ الإمامُ فَأَمَّنُوا، فإنَّه مَنْ وافَقَ تأمينُهُ تأمينَ الملائكةِ غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِن ذنبه".
[ ٢ / ١٢٧ ]
وفي روايةٍ: "إذا أَمَّنَ القارِئُ فأَمَّنُوا، فإنَّ الملائكةَ تؤمِّنُ، فمنْ وافَقَ تأمينُهُ تأمينَ الملائكة غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِن ذَنْبهِ".
وفي روايةٍ: "إذا قالَ الإمامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، فإنَّ الملائكةَ تقولُ: آمين، وإنَّ الإمامَ يقولُ: آمين، فمَنْ وافَقَ تأمينُهُ تأمِينَ الملائكةِ غُفِرَ لَهُ ما تقدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ".
قوله: "مَنْ وافق تأمينه"، (التأمين): أن يقول الرجلُ: آمين، ومعناه: اللهمَّ استجبْ؛ يعني: إذا أمَّنَ الإمامُ بعد قراءة الفاتحة تؤمَّنُ الملائكة فمن أمَّن من المأمومين في الوقت الذي تؤمَّن فيه الملائكةُ، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر.
* * *
٥٨١ - وعن أبي مُوسَى الأَشْعَري، عن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا صلَّيْتُمْ فأقِيمُوا صفوفَكُمْ، ثمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أحدُكُمْ، فإذا كَبَّرَ فكبرُوا، وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقُولُوا: آمين يُجبْكُمُ الله، فإذا كَبَّرَ وركعَ فكبرُوا وارْكَعُوا، وإذا قال: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَه فقولُوا: اللهمَّ رَبنا لَكَ الحَمْدُ، يسمَعِ الله لَكُمْ".
وفي روايةٍ: "وإذا قرأَ فأنْصِتُوا".
قوله: "فأقيموا"؛ أي: سَوُّوا.
"إذا كبَّر فكبروا"؛ يعني: موافقةُ الإِمام واجبةٌ.
قوله: "وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد" بدلٌ، يعني: يقول الإمامُ في الرفع من الركوع: سمع الله لمن حمده، ويقول
[ ٢ / ١٢٨ ]
المأموم: ربنا لك الحمد، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وأحمد، وقال الشافعي: يقول الإِمام والمأموم: سمعَ الله لمن حمده، ربنا لك الحمد؛ لِمَا روى ابن عمر - ﵄ -: أن رسول الله - ﵇ - كان إذا رفع رأسهُ قال: "سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد" هذا في الإِمام، ولم يَجِئْ في الحديث: أنَّ المأمومَ يقول: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، ولكن قد جاء في الحديث: "إنما جُعِلَ الإِمام ليؤتمَّ به"، وإنما يكون المأمومُ مؤتمًا بالإمام إذا قال ما يقولُ الإِمام.
قوله: "يسمعِ الله لكم": بكسر العين، وكان (يسمع) مجزومًا لجواب الأمر، فحُرِّك بالكسر؛ لسكون العين ولام التعريف.
قوله: "فإذا قرأ فأَنْصِتوا"، (أنصتوا)؛ أي: اسكتوا ولا تقرؤوا حتى يفرغَ الإمامُ من القراءة.
قال أبو حنيفة: لا تجب قراءة الفاتحة وغيرها على المأموم، بل يسكت المأموم.
وقال الشافعي: تجب عليه قراءة الفاتحة؛ لقوله ﵇: "لا صلاةَ لمن لم يقرأْ بأمِّ القرآن".
* * *
٥٨٢ - عن أبي قَتادة: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كانَ يقرأُ في الظُّهْرِ في الأُولَيَيْنِ بأُمِّ الكِتابِ وسُورتَيْنِ، وفي الرَّكعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بأُمِّ الكِتابِ، ويُسْمِعُنا الآيةَ أحيانًا، ويُطيلُ في الرَّكعةِ الأُولى ما لا يُطيلُ في الرَّكعةِ الثانية، وهكذا في العَصْرِ، وهكذا في الصُّبْحِ.
قوله: "ويُسمِعُنا الآيةَ أحيانًا"؛ يعني: يقرأ في صلاة الظهر سِرًا، وربما يرفعُ صوته ببعض كلمات الفاتحة أو السورة بحيث نسمعُ حتى نعلمَ ما يقرأ من السورة.
* * *
[ ٢ / ١٢٩ ]
٥٨٣ - قال أبو سعيدٍ الخُدري: كنَّا نَحزرُ قِيامَ رسولِ الله - ﷺ - في الظُّهْرِ والعَصْرِ، فَحَزَرْنا قِيامَهُ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُوْلَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ قَدْرَ قِراءةِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَة - وفي روايةٍ: في كُلِّ ركعةٍ قَدْرَ ثلاثينَ آيةً - وفي الأُخْرَيَيْنِ قدر النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وفي الرَّكْعَتَيْنِ الأُوْلَيَيْنِ مِنَ العَصْرِ على قَدْرِ قِيامِهِ في الأخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وفي الأُخْرَيَيْنِ مِنَ العَصْرِ على النِّصْفِ مِنْ ذلك.
قوله: "نحزِرُ"؛ أي: نقدِّرُ، (الحَزْر): التقدير.
* * *
٥٨٥ - وقال جُبَيْر بن مُطْعِمْ: سمعتُ النَّبيَّ - ﷺ - يقرَأُ في المغرِب بالطُّور.
قوله: "قرأ في المغرب بالطُّور"، وهذا الحديث وما أشبه ذلك يدلُّ على أنَّ وقت المغرب باقي إلى قريب من غروب الشفق؛ لأن رسول الله - ﵇ - كان يقرأُ على التأنِّي من غير عجلة، وسورة الطور إذا قُرِئت على التأني يقربُ الفراغُ منها من غروب الشفق.
* * *
٥٨٦ - وقالت أم الفَضْل بنت الحارِث: سمعتُ النَّبيَّ - ﷺ - يقرأُ في المغربِ بـ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾.
قوله: "يقرأ في المغرب بـ (المرسلات عرفًا) " معناه ظاهرٌ.
"أم الفضل": أخت ميمونةَ زوجةِ النبي ﵇، وقد ذُكِرت.
* * *
[ ٢ / ١٣٠ ]
٥٨٧ - وقال جابر: كانَ مُعاذُ بن جَبَلٍ يُصلَّي مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - ثمَّ يأتِي قَوْمَهُ فيُصَلِّي بهِمْ الصلاةَ، فصلَّى ليلةً مَعَ النَّبيِّ - ﷺ - العِشَاءَ ثمَّ أَتى قَوْمَهُ فأمَّهُمْ فافتَتَحَ سُورةَ البَقرةِ، فانْحَرَفَ رجلٌ فسلَّمَ ثمَّ صلَّى وحدَهُ وانصرفَ، فبلغَ ذلكَ مُعاذًا فقال: إنه مُنافِقٌ، فبلغَ ذلكَ الرجُلَ، فأتَى النَّبيَّ - ﷺ - فقال: يَا رسولَ الله!، إنَّا قَوْمٌ نعملُ بأَيْدينا ونَسْقي بنواضحِنا، وإنَّ مُعاذًا صلَّى بنا البارحةَ فقرأَ البقرةَ فتجوَّزْتُ، فزعم أنِّي مُنافِقٌ، فقالَ النبيُّ - ﷺ -: "يَا معاذُ!، أفَتَّانٌ أَنْتَ؟ - ثلاثًا - اقرأ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ونحوهما".
قوله: "فانحرفَ رجلٌ، فسلَّم (١)، ثم صلَّى وحدَهُ"، (انحرف)؛ أي: انصرف؛ يعني: ترك رجلٌ من القوم صلاتَهُ مع معاذ، وفارقَ متابعته، وسلَّم من الصلاة قبل تمامها، ثم استأنفَ الصلاةَ، وصلى منفردًا، وإنَّما سلَّم واستأنفَ الصلاة؛ لأنه لم يعلم أنه لو فارقَ الإمامَ بالنية، وأتمَّ صلاته من غير استئنافٍ، لجازت صلاته.
قوله: (وانصرف)؛ يعني: خرج من المسجد.
قوله: "فبلغ ذلك الرجل"؛ يعني: فبلغ ذلك الرجل: أن معاذًا قال في حقه: إنه منافق (٢).
_________________
(١) جاء على هامش "ش": "قوله: فسلم، يحتمل أن تكون معترضة، فتقديرها: فانحرت ثم صلى وحده فسلم، ويحتمل أنه أتم تلك الصلاة، ثم صلى صلاة أخرى وحده".
(٢) جاء على هامش "ش": "قيل: إنما أنكر - ﷺ - على معاذ ووبخه في إطالة الصلاة، ولم ينكر عليه إضافة النفاق إلى رجل من الصحابة لم يُعرَف منه نفاق قط، وذلك أعظمُ من إطالة الصلاة؛ لأن صلابته في الدين حملته على هذا القول بعد أن رأى فيه التشابهَ بين صنيع الرجل وصنيع المنافقين، فعذره فيه، ولم يعذره في إطالة الصلاة؛ لأنه - ﷺ - بيَّن لهم معالمَ الدين، وعلمهم كيفية إقامة الصلاة، وأمرهم بالاقتداء به، ولم يكنْ فيما بيَّن لهم ما يُفضي إلى ترك الجماعة".
[ ٢ / ١٣١ ]
"فأتى النبيَّ ﵇"؛ أي: أتى الرجلُ النبي ﵇.
"ونسقي بنواضحِنا"، (النواضح): جمع ناضحة، أو ناضح، وهو الجمل الذي يَنزِعُ الماء من البئر، ويسقي به الزرع.
يعني: أطال معاذٌ الصلاةَ فلو صبرت معه، لم أقدرْ على النوم إلا قليلًا، فإذا كان حالي كذلك، لم أقدرْ على نزعِ الماء.
"البارحة": الليلة الماضية.
"وتجوَّزت"؛ أي: تركتُ متابعتَهُ، (التجوُّز): الاختصار.
"الفتَّان": الذي يوقع الناس في الفتنة (١).
يعني: تطيل الصلاة وتؤذي الناس بطول الصلاة فلا تفعل هذا، بل اختصرْ، واقرأ السورَ القصارَ في الصلاة.
٥٩٠ - وعن عَمْرو بن حُرَيْثٍ - ﵁ -: أنَّهُ سَمِعَ النَّبيَّ - ﷺ - يقرأُ في الفَجْرِ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾.
قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾؛ يعني به ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾.
كنية "عمرو": أبو سعيد، جده: عمرو بن عثمان بن عبد الله القرشي.
* * *
٥٩١ - وعن عبد الله بن السَّائب - ﵁ - قال: صلَّى لنا رسولُ الله - ﷺ - الصُّبْحَ بمكَّةَ، فاستفتحَ سُورَةَ (المؤمنين) حتَّى جاءَ ذِكْرُ موسى وهارونَ - أو ذِكْرُ عيسى - أخذَتِ النَّبيَّ - ﷺ - سَعْلَةٌ فَرَكَعَ.
_________________
(١) جاء على هامش "ش": "ومنه قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾؛ أي: مضلين".
[ ٢ / ١٣٢ ]
قوله: "جاء ذكر موسى"، أراد بذكر موسى وهارون قولَهُ تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٥]، وأراد بذكر عيسى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠].
"السَّعْلةُ" والسعال واحد (١)؛ يعني: لما أخذته السعلة، لم يقدر على إتمامِ السورةِ، فقطعها وركع.
كنية "عبد الله": أبو عبد الرحمن، جده: أبو السائب، واسم أبي السائب: صيفي بن عابد القرشي.
* * *
٥٩٣ - وقال عُبَيْد الله بن أبي رافعٍ: صلَّى لنا أبو هريرة - ﵁ - الجُمعة فقرأَ سُورةَ الجُمعةِ في السَّجْدَةِ الأُولَى، وفي الآخرة: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، فقال: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقرأُ بهِمَا يومُ الجُمعة.
قوله: "في السجدة الأولى"؛ يعني: في الركعة الأولى.
* * *
٥٩٥ - وسأل عمرُ بن الخطَّاب - ﵁ - أبا واقدٍ اللَّيثِيُّ - ﵄ -: ما كانَ يَقرأُ بِهِ رسولُ الله - ﷺ - في الأضحى والفطرِ؟، فقال: كانَ يقرأُ فيهما بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾.
قوله: "ما كان"، (ما) للاستفهام؛ يعني: أي شيءٍ يقرأُ في العيدين؟
لم يُعرَف اسم "أبي واقد"، ولا اسم أبيه، وهو من قبيلة ليث بن بكر.
* * *
_________________
(١) جاء على هامش "ش": "وهو صوت من وجع الحلق واليبوسة فيه، وإنما أخذته بسبب البكاء؛ يعني: تكاثرت عليه؛ أي: غلبت عليه السعلة من البكاء".
[ ٢ / ١٣٣ ]
٥٩٦ - وقال أبو هريرة - ﵁ -: إنَّ رسولَ الله - ﷺ - قرأَ في ركعتي الفجرِ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
"في ركعتي الفجر"، أراد بركعتي الفجر: سنة الصبح.
٥٩٧ - وقال ابن عباسٍ: كانَ رسولُ الله - ﷺ - يقرأُ في ركعتي الفجر: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ والتي في آل عمران: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾.
قوله: "في ركعتي الفجر"، أراد بركعتي الفجر: سنة الصبح أيضًا.
قوله: "والتي في آلِ عمران"؛ يعني: الآية التي أولها: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ [آل عمران: ٦٤].
* * *
مِنَ الحِسَان:
٥٩٨ - وعن ابن عباس - ﵄ - أنه قال: كانَ رسول الله - ﷺ - يَفتَتِحُ صلاتَهُ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ضعيف.
قوله: "يفتتح صلاته ببسم الله"؛ يعني: يجهر ببسم الله في أول الفاتحة بحيث يسمع، وهذا مذهبُ الشافعي، ومذهبُ أبي حنيفة الإسرارُ ببسم الله.
قال الشافعي في أحد قوليه، وعبد الله بن المبارك: بسم الله الرحمن الرحيم آيةٌ من الفاتحة، ومن كلِّ سورة إلا سورة التوبة.
وقال الآخرون: هي آية من الفاتحة، وأما في غيرها كتبت للفصل بين السور، وليست آية من غير الفاتحة.
قوله: "ضعيف"، ذكر أبو عيسى: أنَّ إسنادَ هذا الحديث ليس بقوي،
[ ٢ / ١٣٤ ]
وعند آخرين قوي.
* * *
٥٩٩ - عن وائل بن حُجْر أنه قال: سمعتُ النبيَّ - ﷺ - قرأَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقالَ: "آمين" مدَّ بها صوْتَهُ.
"آمين" يجوز (آمِين) بالمد بعد الهمزة، و(أمِيْن) بغير المد، والميمُ مخففة في اللُّغتين.
* * *
٦٠٠ - وعن أبي زُهير النُّميري أنه قال: خرجْنَا معَ رسولِ الله - ﷺ - ذاتَ ليلةٍ، فأتَيْنَا على رجلٍ قد أَلَحَّ في المَسألةِ، فقال النبيُّ - ﷺ -: "أَوْجَبَ إن خَتَم! "، فقالَ رجلٌ من القومِ: بأيِّ شيءٍ يختمُ؟، قال: "بآمين".
قوله: "ألحَّ في المسألةِ"؛ أي: بالغ في الدعاء.
"أوجبَ"؛ أي: أوجبَ الجنةَ لنفسِهِ، أو أوجبَ إجابةَ دعائِهِ.
وهذا الحديث يدلُّ على أن من دعا يستحبُّ له أن يقول بعد دعائه: آمين، وإن كان الإمام يدعو والقوم يؤمِّنون، فلا حاجةَ إلى تأمين الإمام، بل الدعاءُ منه، والتأمينُ من القوم.
ولم يُعرَف اسم "أبي زهير"، ولا اسم أبيه.
* * *
٦٠١ - عن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله - ﷺ - قرأَ في صلاةِ المغربِ بسورةِ الأعرافِ، فرَّقَها في ركعتين.
[ ٢ / ١٣٥ ]
قولها: "قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف"، في هذا الحديث إشكالٌ؛ لأنَّ النبي - ﵇ - كان يقرأ على التأني، وسورة الأعراف إذا قُرِئت على التأني في صلاة المغرب يدخلُ وقت العشاء قبل الفراغِ منها، وحينئذ تفوتُ المغرب، وتأويله: أنه - ﵇ - قرأ في الركعة الأولى قليلًا من سورة الأعراف؛ ليدرك ركعة من الوقت، ثم قرأ باقيها في الركعة الثانية، ولا بأسَ بوقوع الركعة الثانية أو الثالثة خارجًا من الوقت، ويحتمل أن يريد الراوي: أنه - ﵇ - قرأ بعضَ سورة الأعراف، لا كلها، فتلفَّظَ الراوي بسورة الأعراف، وأراد بعضها.
* * *
٦٠٢ - وقال عُقْبَة بن عامر: كنتُ أقودُ لرسول الله - ﷺ - ناقَتَهُ في السفَرِ، فقالَ لي: "يا عقبةُ! ألا أُعَلِّمُك خيرَ سورتينِ قُرِئَتَا؟ "، فَعَلَّمني ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، قال: فَلَمْ يَرَنِي سُرِرْتُ بهما جِدًّا، فلمَّا نزلَ لصلاةِ الصبح صلَّى بهما صلاةَ الصُّبحِ للناسِ، فلمَّا فرغَ التفتَ إليَّ فقالَ: "يا عقبةُ!، كيفَ رأيتَ؟ ".
قوله: "خيرَ سورتين قُرِئتا"، واعلم أن هاتين السورتين ليستا خيرًا من سائر السورِ على الإطلاق، بل معناه: ليست سورةٌ مثلَهما في قلةِ الألفاظِ وكثرة المعاني من التعوُّذِ بالله من شرِّ الأشرار.
قوله: "كيف رأيت؟ "؛ أي: كيفَ رأيتني قرأتهما في صلاة الصبح؟ فلو لم تكونا عظيمتي القدرِ لَمَا قرأتُهما في الصلاة.
* * *
٦٠٣ - وقال جابر بن سَمُرة: كانَ النبيُّ - ﷺ - يقرأُ في صلاةِ المغربِ ليلةَ
[ ٢ / ١٣٦ ]
الجمعةِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
"كان النبي - ﵇ - يقرأ في صلاةِ المغربِ ليلةَ الجمعةِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ "، واعلم أن هذا وأشباهه ليس على الدوام، بل يقرأ في كلِّ وقتٍ شيئًا؛ ليعلمَ الناسُ جوازَ ما يقرأه.
* * *
٦٠٤ - وقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: ما أُحصِي ما سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقرأُ في الركعتين بعدَ المغربِ وفي الركعتين قبلَ صلاةِ الفجرِ بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
قوله: "ما أُحصِي ما سمعتُ النبيَّ ﵇"، (الإحصاء): العد، (ما) خبرية بمعنى: الذي؛ يعني: لا أقدر أن أعدَّ المرات التي قرأ فيها رسول الله - ﷺ - في سنة المغرب وسنة الصبح بـ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
* * *
٦٠٥ - وقال سليمانُ بن يسارٍ، عن أبي هريرة - ﵁ -: ما صليتُ وراءَ أحدٍ أشبهَ صلاةً برسولِ الله - ﷺ - من فلانٍ، قال سليمانُ: صلَّيتُ خلْفَهُ، فكانَ يُطيلُ الركعتينِ الأُولَيَيْنِ من الظهرِ، ويُخَفِّفُ الأُخريينِ، ويُخَفِّف العصرَ، ويقرأُ في الركعتينِ الأُوليينِ من المغربِ بِقِصَارِ المُفَصَّلِ، وفي العشاءِ بوسَطِ المُفَصَّلِ، وفي الصُّبح بطِوالِ المُفَصَّلِ.
قوله: "من فلان"؛ يعني: عمر بن عبد العزيز.
السُّبعُ "المفصَّل": أوله سورة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا﴾ [الحجرات: ١]
[ ٢ / ١٣٧ ]
إلى آخر القرآن، سُمِّي مفصلًا؛ لأن سورَها قِصارٌ، كلُّ سورة كفصل من الكلام.
(القصار): جمع قصير، و(الطوال): جمع طويل، قيل: "طوال المفصل" من سورة: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ إلى سورة ﴿عَمَّ﴾، وأوساطه من ﴿عَمَّ﴾ إلى سورة ﴿وَالضُّحَى﴾، و"القصار" من: ﴿وَالضُّحَى﴾ إلى آخر القرآن.
* * *
٦٠٦ - وقال عُبادة بن الصَّامت: كنا خلفَ النبي - ﷺ - في صلاةِ الفجرِ، فقرأَ فَثَقُلَتْ عليهِ القراءةُ، فلمَّا فرغَ قالَ: "لعلَّكم تَقْرَؤونَ خلفَ إمامِكُمْ؟! "، قلنَا: نعمْ يا رسولَ الله، قال: "لا تَفعلوا إلا بفاتِحَةِ الكتابِ، فإنه لا صلاةَ لمن لم يقرأْ بها"، وفي روايةٍ قال: "وأنا أقولُ مالي يُنازِعُنِي القرآنُ!، فلا تَقْرؤوا بشيءٍ من القرآنِ إذا جهرتُ إلا بِأُمِّ القرآنِ".
قوله: "فثقلت عليه القراءة"؛ يعني: تعسَّرت القراءةُ على النبيِّ - ﵇ - لكثرة أصوات المأمومين بالقراءة، فالسنةُ أن يقرأ المأموم بحيث يسمعُ كلُّ واحد قراءةَ نفسِهِ، ولا يرفعُ صوته؛ كي لا يشوش القراءة على الآخرين.
قوله: "ينازعني القرآن"، (المنازعة): أن يجذِبَ كلُّ واحد من الشخصين شيئًا من صاحبه؛ يعني: تشوشُ قراءة المأمومين على قراءتي.
واعلم أن الأئمة اختلفوا في قراءة الفاتحة خلفَ الإمام، فأصحُّ قولي الشافعي: أنه يقرأها في السرية والجهرية، ومذهبُ مالك وأحمد وأحد قولي الشافعي: أنه يقرأها في السرية دون الجهرية؛ لأن استماعَهُ في الجهرية قراءةَ الإمامِ يكفيه، ومذهبُ أبي حنيفة: لا يقرأها؛ لا في السرية، ولا في الجهرية.
* * *
[ ٢ / ١٣٨ ]
٦٠٧ - وعن أبي هريرة - ﵁ -: أن النبيَّ - ﷺ - انصرفَ من صلاةٍ جهرَ فيها بالقراءةِ، فقال: "هل قرأَ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ "، فقالَ رجلٌ: نعم يا رسولَ الله، قال: "إني أقولُ: ما لي أُنازَعُ القرآنَ! "، قال: فانتهى الناسُ عن القراءةِ مع النبي - ﷺ - فيما جهرَ فيه بالقراءة من الصلاةِ حينَ سَمِعُوا ذلكَ من رسولِ الله - ﷺ -.
قوله: "انصرف"؛ أي: فرغ.
"آنفًا"؛ يعني: الآن.
قوله: "أُنازَع" بضم الهمزة وفتح الزاي، والهمزة للمتكلم، وهو فعل مضارع لم يُسمَّ فاعله، ومفعولُهُ الأول مضمرٌ فيه، و"القرآن" مفعوله الثاني، ومعناه: أني يُشوَّشُ عليَّ في القراءة بجهرِ بعضِ المأمومين بالقراءة.
"قال: فانتهى الناسُ عن القراءة"، (انتهى)؛ أي: ترك، ومعناه في قول من قال: لا يقرأ المأمومُ الفاتحةَ في الجهرية: أنهم تركوا القراءة خلف الإمام في صلاة الجهرية، وفي قول من قال: (يقرأها) معناه: أن الناسَ تركوا رفعَ الصوت في القراءة خلف الإمام.
* * *
٦٠٨ - وقال رسولُ الله - ﷺ -: "إنَّ المُصلِّي يُنَاجي ربَّه، فلينظرْ ما يُناجيه به، ولا يجهرْ بعضُكم على بعضٍ بالقرآنِ".
قوله: "مناج": أصله مناجي، فأُسكِنت الياء وحُذِفت، وهو اسم فاعل من (ناجى): إذا جرى سرٌّ وكلامٌ خفيٌّ بين اثنين.
"فلينظرْ ما يُناجيه به"؛ يعني: فليكن قلبه حاضرًا في ذلك الوقت؛ ليصحِّحَ القراءة، ولتكن قراءته عن التعظيم.
[ ٢ / ١٣٩ ]
قوله: "ولا يجهر بعضكم على بعض"؛ يعني: ليقرأْ كلُّ واحد ما يقرأ من غير رفع صوتٍ حتى لا يشوش القراءة على الآخرين، فإنهم لو رفعوا أصواتهم لا يدري كلُّ واحد ما يقرأ، ولا يكونُ له حضورٌ.
رواه أبو حازم التمَّار، عن البَيَاضي، عن رسول الله ﵇.
* * *
٦٠٩ - وعن أبي هريرة أنه قال: قال النبيُّ - ﷺ -: "إنما جُعِلَ الإمامُ ليؤُتَمَّ بِهِ، فإذا كبَّر فكبروا، وإذا قرأَ فأنصِتُوا".
قوله: "ليؤتَمَّ"؛ أي: ليُقتدَى.
* * *
٦١٠ - وقال عبد الله بن أبي أَوْفَى: جاء رجلٌ إلى النبيِّ - ﷺ - فقال: إني لا أستطيعُ أن آخُذَ من القرآنِ شيئًا، فعلِّمْنِي ما يُجْزِئني، قالَ: "قلْ: سُبحانَ الله، والحمدُ للَّهِ، ولا إلهَ إلا الله، والله أكبرُ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العليِّ العظيم"، قال: يا رسولَ الله!، هذا للَّهِ، فما لي؟، قال: "قلْ: اللهمَّ ارحمني، وعافِنِي، واهدِنِي، وارزُقني".
قوله: "إني لا أستطيع أن آخذ " إلى آخره، اعلم أن هذه الواقعة لا يجوزُ أن تكون في جميع الأزمان؛ لأن مَنْ يقدرُ على تعلم هذه الكلمات يقدرُ على تعلم الفاتحة لا محالةَ، بل تأويله: لا أستطيع أن أتعلم شيئًا من القرآن في هذه الساعة، وقد دخل عليَّ وقت الصلاة، فقال رسول الله ﵇: "قل سبحان الله " إلى آخره.
فمن دخل عليه وقتُ صلاة مفروضة، ولم يعلمْ الفاتحةَ، ويعلمُ شيئًا من
[ ٢ / ١٤٠ ]
التسبيحات، لزمه أن يقولها في تلك الصلاة بدلَ الفاتحة، فإذا فرغ من تلك الصلاة، لزمه أن يتعلم الفاتحةَ، فمن لم يعلم الفاتحة، وعلم شيئًا من القرآن، لزمه أن يقرأ ما يعلمُ من القرآن بقدر الفاتحة في عدد الآيات، وهي سبع آيات، وفي الحروف، ولا يجوز أن ينقص منها، فإن لم يعلم شيئًا من القرآن لزمَه أن يقول هذه الكلماتِ؛ لأن النبي - ﵇ - علَّمَها ذلك الرجلَ أن يقرأها في الصلاة، ولأنه رُوي أن النبي - ﵇ - قال: "أفضلُ الذِّكرِ بعد القرآن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".
قوله: "هذا لله فما لي"؛ يعني: هذه الكلماتُ ذِكرُ الله، علِّمْني شيئًا يكون فيه دعاءٌ لي واستغفارٌ.
كنية "عبد الله": أبو معاوية، واسم "أبي أوفى": علقمة بن خالد الأسلمي.
* * *
٦١٢ - ورُوِيَ عن أبي هُريرة - ﵁ -: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "مَنْ قرأَ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ فليقلْ: بلى، وأنا على ذلكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، ومَنْ قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ فليقلْ: بلى، ومَنْ قرأَ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فليقلْ: آمَنِّا بالله".
قوله: ﴿بَعْدَهُ﴾؛ أي: بعد القرآن.
وهذا الحديث يدل على استحباب إجابة العبدِ ربَّه فيما يقرأ من القرآن.
"فيما يأمره أو ينهاه"؛ يعني: إذا قرأ آيةً يأمره الله تعالى فيها فَلْيقلْ: سمِعْنا وأطَعْنا، وإذا قرأ آيةَ نهيٍ فَلْيقلْ: انتَهَيْنا، وإذا قرأ آيةَ رحمةٍ فَلْيَسأَلِ الله تعالى رحمتَه، وإذا قرأ آيةَ العذابِ فَلْيتعوَّذْ بالله من عذابه.
[ ٢ / ١٤١ ]
فعند الشافعي تجوز هذه الأشياء في الصلاة وغيرها، وعند أبي حنيفة: لا تجوز إلَاّ في غير الصلاة.
* * *
٦١٣ - وعن جابر قال: قرأ رسولُ الله - ﷺ - على أصحابهِ سورَةَ الرحمنِ فسكَتُوا، فقال: "لقدْ قرأتُها على الجنِّ فكانُوا أحسنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ، كلَّما أَتيتُ على قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قالوا: لا بشيءٍ من نِعَمِكَ رَبنا نكذبُ، فَلَكَ الحَمْدُ"، غريب.
قوله: "أحسن مردودًا"؛ أي: أحسن ردًّا وإجابةً، و(المردود) هنا بمعنى: الرد؛ لأنه جاء في بعض الروايات: "أحسن ردًّا".
قوله: "فبأي آلاء ربكما تكذِّبان": الخطاب للإنس والجن، (الآلاء): النِّعَم؛ يعني: أيُّ نِعَمٍ مما أَنعَمَ الله تعالى عليكم تجحدون؛ يعني: تعلمون أن كلَّ النَّعَمِ من الله تعالى ثم تجحدون نعمةً بتركِ شكرِهِ وتكذيبِ رُسلِه وعصيانِ أمرِه.
* * *