(باب السجود وفضله)
مِنَ الصَّحَاحِ:
٦٢٧ - قال رسول الله - ﷺ -: "أُمِرْتُ أن أَسجُدَ على سبعةِ أَعْظُمٍ: على الجَبْهةِ، واليدَينِ، والرُّكبتَينِ، وأطرافِ القَدَمينِ، ولا نكَفِتَ الثِّيابَ والشَّعْرَ".
قوله: "أُمرت أن أَسجدَ على سبعة أَعظُم"، (الأَعظُم) جمع: عَظْم.
"واليدين"؛ أي: الكفَّين؛ يعني: أُمرت أن أضعَ هذه الأعضاءَ السبعةَ على الأرض إذا سجدتُ.
قوله: "ولا نكفتَ الثيابَ والشَّعرَ"، (الكَفْتُ): الضمُّ والجمعُ؟ يعني: ألا أضمَّ ثيابي وشَعري إلى نفسي، وألا أرفعَها عن الأرض، بل أُمرت أن أتركَها حتى تقعَ على الأرض؛ ليسجدَ جميعُ أعضائي وثيابي.
فبهذا الحديث قالوا: يُكرَه فتلُ الشَّعر وعقدُه خلفَ القفا ورفعُ الثياب عند السجود.
واعلم أن مذهبَ الشافعيِّ وأكثرِ الأئمة وجوبُ وضعِ الجبهة، ووضعُ الأنف سُنَّةٌ.
[ ٢ / ١٤٨ ]
وقال أبو حنيفة: أيُّ واحدٍ من الجبهة والأنف في السجود وضعَه جازَ.
وقال الشافعي: يجب كشفُ الجبهة في السجود.
وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يجوز ألا يكشفَ جبهتَه، وأما وضعُ الكفَّين والركبتَين والقدَمَين على الأرض في السجود فلا يجب عند أكثر العلماء وفي أحد قولَي الشافعي، وفي قوله الثاني: يجب، ثم هل يجب كشفُ الكفَّين والقدمَين أم لا؟ فيه قولان؛ الأصحُّ أنه لا يجب.
* * *
٦٢٨ - وقال: "اعتدلُوا في السُّجود، ولا يبسُطْ أحدُكم ذراعَيْهِ انبساطَ الكلبِ".
قوله: "اعتَدِلُوا في السجود"، و(الاعتدال): الاستواء؛ يعني: لِيَضَعْ أحدُكم كفَّيه على الأرض في السجود، وَلْيَرفَعْ مِرْفَقَيه عن الأرض وبطنَه عن فخذَيه، هذا هو الاعتدال في السجود.
قوله: "ولا يَبسطْ أحدُكم ذراعَيه انبساطَ الكلب"، وفي بعض النسخ: "إبساطَ الكلب" بوزن: إفعال، وهذا خطأ؛ بل (انبساط الكلب) بوزن: انفعال؛ يعني: لِمَ يفترشُ أحدُكم ذراعَيه كما يفترشُ الكلبُ ذراعَيه؟! وافتراشُ الذراعَين: أن يضعَ المِرْفَقَين والكفَّين على الأرض.
* * *
٦٣٠ - وقالت مَيْمُونة: كان النبيُّ - ﷺ - إذا سجدَ جافَى بينَ يديهِ، حتى لو أنَّ بَهْمَةً أرادَتْ أن تمرَّ تحتَ يديْهِ لَمَرَّتْ.
قوله: "جافَى"؛ أي: أَبْعَدَ.
[ ٢ / ١٤٩ ]
"البَهْمَة": ولد الضَّأن؛ يعني: فرَّق بين يدَيه وجنبَيه بحيث تَقدِرُ سَخْلَةٌ أن تمرَّ بين يدَيه وجنبَيه.
* * *
٦٣١ - وقال عبد الله بن بُحَيْنَة: كان رسولُ الله - ﷺ - إذا سجدَ فرَّج بينَ يديهِ، حتى يبدُوَ بياضُ إبْطَيْهِ.
قوله: "فرَّج"؛ أي: وسَّع.
"بُحَينة" اسم أم "عبد الله"، وأبوها: الحارث بن المطلب بن عبد مناف، وأبو (عبد الله) اسمه: مالك بن القِشْب الأزدي، وكنية (عبد الله): أبو محمد.
* * *
٦٣٢ - وقال أبو هريرة - ﵁ -: كانَ يقولُ رسولُ الله - ﷺ - في سجودِهِ: "اللهم اغفرْ لي ذنبي كلَّه، دِقَّه وجِلَّه، وأَوَّلَه وآخرَه، وعلانيتَه وسِرَّه".
قوله: "دِقَّه"؛ أي: صغيرَه، "جِلَّه" بكسر الجيم؛ أي: كبيرَه.
* * *
٦٣٣ - وقالت عائشةُ: فقدتُ ليلةً رسولَ الله - ﷺ - من الفِراشِ، فالتمستُهُ، فوَقَعَتْ يدي على بطْنِ قدميْهِ - وهو في المسجدِ - وهما منصوبتان، وهو يقول: "اللهم أعوذُ برضاكَ من سخطكَ، وبمُعافاتِكَ من عُقوبَتِكَ، وأَعوذُ بكَ منكَ، لا أُحصي ثناءً عليك، أنتَ كَما أَثنيتَ على نفْسك".
قولها: "فقدتُ رسولَ الله - ﵇ - ليلةً من الفراش"، فَقَدَ ضد وَجَدَ.
[ ٢ / ١٥٠ ]
"فالتمستُه"؛ أي: طلبتُه، "فوقعتْ يدي"؛ يعني: طلبتُه باليد، فمددتُ يدي من الحُجرة إلى المسجد، فوقعتْ يدي على تحت قدمه، وهو في السجود.
"أعوذ برضاك من سخطك"؛ أي أَطلبُ رضاك وأسألك ألا تَسخطَ عليَّ؛ يعني: ألا تُؤاخذَني بفعلٍ يُوجِبُ سخطَك، وكذلك معنى: "وبمعافاتك من عقوبتك"؛ يعني: أَطلبُ أن تُعافيَني ولا تُعاقبني.
"وأعوذ بك منك"؛ يعني: أَفرُّ إليك مِن أنْ تعذِّبني بذَنْبي وتقصيري في طاعتك.
"لا أُحصي ثناءً عليك"؛ أي: لا أُطيقُ أن أُثْنِيَ عليك كما تستحقُّه وتحبُّه، بل أنا قاصرٌ عن أن يبلغَ ثنائي قَدْرَ استحقاقك.
"أنت كما أثنيتَ على نفسك" بقولك: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧]، وما أشبه ذلك من الآيات التي حمدتَ نفسَك فيها.
* * *
٦٣٤ - وقال رسول الله - ﷺ -: "أَقْربُ ما يكونُ العبدُ مِنْ ربه وهو ساجدٌ، فأكثِروا الدُّعاءَ".
قوله: "وهو ساجد"، الواو في (وهو ساجد) للحال؛ يعني: أقربُ حالات العبد من ربه حالَ كونه ساجدًا، وإنما يكون العبدُ في السجود أقربَ من ربه من سائر أحواله؛ لأن العبدَ بقَدْرِ ما يَبْعُدُ عن نفسه يَقْرُبُ من ربه، والسجودُ غايةُ التواضعِ وتركِ التكبُّر عن النفس؛ لأن النفسَ لا تأمر الرجلَ بالمَذلَّة والتواضع، بل تأمره بخلاف ذلك، فإذا سجدَ فقد خالَفَ نفسَه وبَعُدَ عنها، فإذا بَعُدَ عنها قَرُبَ من ربه، وإذا قَرُبَ من ربه يكون دعاؤُه مقبولًا؛ لأن
[ ٢ / ١٥١ ]
الحبيبَ يحبُّ حبيبَه المُطيعَ، ويَقبَل ما يقول ويسأل.
* * *
٦٣٥ - وقال: "إذا قرأَ ابن آدمَ السجدةَ فسجدَ؛ اعتزلَ الشيطانُ يبكي يقولُ: يا ويلتا! أُمِرَ ابن آدمَ بالسجودِ فسجدَ فلهُ الجنةُ، وأُمِرْتُ بالسجودِ فأَبَيْتُ فليَ النارُ".
قوله: "إذا قرأ ابن آدمَ السجدةَ"؛ يعني: إذا قرأ آيةً فيها سجدةٌ، كآية آخر الأعراف وما أشبهها، ويأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
"اعتزلَ"؛ أي: انفصل وانحرف من عند الرجل الذي يريد وسوستَه، وبَعُدَ إلى جانب آخر.
و"يبكي" على خسارته.
"يا ويلَتَا" أصله: يا وَيْلِي، فقُلبت ياءُ المتكلم تاءً، وزِيدت ما بعدها ألفُ النُّدبة.
* * *
٦٣٦ - قال ربيعة بن كعبٍ الأَسْلَمي: كنتُ أبيتُ معَ رسولِ الله - ﷺ -، فآتيه بِوَضُوئهِ وحاجتِهِ، فقالَ لي: "سَلْ"، فقلْتُ: أسألُكَ مرافقتَكَ في الجنةِ! قالَ: "أَوَغَيْرَ ذلكَ؟ "، فقلتُ: هو ذاكَ، فال: "فأَعِنِّي على نفسِكَ بكثرةِ السجودِ لِلَّهِ".
قوله: "فقال لي: سَلْ"؛ يعني: قال لي رسولُ الله ﵇: اطلُبْ مني حاجةً.
قوله: "قال: أَوْ غيرَ ذلك؟ " بسكون الواو؛ يعني: مسؤولُك ومطلوبُك ذلك
[ ٢ / ١٥٢ ]
أو غير ذلك؛ فإن ذلك درجةٌ عاليةٌ؟ قال ليس لي حاجةٌ غير ذلك.
قوله: "فأَعنِّي على نفسك بكثرة السجود"، يقال: أَعنتُ زيدًا على أمرٍ؛ أي: صِرتُ عونًا له في تحصيل ذلك الأمر، فههنا معناه: كُنْ عونًا لي في إصلاح نفسك، واجعَلْها طاهرةً مستحقةً لِمَا تطلب؛ فإني أَطلبُ إصلاحَ نفسك من الله، وأطلبُ منه أيضًا إصلاحَها بكثرة السجود؛ فإن السجودَ كاسرٌ للنفس مُذِلٌّ لها، وأيُّ نفسٍ انكسرت، فذلَّتْ وانقادَتْ استحقَّتِ الرحمةَ.
جدُّ "ربيعة": مالك بن يَعمَر الأسلمي.
* * *
٦٣٧ - وقال مَعْدَان بن أبي طَلْحة: لقيتُ ثوبانَ مَوْلَى رسولِ الله - ﷺ -، فقلتُ: أخبرني بعملٍ يُدخلني الله به الجنةَ؟، فقال: سألتُ عن ذلكَ رسولَ الله - ﷺ - فقال: "عليكَ بكثرةِ السجودِ للَّهِ، فإنَّك لا تسجدُ للَّهِ سجدةً إلا رفَعكَ الله بها درجةً، وحطَّ عنكَ بها خَطيئةً".
قوله: "عليك بكثرة سجود" أراد بـ (السجود): أن يسجدَ في الصلاة، أو سجدة التلاوة أو الشكر، وأما السجود في غير الصلاة وغير سجود السهو والتلاوة والشكر - كما هو عادة بعض الناس - فالأصحُّ أنه لا يجوز.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٦٣٨ - عن وائل بن حُجْر قال: رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - إذا سجدَ وضعَ ركبتيهِ قَبْلَ يديهِ، وإذا نهضَ رفعَ يديهِ قبلَ ركبتيهِ.
[ ٢ / ١٥٣ ]
قوله: "نهض"؛ أي: قامَ.
* * *
٦٣٩ - وعن أبي هريرة - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ - قال: "إذا سجدَ أحدُكم فلا يَبْرُكْ كما يَبرُكُ البعيرُ، وَلْيَضَعْ يديهِ قبلَ ركبتيهِ".
وحديثُ وائل بن حُجْر أثبتُ من هذا، وقيل: هذا منسوخٌ.
قوله: "فلا يَبْرُكْ كما يَبْرُكُ البعيرُ"؛ يعني: [لا] يضع ركبتَيه على الأرض قبلَ يدَيه، وَلْيَضَعْ يدَيه قبل ركبتَيه.
وبهذا قال أبو حنيفة - ﵁ -، وقال الشافعي - ﵁ -: يضع المُصلِّي ركبتَيه قبلَ يدَيه، كما ذُكر قبل هذا في حديث وائل بن حجر.
فإن قيل: كيف شبَّه وضعَ الرُّكبة قبل وضع اليدَين ببُروك الجَمَل، مع أن الجَمَلَ يضع يدَيه قبل رِجلَيه؟
قلنا: لأن رُكبةَ الإنسانِ في الرِّجل، ورُكبةَ الدوابِّ في اليد، فإذا وضعَ الرَّجلُ ركبتَه أولًا فقد شابَهَ الجَمَل في البُروك.
* * *