(باب المستحاضة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٨٧ - قالت عائشة ﵂: جاءتْ فاطمةُ بنتُ أبي حُبَيْشٍ ﵂ إلى النبيِّ - ﷺ - فقالت: يا رسولَ الله! إنِّي امرأةٌ أُسْتَحاضُ فلا أَطْهُرُ، أَفأدَعُ الصَّلاةَ؟ فقال: "لا، إنَّما ذلك عِرْقٌ وليسَ بحَيْضٍ، فإذا أقبَلَتْ حَيْضَتُكِ فدَعي الصَّلاةَ، وإذا أدبَرَتْ فاغسِلي عنكِ الدَّمَ ثمَّ صَلِّي".
قوله: "أستحاض" هذا اللفظ جاء على بناء المجهول، يقال: (استُحيضت المرأة تستحاض): إذا جاوز دمها على أيام الحيض.
[ ١ / ٤٦٢ ]
"أفأدع" الهمزة الأولى للاستفهام؛ أي: أفأترك.
"إنما ذلك عِرْقٌ"؛ أي: عرقٌ ينشقُّ وينفجر منه الدم، وذلك العرق غيرُ عرق الحيض؛ لأن أكثر الحيض عند الشافعي: خمسة عشر يومًا، وعند أبي حنيفة: عشرة أيام، ولم يقل أحد: أن الدم الدائم حيضٌ، فإذا لم يكن حيضًا وجب عليها أداء الصلاة، لكن عليها أن تغسل لكل صلاة مفروضة فرجَها، وتشدَّه بعصابة، وتتوضأ، وتستعجل في أداء الصلاة، وهي معذورةٌ في جريان دمها في الصلاة وغيرها.
قوله ﵇: "فإذا أقبلت حيضتك" هذه المرأة كانت لها عادة معلومة، فقال لها رسول الله ﵇: فإذا كان أيام حيضتك "فدعي الصلاة"؛ أي: فاتركي الصلاة، "وإذا أدبرت"؛ أي: إذا ذهبت حيضتك وجاوز الدم أيامَ عادتك في الحيض فاغتسلي مرةً واحدة، ثم توضئي لكل صلاة.
مثاله: إذا كانت عادة امرأة أن تحيض خمسة أيام في أول شهر، ثم ينقطع دمها إلى آخر الشهر، وكذلك في شهر ثان، وثالث، ثم جاوز دمها الخمسة التي هي أيام عادتها ومجيء دمها أبدًا، فعليها أن تترك الصلاة خمسة أيام من أول كلِّ شهر؛ لأن الخمسة أيام عادتها، ثم تغتسل مرةً في أول اليوم السادس، ثم تتوضأ لكل صلاة وتصلي إلى آخر الشهر.
اسم جدِّ "فاطمة": المطَّلبُ بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الأسدية.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٨٨ - عن عُرْوةَ بن الزُّبَيْر - ﵄ - قال: قال النبيُّ - ﷺ - لفاطمة بنت أبي حُبَيْشٍ
[ ١ / ٤٦٣ ]
﵂: "إذا كانَ دمُ الحَيْضِ فإنَّه دَمٌ أسْوَدُ يُعْرَفُ، فإذا كانَ ذلكَ فأمْسِكي عَنِ الصَّلاةِ، فإذا كانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئي وصَلِّي، فإنَّما هو عِرْقٌ".
قوله: "يعرف"؛ أي: تعرفه النساء، هذا دليل التمييز.
والمستحاضة إذا كانت مميِّزةً بأن ترى في بعض الأيام دمًا أسود، وفي بعضها دمًا أحمر أو أصفر؛ فالدم الأسود حيضٌ، بشرط أن لا ينقص من يوم وليلة، ولا يزيد على خمسة عشر يومًا، والدم الأحمر والأصفر دم استحاضة، بشرط أن لا ينقص الدم الأحمر والأصفر الواقع بين أسودين عن خمسة عشر يومًا، فإن زال شرطٌ من هذه الشُّروط، فليست بمميِّزة.
وإذا لم تكن مميِّزة أو فقدت شرط تمييزها، وليست لها عادة، أو كانت لها عادة فنسيت عادتها، يُجعل حيضها في أول كلِّ شهر يومٌ وليلة في قول، وستةٌ أو سبعةٌ في قول، ثم تؤمر بالوضوء والصلاة إلى آخر الشهر.
"فأمسكي"؛ أي: اتركي.
* * *
٣٨٩ - عن أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أنَّ امرأةٌ كانتْ تُهراقُ الدَّمَ على عهدِ رسولِ الله - ﷺ -، فاسْتَفْتَتْ لها أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ النبيَّ - ﷺ -، فقال: "لِتَنْظُرَ عددَ اللَّيالي والأيَّامِ التي كانتْ تَحيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْر قَبْلَ أنْ يُصيبَها الذي أصابَها، فلتُترُك الصَّلاةَ قَدْرَ ذلكَ مِنَ الشَّهْرِ، فإذا خلَّفَتْ ذلكَ فَلْتَغْتَسِلْ، ثمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بثَوْبٍ، ثمَّ لِتُصلِّي".
قولها: "تُهراق الدم" هذا اللفظ يستعمل على بناء المجهول إذا كان في باب الاستحاضة، كلفظ تُستحاض، ومعنى (تُهراق الدم)؛ أي: صُيِّرت ذات هراقة الدم. الهراقة: الإراقة، وهي صبُّ الدم وغيرِه، يعني: صارت مستحاضة.
[ ١ / ٤٦٤ ]
"فاستفتت"؛ أي: سألت.
قوله - ﵇ -: "لتنظر عدد الليالي والأيام": هذه المرأة كانت لها عادةٌ معلومة في الحيض قبل الاستحاضة، فأمر النبي - ﵇ - أن تحفظ عدد أيام عادتها من الحيض، فتتركَ الصلاة قَدْرَ عدد أيام عادتها في الحيض في الوقت الذي كانت تحيض فيه من أول الشهر، أو أوسطه، أو آخره، فإذا مضت أيام حيضها تغتسل مرة واحدة، ثم تتوضأ لكل صلاة فريضة، ثم تصلي.
قوله: "قبل أن يصيبها الذي أصابها"؛ أي: قبل الاستحاضة.
"قدر ذلك"؛ أي: قدر حيضها.
"فإذا خلفت"؛ أي: فإذا جاوزت "ذلك" القدر - أي: أيام حيضها - ودخلت في أيام الاستحاضة. (التخليف): أن يترك أحدٌ شيئًا خلف ظهره.
"ثم لتستثفر"؛ أي: ثم لتشدَّ فرجها بثوب، و(الاستثفار): أن تشدَّ المرأة ثوبًا بين رجليها بحيث يكون دُبُرها وفرجُها مشدودًا، ويكون أحد طرفي ذلك الثوب مشدودًا من خلف دبرها إلى وسطها، والطرف الآخر من قُبلها إلى وسطها مشدودًا أيضًا.
* * *
٣٩٠ - ويُروى عن عَديِّ بن ثابتٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال في المُستَحاضة: "تَدعُ الصَّلاةَ أيَّامَ أَقرائها التي كانتْ تَحيضُ فيها، ثمَّ تغتسِلُ وتتوضَّأُ عندَ كُلِّ صلاةٍ، وتصومُ وتُصلِّي".
قوله: "تدع الصلاة"؛ أي: تترك الصلاة أيام أقرائها. (الأقراء): جمع قرءٍ، والقرء مشتركٌ بين الحيض والطهر، والمراد ها هنا به: الحيض،
[ ١ / ٤٦٥ ]
يعني: أيام حيضها.
يعني: تترك الصلاة بقَدْرِ أيام عادتها من الحيض، فإذا مضى ذلك القدرُ تغتسل مرة واحدة، ثم تتوضأ لكلِّ صلاةٍ وتصلِّي وتصوم.
* * *
٣٩١ - وقالت حَمْنَة بنت جَحْش: كُنْتُ أُستَحاضُ حَيْضةً كثيرةً شديدةً، فجئتُ إلى النبيِّ - ﷺ - أسْتَفْتيه، فقال: "إنِّي أنْعَتُ لكِ الكُرْسُفَ، فإنه يُذْهِبُ الدَّمَ"، فقلتُ: هو أكثرُ مِنْ ذلكَ، قال: "تَلَجَّمي"، قلتُ: هو أكثرُ من ذلك، إنما أثُجُّ ثَجًّا، قال: "إنَّما هيَ رَكْضَةٌ مِنْ رَكضاتِ الشَّيطانِ، فتحَيَّضي سِتةَ أيَّامٍ أو سَبْعَةَ أيَّامٍ في عِلْمِ الله، ثمَّ اغْتَسِلي، فَصَلِّي أرْبَعًا وعشرينَ ليلةً وأيَّامَها، أو ثلاثًا وعشرينَ ليلةً وأيَّامَها، وصُومي، وكذلك افعَلي في كُلِّ شَهْرٍ كما تحيضُ النساءُ وكما يَطْهُرْنَ، ميقاتَ حَيْضِهِنَّ وطُهْرِهِنَّ".
وفي روايةٍ: "وإنْ قَوِيتِ على أنْ تُؤخِّري الظُّهْرَ وتُعَجِّلي العَصْرَ فتغْتَسِلينَ وتجمعينَ بينَ الصَّلاتينِ، وتُؤخِّرينَ المغْرِبَ وتُعجِّلينَ العِشاءَ، ثم تَغْتَسِلينَ وتجمعينَ بينَ الصَّلاتينِ فافعلي، وصُومي إنْ قَدَرْتِ على ذلك"، قال رسولُ الله - ﷺ -: "وهذا أَعجَبُ الأَمرَيْنِ إليَّ".
قولها: "أستحاض حيضة" معنى ذلك "كثيرة"، (حيضة) بفتح الحاء؛ يعني: يجري دمي أشد جريانًا من دم الحيض.
"أستفتيه"؛ أي: أسأله عن حكمها.
"أنعت لك الكُرْسُفَ"، (أنعت): الهمزة للمتكلم؛ أي: أصف لك الكرسف بكونه مُذهبًا للدم، فاستعمليه لعل دمك ينقطع، (الكرسف): القطن.
وإنما أمرها رسول الله - ﵇ - باستعمال الكرسف؛ لأنه - ﵇
[ ١ / ٤٦٦ ]
- ظن أن دمها ليس شديد الجريان، فلما قالت: "هو أكثر من ذلك"، فأمرها رسول الله - ﵇ - بالتلجُّم، وهو شدُّ الفرج بثوب، وهو مثلُ الاستثفار.
وقد ذكر قولها: "إنما أنا آثج ثجًا"، ثج - بفتح العين في الماضي وضمها في الغابر - ثجًا: إذا جرى الدم والماءُ جريانًا شديدًا.
قوله ﵇: "إنما هي ركضة من ركضات الشيطان"، (الركضة): ضرب الأرض بالرِّجل حالَ العدو؛ يعني: هذه الحالة أو هذه العلةُ مما وجد الشيطان إليك سبيله ومراده، بأن يحيرك في أمر دينك من الصلاة والصوم في هذه الحالة، ويأمرك بترك الصلاة وغيرها من العبادات، فلا تطيعيه بل "تحيَّضي"؛ أي: اجعلي نفسك حائضةً "ستة أيام أو سبعة أيام" فاتركي الصلاة والصوم فيها، "ثم اغتسلي" مرة واحدة بعد مضي الست أو السبع، ثم توضَّئي لكل صلاة فريضة، وصلي وصومي بقية الشهر، وهي ثلاثة وعشرون يومًا إن كانت مدة الحيض سبعة، وأربعة وعشرون إن كانت مدة الحيض ستة.
فإن قيل: أيُّ لفظ في هذا الحديث يدل على أن دمها أكثر من مدة الحيض، فإنها ما قالت: إن مدة دمي أكثر من مدة الحيض، بل قالت: (هو أكثر من ذلك)، وقولها: هو أكثر من أن يدفعه الكرسف والتلجم؟.
قلنا: فهم النبي - ﵇ - كونها مستحاضة من قولها: (أستحاض)، أو من قولها في رواية أخرى: قد منعتني الصلاةَ؛ يعني: الحيضةُ المُجاوِزةُ (١) عن قَدْر الحيض منعتني الصلاة، أو فهم من قولها: (أثج ثجًا)؛ لأن دم الحيض لا يكون جريانه شديدًا على الغالب، والجريان الشديد إنما يكون لدم العلة، والله أعلم.
_________________
(١) في "ش": "المتجاوزة".
[ ١ / ٤٦٧ ]
و(أو) في قوله - ﵇ - (ستة أو سبعة) معناه: اجعلي حيضك كحيض أقاربك: إن كانت عادة أقاربك ستةً فاجعلي حيضك ستةً، وإن كانت عادتهن سبعة فاجعلي حيضتك سبعة.
واعلم أن العلماء اختلفوا في أن هذه المرأة كانت مبتدأةً في الحيض، أو كانت معتادةً ناسيةً لعدد عادتها.
قال الخطَّابي: والأصح أنها كانت مبتدأةً.
"في علم الله"؛ أي: فيما عَلِمَ الله من أمرك من الست أو السبع؛ أي: هذا شيءٌ بينك وبين الله، والله يعلم ما تفعلين من الإتيان بما أمرتُك، أو تركِه.
وقيل: في (علم الله)؛ أي: في حُكم الله؛ أي: ما أمرتُك فهو حكم الله.
وقيل: (في علم الله)؛ أي: فيما أَعْلَمَكِ الله من عادة النساء من الست أو السبع.
قوله: "كما تحيض النساء وكما يطهرن"؛ يعني: اجعلي حيضك بقَدْرِ ما تكون عادة النساء من ستٍّ أو سبع، وكذلك اجعلي طُهرك بقَدْرِ ما تكون عادة النساء من ثلاثةٍ وعشرين، أو أربعة وعشرين.
قوله: "ميقات حيضهن وطهرهن"؛ يعني: كما تُجعل عددُ حيضك وطهرك بقَدْرِ عدد حيض النساء وطهرهن، فكذلك اجعلي طهرك وقتَ حيضك، أو طهرك وقت حيض النساء وطهرهن، إن كان وقت حيضهن في أول الشهر؛ فليكن حيضك في ذلك الوقت.
"حمنة" بالحاء غير المعجمة، وأبوها "جحش" بتقديم الجيم على الحاء غير المعجمة، وجدها: رئاب، من بني أسد، أخت زينب زوجةِ النبي - ﷺ -.
° ° °
[ ١ / ٤٦٨ ]
تأليف
العلامة مظهر الدين الزيداني الحسين بن محمود بن الحسن الزيداني المظهري الكوفي
المتوفى سنة ٧٢٧ هـ - رحمه الله تعالى -
تحقيق ودراسة
لجنة مختصة من المحققين
بإشراف
نور الدين طالب
[المجلد الثاني]
[ ٢ / ٥١٠ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٢ / ٢ ]
[ ٢ / ٣ ]
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م
[ ٢ / ٤ ]