(باب ما لا يجوز من العمل في الصلاة وما يُباح منه)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٦٩٣ - عن مُعاوِيَةَ بن الحَكَمِ - ﵁ - قالَ: بَيْنا أَنا أُصَلِّي مَعَ رسولِ الله - ﷺ - إذْ عَطَسَ رَجُلٌ، فَقُلْتُ لَهُ: يَرْحَمُكَ الله، فَرَماني القَوْمُ بِأَبْصارِهِمْ، فَقُلْتُ: ما شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إلَيَّ؟، فَجَعلوا يَضْرِبُونَ بِأَيْديهمْ عَلى أَفْخاذِهِم، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُوننَي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رسولُ الله - ﷺ -، فَبأَبي هُوَ وأُمِّي، ما رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعليمًا مِنْهُ، والله ما كَهَرَني ولا ضَرَبني ولا شَتَمَني، قال: "إنَّ هذهِ الصلاةَ لا يَصْلُحُ فيها شَيءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ، إنَّما هِيَ التَّسْبيحُ والتَّكْبيرُ وَقِراءَةُ القُرْآنِ" - أو كما قالَ رسولُ الله - ﷺ - قلتُ: يا رسول الله!، إنِّي حَديثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وقَدْ جاءَ الله بالإِسْلامِ، وإنَّ مِنَّا رِجالًا يَأْتُونَ الكُهَّان؟، قالَ: "فَلا تَأْتِهِمْ"، قُلتُ: ومِنَّا رِجالٌ يَتَطَيَّرُونَ؟، قالَ: "ذاكَ شَيءٌ يَجِدُونَهُ في صُدورِهِمْ، فَلا يَصُدَّنَّهُمْ"، قلتُ: ومِنَّا رِجالٌ يَخُطُّونَ؟، قالَ: "كانَ نبَيٌّ مِنَ الأنْبياءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وافَقَ خَطَّهُ فَذاكَ".
قوله: "فرماني القومُ بأبصارهم"؛ أي: نظروا نظرَ كراهيةٍ وزجرٍ؛ كي لا أتكلمَ في الصلاة، فإن قولي: (يرحمك الله) كلامٌ، وما فهمتُ سببَ نظرهم
[ ٢ / ١٨٠ ]
إليَّ، "فقلت: ما شأنُك تنظرون إليَّ؟ " أي: لِمَ نظرتُم إلي؟
واعلم أن مَن قال لعاطسٍ: يرحمك الله، تبطل صلاتُه؛ لأنه خاطبَه، والمُخاطَبةُ كلامٌ، ولو قال: (يرحمه الله) بلفظ الغائب تجوز صلاتُه، وهو قوله: "اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات".
"كَهَرَ": إذا منعَ أحدًا عن فعلٍ، وكَهَرَ: إذا عَبَسَ وجهُه.
قوله: "إني حديثُ عهدٍ بجاهليةٍ"، (الحديث): الجديد، (العهد): الرؤية؛ يعني: انتقلت عن الكفر إلى الإسلام عن قريبٍ، ولم يمضِ عليَّ في الإسلام زمانٌ طويلٌ، ولم أَعرِفْ بعدُ أحكامَ الدَّين وما يُبطل الصلاةَ.
قوله: "فلا تأتهم"؛ يعني: إتيانُ الكُهَّان كفرٌ إن اعتقدوها حقًّا، فلذلك قال ﵇: (فلا تأتهم).
"يتطيَّرون"؛ أي: يتفاءلون بالطير، مثل: أن الرجلَ منهم إذا أراد سفرًا؛ فإن طار طيرٌ عن يمينه يقول: هذا السفرُ مباركٌ، وإن طارَ عن يساره يقول: هذا السفرُ غيرُ مباركٍ.
قوله: "ذلك شيءٌ يجدونه في صدورهم"؛ يعني: هذا وهمٌ وظنٌّ منهم، وليس له حقيقةٌ وتأثيرٌ.
"فلا يصدَّنَّهم"؛ يعني: فلا يَمنعْهم هذا الوهمُ عما يقصدونه من شغل؛ لأن طيرانَ الطير لا يجعل المباركَ مشؤمًا، ولا المشؤومَ مباركًا.
قوله: "ومنا رجالٌ يخطُّون"، وكيفية خط العرب: أن الرجلَ منهم إذا عزمَ على شغلٍ يأخذ خشبًا ويخط على العجلة خطوطًا كثيرةً بلا حسابٍ على الأرض أو الرمل، ثم يمحو خطَّين خطَّين، فإن بقي زوجٌ فهو علامةُ الخير في ذلك الشغل، وإن بقي فَرْدٌ فهو علامةُ النحوسة، وأما ما يفعله الرمَّالون فليس له أصلٌ في الشرع، وليس عليه دلالةٌ في هذا الحديث؛ لأن النبيَّ - ﵇ - لم يبيِّن
[ ٢ / ١٨١ ]
كيفيةَ خطِّ ذلك النبي حتى يقيسَ عليه أحدٌ.
قوله: "فمَن وافق خطَّه فذاك"، الرواية: (خطَّه): بالنصب، وتقديره: فمَن وافَقَ خطُّه خطَّه، ويجوز من حيث المعنى: (فمَن وافَقَ خطُّه) بالرفع، ويكون تقديره: فمَن وافَقَ خطُّه خطَّه أيضًا، "فذاك"؛ يعني فذاك جائزٌ وصوابٌ.
وقال الخطابي رحمة الله عليه: إنما قال رسولُ الله ﵇: (فمَن وافَقَ خطَّه فذاك" على سبيل الزجر، ومعناه: لا يوافق خطُّ أحدٍ خطَّ ذلك النبيِّ؛ لأن خطَّ ذلك النبي - ﵇ - كان معجزةً له، ولا يجوز أن تكونَ معجزةُ نبيًّ في شخصٍ غيرِ نبيًّ.
"معاوية" هذا كان من بني سُلَيم، ولا يروي غيرَ هذا الحديث.
* * *
٦٩٤ - قال عبد الله بن مَسْعودٍ - ﵁ -: كُنَّا نُسَلِّمُ على النَّبيِّ - ﷺ - وهُوَ في الصَّلاة، يَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجاشِيِّ سَلَّمْنا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنا، وقال: "إنَّ في الصلاةِ لَشُغُلًا".
قوله: "فلما رجعنا من عند النجاشي [سلَّمنا] فلم يردَّ علينا، وقال: إن في الصلاة لَشُغلًا"، (النجاشي): ملك الحبشة، وهاجَرَ جماعةٌ من الصحابة من مكةَ إلى أرضِ الحبشة حينَ كان رسولُ الله - ﷺ - بمكةَ قبلَ خروجه منها، فلما سمع الذين هاجروا إلى أرض الحبشة أن رسولَ الله - ﵇ - خرج من مكةَ إلى المدينةِ هاجروا من أرض الحبشة إلى المدينة، ومنهم: ابن مسعود، فلما أتى ابن مسعودٍ رسولَ الله ﵇ وجدَه في الصلاة، فسلَّم عليه، ولم يردَّ - ﷺ - ﵇؛ لأن الكلامَ كان جائزًا في الصلاة في بدء الإسلام ثم حُرِّمَ.
قوله: "إن في الصلاة لَشُغلًا"؛ يعني (شغل الصلاة): قراءة القرآن والتسبيح
[ ٢ / ١٨٢ ]
والدعاء، لا الكلام، ويأتي شرح هذا في الحديث الأول من الحسان.
* * *
٦٩٥ - وعن مُعَيقيب: أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ في الرجلِ يُسَوِّي التُّرابَ حَيْثُ يَسْجُدُ قال: "إنْ كانَ فاعِلًا فَواحِدَةً".
قوله: "إن كان فاعلًا فواحدةً": منصوب بفعل مضمر، تقديره: وليفعل فعلةً واحدةً؛ يعني: ينبغي أن يكون للمُصلِّي خشوعٌ، ولا يتحرك ولا يلتفت، فإنْ فعلَ فَعلةً أو فَعلتَين، أو خَطَا خطوةً أو خطوتَين كُرِهَ ولم تبطل صلاته، وإن فعلَ ثلاثًا أو خَطَا ثلاثَ خطواتٍ متوالياتٍ بطلت صلاتُه.
"مُعَيقيب": هو ابن أبي فاطمة، مولى سعيد بن العاص، من بني دَوس.
* * *
٦٩٦ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: نَهى النَّبيُّ - ﷺ - عن الخَصْرِ في الصَّلاةِ.
قوله: "عن الخَصْر في الصلاة": فسَّر (الخَصْر) على وضع اليد على الخاصرة، وهي فوق موضع شدِّ السراويل، وإنما نَهَى المُصلِّي من الخَصْر؛ لأن هذا من فعل اليهود، وفعل مَن أصابَه مصيبةٌ.
ورُوي: أن إبليسَ وضعَ يدَه على خاصرته حين نزلَ الأرضَ بعد صيرورته معلونًا.
وفي أكثر الروايات: "نُهِيَ عن الاختصار في الصلاة"، ومعناهما واحدٌ، ولكن (الاختصار) بهذا المعنى مشهورٌ في اللغة، و(الخَصْر) لم يوجد في اللغة بهذا المعنى.
* * *
[ ٢ / ١٨٣ ]
٦٩٧ - وقالت عائشة: سَأَلْتُ رسولَ الله - ﷺ - عَنِ الالْتِفاتِ في الصَّلاةِ؟، فقالَ: "هُوَ اخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطانُ مِنْ صَلاةِ العَبْدِ"
قولها: "عن الالتفات في الصلاة " إلى آخره؛ يعني: مَن التفتَ في الصلاة يمينًا ويسارًا ولم يحول صدرَه عن القِبْلة لم تبطل صلاتُه، ولكن يسلب الشيطانُ كمالَ صلاته بأنْ حملَه على هذا الفعل، وإن حوَّلَ صدرَه عن القِبْلَة بطلت صلاتُه.
* * *
٦٩٨ - عن أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: "لَيَنْتهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ عِنْدَ الدُّعاءِ في الصَّلاةِ إلى السَّماءِ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُم".
قوله: "لَينتهيَنَّ أقوامٌ " إلى آخره، (الانتهاء): ترك الفعل، (الخَطْف): السَّلْب.
اعلم أن النظرَ إلى السماء عند الدعاء في الصلاة مكروهٌ؛ لأنه التفاتٌ، والالتفاتُ في الصلاة مكروهٌ، فلأجل هذا خوَّفَهم الرسولُ ﵇.
وأما في غير الصلاة فغيرُ مكروهٍ، ومعنى الإشارة عند الدعاء في الصلاة إلى السماء: نسبة العلو إلى الله تعالى، وليس معناه أن مكانه السماء، بل تعالَى وتقدَّس عن المكان.
قوله: "أو لَتخطفنَّ أبصارُهم": إشارة إلى أن مَن أَذنبَ بعضوٍ فَلْيَخَفْ أن يَلْحَقَ ذلك العضوَ عقوبةٌ، كما قال في موضع آخر: "أما يخشى الذي يرفع رأسَه قبلَ الإمام أن يجعلَ الله رأسَه رأسَ حمارٍ".
* * *
[ ٢ / ١٨٤ ]
٦٩٩ - عن أبي قَتَادَةَ الأَنْصارِي أنه قال: رَأَيتُ النبيَّ - ﷺ - يَؤُمُّ الناسَ وأُمامَةُ بنتُ أبي العاصِ عَلى عاتِقِهِ، فإذا رَكَعَ وَضَعَها، وإذا رَفَعَ مِنَ السُّجودِ أَعادَها، ويروى: رَفَعها.
قوله: "يؤمُّ الناسَ وأمامةُ بنتُ أبي العاص على عاتقه"، (أبو العاص): كان زوجَ زينبَ بنتِ رسولِ الله ﵇، و(أمامة) بنته منها، و(أبو العاص) اسم أبيه: الربيع بن عبد شمس.
وهذا دليلٌ على أن الفعلَ القليلَ لا يُبطل الصلاةَ، وفعلُه - ﷺ - هذا فعلٌ قليلٌ؛ لأنه إذا رفع رأسَه من السجود الثاني رفعَها وحملَها، وهذا فعلٌ واحدٌ، وإذا فرغ من القراءة وأراد الركوع وضعَها، وهذا الفعلُ واحدٌ، والفعلُ الواحدُ والاثنان لا يبطلان الصلاةَ وإن كان متواليَين.
وهذا الحديث يدل على طهارة بدن الصبي وثوبه، وعلى أن مَن حملَ حيوانًا جازت صلاتُه وإن كان باطنُه نجسًا إذا كانت النجاسةُ مستورةً خلقةً، بخلاف حمل قارورةٍ مصمَّمة الرأس وفيها نجاسةٌ.
ويدل أيضًا على حسن معاشرة الأولاد والرِّفق معهم، وقيل: لم يحملها النبي باختياره، بل كانت تركبُه.
* * *
٧٠٠ - وقال رسول الله - ﷺ -: "إذا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ في الصَّلاةِ فَلْيَكْظِمْ ما اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ الشَّيطانَ يَدْخُلُ في فيهِ".
قوله: "إذا تثاءَبَ أحدُكم في الصلاة " إلى آخره، تثاءب الرجل، وتثأَّب على وزن تفعَّل وتفاعَلَ: إذا فتح فاه من غلبة النوم أو الغفلة، أو كثرة امتلاء البطن، وكلُّ ذلك غيرُ مَرْضيٍّ، فلأجل هذا كُرِهَ التثاؤبُ، ومَن وجد هذا
[ ٢ / ١٨٥ ]
الشيء من نفسه "فَلْيكظمْه"؛ أي: فَلْيدفَعْه بأن يضمَّ شفتَيه، أو يضعَ يدَه على فمه.
قوله: "فإن الشيطانَ يدخله"؛ يعني: فإن لم يدفعه عن نفسه يغلب عليه الشيطان بأن يجعلَه معتادًا به، وإذا اعتاد بهذا ولم يكرهه فيعتاد بالضرورة بما يحصل منه هذا الشيء، من النوم والغفلة وكثرة الأكل، وكلُّ ذلك من غلبة الشيطان.
ومعنى (دخول الشيطان في فيه) هنا: غلبته، بجعله إياه معتادًا بما هو مكروهٌ في الشرع، ويحتمل أن يدخل في فمه للوسوسة، وخصَّ دخولَه في الفم مع أن له القدرةَ على الدخول في الإنسان من كل موضع؛ لأن الفمَ انفتح بشيءٍ مكروهٍ للشرع، وكلُّ عضوِ صَدَرَ منه فعلٌ مكروهٌ لاللشرع ففيه طريقٌ للشيطان.
* * *
٧٠١ - وقال رسول الله - ﷺ -: "إنَّ عِفْريتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ البارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلاتي، فَأَمْكَنَني الله مِنْهُ، فَأَخَذْتُهُ، فَأرَدْتُ أَنْ أَرْبطَهُ إلى سارِيَةٍ مِنْ سَواري المَسْجدِ حَتَّى تَنْظُروا إلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخي سُلَيْمانَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾، فَرَدَدْتُهُ خاسِئًا".
قوله: "إن عِفريتًا من الجن"، (العفريت): القوي الشرير.
"تفلَّت"؛ أي: فرَّ من الحبس، والمراد منه ههنا: أنه جاءني ليُوسوسَني ويشغلَني عن صلاتي.
"فأمكنني الله منه"؛ أي: قوَّاني وجعلني غالبًا عليه.
"السارية" الأُسطوانة، جمعها: سَوَارٍ بفتح السين.
قوله: "فذَكرتُ دعوةَ أخي سليمانَ ﵇"؛ يعني: كأن أخذَ الجن والحكمَ عليه لسليمان، وقد دعا سليمان - ﵇ - ألا يكونَ لأحدٍ مُلكٌ
[ ٢ / ١٨٦ ]
مثلُ ما كان له، فلو أخذتُه لكان لي ما كان لسليمان - ﵇ - من تسخير الجن، وحينَئذٍ لا يكون دعاؤُه مقبولًا، ولا يجوز أن يكون دعاؤُه مردودًا، فلأجل هذا ما أخذتُه.
"فرددتُه"؛ أي: دفعتُه عن نفسي "خاسئًا"؛ أي: محرومًا بعيدًا عن مراده.
* * *
٧٠٢ - وقال: "مَنْ نابَهُ شَيْءٌ في صَلاتِهِ فَلْيُسَبحْ، فَإنَّما التَّصْفيقُ لِلنِّساءِ".
٧٠٣ - وقال: "التَّسْبيحُ لِلرِجالِ، والتَّصْفيقُ لِلنِساءِ".
"نابه شيء"؛ أي: نزل عليه أمرٌ في الصلاة، مثل: أن يدعوه أحدٌ ويسأذنه في دخول البيت، ولم يعلم ذلك الأحد أنه في الصلاة فَلْيقُلْ المُصلِّي: سبحان الله؛ ليعلمَ ذلك الأحدُ كونَه في الصلاة، وإن كانت امرأةً فَلْتضرِبْ بطنَ كفِّها اليمنى على ظهر كفِّها اليسرى.
و"التصفيق": ضرب إحدى اليدَين على الأخرى.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٧٠٤ - قال عبد الله بن مَسْعود - ﵁ -: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلى النَّبيِّ - ﷺ - وهُوَ في الصَّلاةِ قَبْل أن نَأْتيَ أَرْضَ الحَبَشَةِ فَيَرُدَّ عَلَيْنا، فَلَمَّا رَجَعْنا مِنْ أَرْضِ الحَبَشَةِ أَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، حتَّى إذا قَضى صَلاتَهُ قالَ: "إنَّ الله تَعالى يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ ما يَشاءُ، وإنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لا تَكَلَّمُوا في الصَّلاةِ"، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ.
[ ٢ / ١٨٧ ]
قوله: "فردَّ عليَّ السلام": هذا دليلٌ على استحباب جواب السلام بعد الفراغ من الصلاة، وكذلك لو كان على قضاء الحاجة، أو قراءة القرآن وسلَّم عليه أحدٌ، فإذا فرغ من ذلك الشغل يُستحبُّ ردُّ السلام على مَن سلَّم عليه، ولا يجب؛ لأن السلامَ في هذه الأحوال غيرُ مسنونٍ.
* * *
٧٠٥ - وقال: "إنما الصلاةُ لِقِراءَةِ القُرآنِ، وذِكْرِ الله تعالى، فإذا كنتَ فيها فَلْيَكُنْ ذلكَ شَأْنُكَ".
قوله: "فليكنْ ذلك شأنُك"؛ أي: فليكن ما ذكرتُ لكل أمرك من الصلاة، لا غير ذلك من التكلُّم وغيره.
* * *
٧٠٦ - قال ابن عمر: قلتُ لِبلالٍ: كيفَ كانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حِينَ كانُوا يُسَلِّمونَ عَلَيْهِ وهُوَ في الصَّلاةِ؟، قالَ: كانَ يُشيرُ بِيَدِهِ.
قوله: "يشير بيده"؛ يعني: يشير بيده على رد السلام، وكذلك لو أشار برأسه أو بعينه، جازَ.
* * *
٧٠٧ - قال رِفاعَة بن رافِع: صَلَّيْتُ خَلْفَ رسولِ الله - ﷺ -، فَعَطَسْتُ، فَقُلْتُ: الحَمدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثيرًا طَيِّبًا مُبارَكًا فيهِ مُبارَكًا عَلَيْهِ كما يُحِبُّ رَبنا ويَرْضى، فَلمَّا صَلَّى النَّبيُّ - ﷺ - انْصَرَفَ فقال: "مَن المُتكَلِّمُ؟ "، قال رِفاعةُ: أنا يا رسول الله! قال: "وَالذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ ابْتَدَرَها بِضْعَةٌ وثَلاثونَ مَلَكًا أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِها".
[ ٢ / ١٨٨ ]
قوله: "فعَطَستُ، فقلت: الحمدُ لله حمدًا كثيرًا " إلى آخر هذا الحديث، يدل على أن مَن عطسَ في الصلاة جازَ له أن يقول: الحمد لله.
قوله: "مباركًا فيه ومباركًا عليه": كلاهما واحد، ولعل المراد منه أنواع البركة، والبركة: الزيادة.
* * *
٧٠٨ - وقال رسول الله - ﷺ -: "التَثاؤُبُ في الصَّلاةِ مِنَ الشَّيْطانِ، فإذا تَثَاءَبَ أَحَدكُم فَلْيَكْظِمْ ما اسْتَطَاعَ".
وفي روايةٍ: "فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلى فِيهِ".
قوله: "من الشيطان"؛ يعني: يحصل هذا من الغفلة أو كثرة الأكل والملالة، وكلُّ ذلك من الشيطان.
* * *
٧٠٩ - وقال: "إذا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضوءَهُ ثُمَّ خَرَجَ عامِدًا إلى المَسْجِدِ فَلا يُشَبكَنَّ بَيْنَ أَصابعِهُ، فإنَّهُ في الصَّلاةِ".
قوله: "فلا يُشبكنَّ بين أصابعه"؛ يعني: تشبيك الأصابع لا يليق بالخشوع، فلا يجوز في الصلاة، ومَن قصد الصلاة فكأنه في الصلاة في حصول الثواب له؛ فلا يُشبكَنَّ أصابعَه، وتشبيك الأصابع في غير الصلاة قد جاء عن النبي ﵇، كما يأتي في (باب سجود السهو).
رواه كعب بن عُجْرة.
* * *
[ ٢ / ١٨٩ ]
٧١٠ - وقال: "لا يَزالُ الله - تَعالى - مُقْبلًا عَلى العَبْدِ وَهُوَ في صَلاتِهِ ما لَمْ يَلْتَفِتْ، فإذا الْتَفَتَ أَعْرَضَ عَنْهُ" يَرويه أبو ذَرٍّ.
قوله: "مُقبلًا على العبد"؛ أي: ناظرًا إليه بنظر الرحمة وإعطاء الثواب.
* * *
٧١١ - وعن أنس - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال: "يا أَنَسُ!، اجْعَلْ بَصَرَكَ حَيْثُ تَسْجُدُ".
قوله: "يا أنسُ! اجعل بصرَك حيث تسجد"، اعلم أن المُستحَبَّ أن ينظرَ المُصلِّي في القيام إلى موضع السجود، وفي الركوع إلى ظهر القَدَم، وفي السجود إلى أنفه، وفي التشهُّد إلى حِجْره.
* * *
٧١٢ - وعن أنس قال: قال لي النبي - ﷺ -: "يا بنيَّ! إيَّاكَ والالتِفاتَ في الصلاةِ، فإنَّ الالتِفاتَ في الصَّلاةِ هَلَكَةٌ، فإنْ كانَ لا بُدَّ؛ فَفي التَّطَوُّعِ، لا في الفَريضَةِ".
قوله: "وإياك والالتفاتَ في الصلاة؛ فإن الالتفاتَ في الصلاة هَلَكَةٌ، فإن كان لا بد ففي التطوُّع لا في الفريضة". رواه أنس.
"وإياك": خطابٌ لأنس.
"هَلَكَة"؛ أي: طاعةٌ للشيطان، وطاعةُ الشيطانِ هلاكٌ للإنسان، والالتفاتُ إن كان بحيث يُحول الرجلُ صدَره عن القِبْلة يبطل الصلاةُ، وإلا لا يبطل الصلاة، ولكن يُكرَه ذلك وينقص الثواب.
[ ٢ / ١٩٠ ]
والالتفاتُ في صلاةِ النوافلِ أسهلُ من صلاة الفريضة؛ لأن زوالَ كمالِ صلاةِ النافلةِ أسهلُ من زوالِ كمالِ صلاةِ الفريضةِ.
* * *
٧١٣ - ورُوِيَ عن ابن عبَّاس: أنَّ رسول الله - ﷺ - كانَ يَلْحَظُ في الصَّلاةِ يَمينًا وشِمالًا، وَلا يَلْوي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ.
قوله: "يَلحَظ"؛ أي: ينظر.
"ولا يَلْوِي"؛ أي: ولا يصرف، والتفاته - ﵇ - إنما كان مرةً أو مراتٍ قليلةً؛ ليبينَ أن الالتفاتَ غيرُ مُبطِلٍ للصلاة إن كان لشيءٍ ضروريٍّ؛ لأنه لا يجوز أن يَنْهَى أُمتَه عن شيءٍ وهو يفعلُه لغير ضرورةٍ.
* * *
٧١٤ - عن عَدِيِّ بن ثابت، عن أبيه، عن جدِّه رفعَه قال: "العُطَاسُ، والنُّعاسُ، والتَّثاؤُبُ في الصَّلاةِ، والحَيْضُ، والقَيْءُ، والرُّعافُ مِنَ الشَّيطانِ".
قوله: "العُطاس والنُّعاس " إلى آخره، (النُّعاس): النوم الخفيف.
قوله: "من الشيطان"؛ يعني: هذه الأشياء بعضُها يبطل الصلاةَ وبعضُها يزيل الحضورَ في الصلاة، وكل ذلك مما يرتضيه الشيطان ويفرح به، وليس معناه: أن الشيطانَ يحمل الإنسانَ على هذه الأشياء؛ لأن هذه الأشياءَ طبيعيةٌ، ونجري على الإنسان بغير اختياره، والإشكالُ هنا في العُطاس؛ فإنه جاء في (باب العطاس): "إن الله يحب العُطاسَ ويكره التثاؤبَ"، فإذا كان كذلك فكيف يكون العُطاسُ مما يرتضيه الشيطان؟
تأويله: أن الرجلَ إذا عطسَ وقال: الحمد لله، يحبُّه الله، وإذا كان في
[ ٢ / ١٩١ ]
الصلاة زال عنه الحضور في الصلاة من أول مبادئ العطاس إلى أن يفرغَ منه، فيحب الشيطانُ زوالَ حضوره.
روى هذا الحديثَ "دينارٌ الأنصاريُّ" جدُّ عَدِيٍّ، ولم يَروِ دينارٌ غيرَ هذا الحديث، والحديثَ الذي في (باب الاستحاضة).
* * *
٧١٥ - عن مُطَرِّف بن عبدِ الله بن الشِّخِّير، عن أبيه قال: أتَيْتُ النَّبيَّ - ﷺ - وهُوَ يُصَلِّي، وَلِجَوْفِهِ أَزيزٌ كَأزيزِ المِرْجَلِ مِنَ البُكاءِ.
قوله: "كأزِيز المِرْجَل"؛ أي: كصوت غليان القِدْر.
واعلم أن البكاءَ في الصلاة جائزٌ إن لم يظهر منه حرفانِ، فإن ظهر حرفانِ تبطل الصلاةُ هذا عند الشافعي، وأما عند أبي حنيفة ﵀: إن كان البكاء من ذى الجنة والنار لا تبطل الصلاة، وإن كان لوجعٍ أو مصيبةٍ تبطل الصلاةُ إن ارتفع الصوتُ به.
روى هذا الحديثَ "مُطرِّف" بضم الميم وفتح الطاء وكسر الراء وتشديدها، وجده "شِخِّير" بكسر الشين والخاء وتشديدها، واسم أبي (شِخِّير): عوف بن كعب بن وقدان الحرَشي.
* * *
٧١٦ - عن أبي ذَرٍّ، عن رسول الله - ﷺ -: "إذا قامَ أَحَدُكم إلى الصَّلاةِ فَلا يَمْسَحْ الحَصا، فَإنَّ الرَّحْمَةَ تُواجِهُهُ".
قوله: "فلا يمسح الحَصَى " إلى آخره، (الحصى): الحِجَار الصِّغَار، واحدها: حصاة، يعني: الرحمةُ تُقبل عليه وتنزل عليه، فلا يليق اللعبُ
[ ٢ / ١٩٢ ]
بالحصى وغيرها عمن تنزل عليه الرحمة.
* * *
٧١٧ - وقالت أمُّ سَلَمَةَ: رَأَى النَّبيُّ - ﷺ - غُلامًا لنا يُقالُ لَهُ: أَفلَح، فإذا سَجَدَ نَفَخَ، فقال: "يا أَفْلَحُ!، تَرِّبْ وَجْهَكَ".
قولها: "إذا سَجَدَ نَفَخَ"؛ يعني: نَفَخَ في الأرض ليزولَ عنه الترابُ؛ ليَسجدَ.
"ترِّبْ"؛ أي: أَوصِلْ وجهَك إلى التراب؛ أي: اسجدْ على التراب؛ فإنه أعظمُ للثواب.
* * *
٧١٨ - وقال "الاخْتِصارُ في الصَّلاةِ راحَةُ أَهْلِ النَّارِ".
قوله: "الاختصارُ في الصلاة راحةُ أهل النار"، قيل: المراد بالاختصار هنا: الخَصْر في قوله: (نهى عن الخَصْر)، وقد ذُكر شرحُه في هذا الباب.
والمراد بأهل النار: اليهود؛ لأنه فعلُ اليهودِ، وقيل: الاختصار أن ينقصَ الرجلُ من أركان الصلاة ليفرغَ منها سريعًا، ولا شك أن نقصانَ أركان الصلاة مُوجِبٌ للنار.
* * *
٧١٩ - وقال "اقتُلوا الأَسْوَدَيْنِ في الصَّلاةِ: الحَيَّةَ، والعَقْرَبَ".
قوله: "اقتلوا الأسودَين " إلى آخره.
[ ٢ / ١٩٣ ]
"الحيةَ والعقربَ": بيان (الأسودَين)، ويجوز قتلُهما في الصلاة بضربةٍ أو ضربتَين.
* * *
٧٢٠ - وقالت عائشة ﵂: كانَ رسول الله - ﷺ - يُصَلِّي تَطَوُّعًا والبابُ عَلَيْهِ مُغْلَقٌ، فجئْتُ فَاسْتَفْتَحْتُ، فَمَشَى فَفَتَحَ لي، ثُمَّ رَجَعَ إلى مُصَلَاّهُ، وذَكَرَتْ أنَّ البابَ كانَ في القِبْلَةِ.
قولها: "فاستفتحت " إلى آخره؛ (استفتحت)؛ أي: طلبتُ فتحَ الباب.
هذا دليلٌ على أن الخطوةَ والخطوتَين في الصلاة لا تبطلها، وإنما علِمْنا أن رسولَ الله - ﵇ - خَطَا خطوةً أو خطوتَين ولم يزد على ذلك؛ لأنَّا علِمْنا من الشرع أن ثلاثَ خطواتٍ تُبطل الصلاةَ.
* * *
٧٢١ - عن عَليِّ بن طلق أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا فَسا أَحَدُكُم في الصَّلاةِ فلينصَرِفْ، فليتوضَّأ، وَلْيُعِدِ الصَّلاةَ".
قوله: "إذا فَسَا أحدُكم"؛ أي: إذا خرج منه ريحٌ.
* * *
٧٢٢ - وعن عائشةَ ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا أَحْدَثَ أَحَدُكم في صَلاتِهِ فَلْيَأْخُذْ بِأنْفِهِ، ثمَّ ليَنْصَرِفْ".
"إذا أَحدَثَ أحدُكم في الصلاة فَلْيَأخُذْ بأنفه، ثم لِيَنْصَرِفْ"؛ إنما أمرَه رسولُ الله - ﵇ - بأن يأخذَ يدَيه بأنفه ليُخيِّلَ للحاضرين أنه رعفَ،
[ ٢ / ١٩٤ ]
كيلا يخجلَ ويَستحي.
* * *
٧٢٣ - وقال: "إذا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ وَقَدْ جَلَسَ في آخِرِ صَلاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ جازَتْ صَلاتُهُ"، ضعيف.
قوله: "إذا أَحدَثَ " إلى آخره؛ يعني: إذا حصلَ حَدَثٌ لأحدكم وقد جلس في آخر صلاته بقَدْر التشهد تمَّت صلاتُه، وإن لم يقرأ التشهُّدَ وإن لم يُسلِّم.
وهذا مذهب أبي حنيفة ﵀، وعند الشافعي ﵀: بطلت صلاتُه؛ لأن التسليمَ عنده فرضٌ.
روى هذا الحديثَ عبدُ الله بن عمرَ - ﵄ -.
* * *