(باب ما يوجب الوضوء)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٠٢ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تُقْبَلُ صلاةُ مَنْ أحدثَ حتَّى يتوضَّأَ".
قوله: "أحدث"، أي: صار ذا حَدَثٍ، وهو ما يُبْطِلُ الوضوءَ، يعني: لا يقبل الله صلاةً بغير الوضوء، إلا إذا لم يجدِ الماء، ووجد التراب، فيقوم التيمُّمُ مَقامَ الوُضوء، وإن لم يجدِ المَاء والترابَ يصلَّي فَرْضَ الوقت وَحْدَها؛ لحرمةِ الوقت، ثم إن مات قبل وُجْدانِ الماء أو التراب لم يكن عليه إثمٌ، وإن لم يَمُتْ حتى وجد الماءَ أو التراب يقضي تلك الصلاة.
* * *
٢٠٣ - وقال: "لا تُقْبَلُ صلاةٌ بغيرِ طُهُورٍ، ولا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ"، رواه ابن عمر - ﵄ -.
[ ١ / ٣٥٦ ]
قوله: "بغير طُهُور"، بضم الطاء؛ أي: بغير توضُّؤ.
قوله: "ولا صَدَقَةٌ من غُلُول"، (الغلول): الخيانة في الغنيمة، يعني: لا تُقْبَل صدقةٌ من مالٍ حرامٍ.
* * *
٢٠٤ - وقال علي - ﵁ -: كنتُ رجلًا مَذَّاءً، فكنتُ أَستحي أنَّ أسألَ النبيَّ - ﷺ -، فأَمرتُ المِقْدادَ فسألَهُ، فقال: "يَغسِلُ ذكَرَهُ ويتوّضأُ".
قوله: "كنت رجلًا مَذَّاءً"، (المَذَّاءُ) بتشديد الذال وبالمد: كثيرُ خُروجِ المَذْيِ من ذَكَرِه.
والمَذْيُ: ماءٌ رقيقٌ يَخْرُجُ من الذَّكَرِ عند ملاعبة الرجلِ امرأته، وعند النظر بالشهوة إليها.
قوله: "فكنت أستحيي"، يعني: استحييت أن أسأل النبيَّ - ﵇ - عن حكم المذي: هل هو موجب الغسلَ أم لا؟، وهل نجس أم لا؟.
فأمرتُ المِقْدَادَ حتى سألَ النبي - ﵇ - عن حُكْمِ المَذْيِ، وإنما استحيى أمير المؤمنين عليٌّ - كرَّمَ الله وجهَه - أنَّ يسأل النبي - ﵇ - عن المَذْيِ؛ لكون فاطمة بنتِ النبي - ﵇ - زوجتَه.
قوله: "يَغْسِلُ ذَكَرَه"، يعني: لا غُسْلَ عليه من المَذْيِ، بل هو نَجَسٌ يَغْسِلُ ذكرَه منه ويتوضَّأ؛ لأنه يُبْطِلُ الوضوء.
و(المقداد): هو ابن عمرو الكندي، وكنيته: أبو سعيد، ويقال: المقداد ابن الأسود، نُسِبَ إلى الأسود بن عبد يغوثَ بن وهبِ بن عبد مَناف؛ لأنه قد تَبناه وهو صغير.
* * *
[ ١ / ٣٥٧ ]
٢٠٥ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "توضَّؤوا مما مَسَّتِ النَّارُ"، وهذا منسوخٌ بما روي:
٢٠٦ - عن عبد الله بن عباس - ﵄ -: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - أكلَ كَتِفَ شاةٍ ثمَّ صلَّى ولم يتوضَّأ.
قوله: "توضَّؤوا"، (التوضُّؤ): طَلَبُ الوَضَاءَة، وهو الحُسْن والنظافة، والمستعمَلُ في الشرع: غَسْلُ الأعضاء الأربعةِ للصلاة.
ويقال لغسل الكفين: التوضُّؤُ أيضًا؛ فيَحْتَمِلُ ها هنا أن يريد - ﷺ - به غسل الكفين؛ لإزالة الرائحة الكريهة، والزُّهُومة.
ويحتمل أن يريدَ به الوضوءَ المعروفَ، ثم يحتمل أن يريدَ به الوضوء على سبيل الاستحباب، وعلى سبيل الوجوب؛ فإن كان معناه: الوضوء على سبيل الوجوب؛ فمنسوخ بحديث ابن عباس وغيرِه مما يُذْكَرُ بعد هذا: "وما مسته النار" هو الذي أَثَّرت فيه النار وغَيَّرَتْه، كاللَّحم والدبس والسكر والسَّوِيق والخبز، وغير ذلك.
وذهب بعضُ أهلِ العِلْم إلى إيجاب الوضوءِ مما مسَّتْه النار، وكان عمر بن عبد العزيز يتوضَّأُ من أَكْلِ السُّكَّر.
* * *
٢٠٧ - وعن جابر بن سَمُرة - ﵁ -: أنَّ رَجُلًا سألَ رسولَ الله - ﷺ -: أنتوضَّأُ مِنْ لُحُومِ الغَنَمِ؟ قالَ: "إنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وإن شِئْتَ فَلا"، وقال: أَنَتَوضَّأُ مِن لُحُومِ الإبِلِ؟، قالَ: "نعم". قال: أُصَلِّي في مَرابِضِ الغَنَمِ؟ قال: "نعم"، قال: أُصَلِّي في مبارِكِ الإِبِلِ؟ قال: "لا".
قوله: "أَتَوَضَّأُ من لحوم الغنم"، أصله: أأتوضأ بهمزتين، الأُولى همزة
[ ١ / ٣٥٨ ]
الاستفهام، والثانية همزة نَفْسِ المتكلِّم، فحُذفت همزةُ الاستفهام؛ لدلالة الحالِ عليها، وكذلك في قوله: "أتوضَّأُ من لحوم الإبل".
وفي بعض النسخ: (أيتوضَّأُ) بالياء بعد همزة الاستفهام، وهذا غَلطٌ؛ لأنا طلَبنا هذا الحديث في "الصحاح"، وكان بالهمزة، ولم يكن بعد الهمزة ياء.
والوضوء من أكل لحم الإبل واجبٌ عند أحمدَ بن حنبل، وأما عند أكثر الفقهاء؛ فالمراد: غَسْلُ الكَفَّين.
وإنما أمر رسول الله - ﵇ - بغسل الكفين من أَكْلِ لَحْمِ الإبل؛ لأن له رائحةً كريهةً، بخلاف لَحْمِ الغنم.
قوله: "أأصلي في مرابض الغنم"، (المرابض): جمع مَربِض، بفتح الميم وكسر الباء، وهو موضع الرُّبُوض، والرُّبُوض للغنم كالاضطجاع للإنسان، وكالبُرُوك للجمل.
و(المبارك): جمع مَبْرَك، بفتح الميم والراء وهو موضع البُرُوك، يعني: الصلاة في موضعٍ يكونُ فيه الغنم غيرُ مكروه، وفي موضع الإبل مَكْرُوه؛ لأن الرجلَ لا يَأمَنُ من نِفَار الإبل، فيلحقُه منها صَدْمة، فلا يكونُ له حضورٌ في الصلاة، وهذا الخوف لا يكون من الغنم.
وكنية جابر: أبو عبد الله، وقيل: أبو خالد، واسم جده: عمرو بن جُنْدب.
* * *
٢٠٨ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسولَ الله - ﷺ -: "إذا وجدَ أَحَدُكُمْ في بَطْنِهِ شيئًا فَأَشْكَلَ عليهِ، أخَرَجَ منهُ شيءٌ أمْ لا؟ فلا يخرُجَنَّ مِنَ المَسجِدِ حتى يسمَعَ صَوْتًا أو يجدَ ريحًا".
[ ١ / ٣٥٩ ]
قوله: "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئًا"، يعني: إذا تردَّدَ في بطنه ريحٌ، وشَكَّ: هل خرجَ منه ريحٌ أو لم يخرج؟، الهمزة في (أَخَرَجَ) للاستفهام.
قوله: "فلا يَخْرُجَنَّ من المسجد"، يعني: إذا شكَّ هل بطل وضوؤه أم لا؟ فلا يخرُجَنَّ من المسجد للتوضُّؤ؛ لأنه لا يبطل وضوءه؛ لأن الوضوء كان متيقنًا؛ فلا يبطل بالشك.
قوله: "حتى يسمع صوتًا"، أي: صوتَ ريحٍ خرجَ منه.
قوله: "أو يجد ريحًا"، أي: رائحةَ ريحٍ خرجَ منه، يعني: حتى يتيقَّن بُطْلَانَ وضوئه.
* * *
٢٠٩ - وقال عبد الله بن عباس - ﵄ -: إنَّ رسولَ الله - ﷺ - شَرِبَ لَبنًا، فمَضْمَضَ وقال: "إنَّ لهُ دَسَمًا".
قوله: "فمَضمَضَ"، أي: غَسَلَ فمه.
"وقال: إن له دسمًا"، أي: إنما غسلتُ فمي؛ لأن لِلَّبن دسمًا؛ أي: زُهُومَةً وأثرًا في الفم، فالسُّنَّةُ غَسْلُ اليدين والفمِ عند أكلِ شيءٍ له زُهومةٌ وبقاء أثر في الفم واليد.
* * *
٢١٠ - عن بُرَيدَة: أنَّ النبيَّ - ﷺ - صلَّى الصَّلواتِ يومَ الفَتْح بِوُضُوءٍ واحدٍ، ومسحَ على خُفَّيْهِ.
قوله: "صلى الصلوات"، الألف واللام فيها لاستغراق الجنس، و"يوم الفتح": نصب على الظرف، يعني: صلى جميع الصلوات المفروضة والمسنونة في يوم فتح مكة بوضوءٍ واحد، وهذا دليلٌ على أنَّ مَنْ قَدِرَ أنَّ يصلِّيَ صلواتٍ كثيرةً
[ ١ / ٣٦٠ ]
بوضوء واحدٍ لا تُكرَهُ صلاتُه بشرط ألَّا يغلبَ عليه البولُ أو الغائط، فإن غَلبَا عليه تُكْرَهُ صلاتُه.
قوله: "ومسح على خفيه"، دليلٌ على جواز المَسْحِ على الخُفَّين.
كنية بُرَيْدَة: أبو عبد الله، واسم أبيه: الحُصَيْبُ بن عبد الله بن الحارث.
* * *
٢١١ - وعن سُويد بن النُّعمان: أنَّهُ خرجَ معَ رسولِ الله - ﷺ - عامَ خيبرَ حتَّى إذا كانوا بالصَّهْبَاءِ - وهيَ أدنى خَيْبر - نزلَ، فصلَّى العصرَ، ثمَّ دعا بالأزْوادِ فلم يُؤْتَ إلَّا بالسَّويقِ، فَأَمرَ بِهِ فثُرِّيَ، فأَكَلَ رسولُ الله - ﷺ - وأكَلنا، ثمَّ قامَ إلى المَغربِ فَمَضْمَضَ ومَضْمَضْنَا، ثمَّ صلَّى ولم يَتوضَّأْ.
قوله: "كانوا"، أي: كان رسول الله - ﵇ - وأصحابه - ﵃ -.
"بالصَّهْباء"، أي: نازلين وحاصِلين بهذا الموضع.
"أدنى خَيْبر"، أي: قريبٌ من خيبر، و(أدنى): أفعل التفضيل، كأن معناه: أقربُ قُرَى خيبر إلى خيبر.
قوله: "ثم دعا بالأَزْواد"، أي: طلب ما كان معهم من الزاد ليأكلوا.
"فلم يُؤْتَ إلا بالسَّوِيق"، أي: فلم يَحْضُر إلا بالسَّوِيق.
"فأمر به"، أي: فأمر رسول الله - ﵇ - القومَ ببَلِّ السَّوِيق.
"ثُرِّيَ": ماضٍ مجهولٌ من ثرَّى يثرِّي تثرية: إذا بل السَّوِيقَ وغيرَه، وإنما بلَّ رسولُ الله - ﵇ - السَّوِيقَ؛ لأنَّ المبلولَ أسهلُ في الأكل وأنفَعُ.
جَدُّ سُويد: مالك بن عائذ بن مَجدَعة بن جُشَم بن حارثة، وهو أنصاري.
* * *
[ ١ / ٣٦١ ]
٢١٢ - وقال: "لا وُضُوءَ إلَّا مِنْ صَوْتٍ أو رِيحٍ"، رواه أبو هريرة - ﵁ -.
قوله: "لا وضوء"، أي: لا وضوء واجبٌ على الرجل إلا إذا سمعَ صوتَ ريحٍ خرجَ منه.
"أو ريح"، أي: رائحة ريحٍ خرجَ منه، يعني: لا يَبْطُلُ الوضوءُ إلا بيقينٍ، وسماعُ الصوتِ ووجدانُ الريحِ غيرُ مشروطين؛ لأن الرجلَ قد يكون أصمَّ فلا يَسْمَعُ الصوتَ، وقد يكون أَخْشَمَ، وهو الَّذي في أنفه انسدادٌ لا يدرِكُ الشَّمَّ.
وليس معنى هذا الحديث: أنه لا يبطلُ إلا بالصوت أو بالريح، بل مبطلاتُ الوضوء أكثرُ من هذا كما ذكر في كتب الفقه.
وإنما معنى هذا الحديث: أنه لا يبطلُ الوضوءُ بالشك.
* * *
٢١٣ - وقال: "مِنَ المَذْيِ الوُضوءُ، ومِنَ المَنيِّ الغُسْلُ"، رواه علي.
قوله: "من المذي "، إلى آخره.
أي: من خروج المَذْيِ يجب التوضُّؤ، ومِن خروج المَنِيِّ يجبُ الاغتسال.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢١٤ - وقال: "مِفْتَاحُ الصَّلاةِ الطُّهُورُ، وتحريمُهَا التَّكبيرُ، وتحليلُها التسليمُ"، رواه علي.
قوله: "مفتاح الصلاة"، و(المفتاح): ما يُفْتَحُ به الباب، وهو سببُ دخولِ الدار، يعني: سببُ الدخولِ في الصلاة: الوضوءُ.
[ ١ / ٣٦٢ ]
التحريم: الدخول في الصلاة.
قوله: "وتحريمها التكبير"، يعني: لا يجوزُ الدخول في الصلاة إلا بقول: (الله أكبر) مقارَنًا بالنية، وسُمي الدخولُ في الصلاة تحريمًا؛ لأنه يحرِّمُ الكلامَ والضربَ والمشيَ والأكلَ وغيرَ ذلك على المصلِّي.
التحليلُ: جَعْلُ شيءٍ محرَّمٍ حلالًا.
قوله: "وتحليلها التسليم"، يعني: الخروج من الصلاة يكون بالتسليم، والتسليم من الصلاة واجبٌ عند الشافعي، ومستحَبٌّ عند أبي حنيفة - ﵄ -، وعنده: إذا جلسَ في آخر الصلاة بقَدْر التشهُّد، ثم فعل ما يناقِضُ الصلاةَ كالكلام، وإبطال الوضوء وغير ذلك؛ فقد تمَّتْ صلاتُه، ولا حاجةَ إلى التسليمِ عنده.
* * *
٢١٥ - وقال: "إذا فَسَا أحدُكُمْ فَلْيَتَوضَّأْ".
قوله: "إذا فسا"، فسا يفسو فَسْوًا: إذا خرجَ الريحُ التي لا صوتَ لها من أسفل الإنسان.
رواه علي بن أبي طالب - ﵁ -.
* * *
٢١٦ - وقال: "وِكاءُ السَّهِ العَيْنَانِ فمَنْ نامَ فَلْيَتَوضَّأ"، رواه علي - ﵁ -.
قال الشيخ الإمام ﵀: وهذا في غير القاعد لِمَا صحَّ:
قوله: "وكاء السَّهِ العينان"، (الوِكَاءُ) بكسر الواو: ما يُشَدُّ به رأسُ الكيس وغيره، و(السَّهُ): الدُّبُر، وأصلُه: سَتَهٌ بفتح السين والتاء فحُذِفَت التَاءُ، يعني: حِفْظُ الدُّبُر من خروج الريحِ إنما يكونُ إذا كان الرجلُ يقظانَ، وليس بنائم، فأما
[ ١ / ٣٦٣ ]
إذا نام فليتوضأ؛ لأنه ربما خرجَ منه ريحٌ، وليس له علم بذلك.
(قال الشيخ)، أراد بالشيخ محيي السنة، قوله: (هذا في غير القاعد)؛ يعني: هذا الحكمُ الذي إذا نام الرجلُ فلْيتوضَّأْ فيمن نامَ مضطجِعًا، فأمَّا مَن نام قاعدًا ممكِّنًا مَقْعَدَه من الأرض، ثم استيقظ ومقعده مُمَكَّنٌ من الأرض كما كان، فلا يبطلُ وضوؤه، وإن طال نومه؛ لأن أصحاب رسول الله - ﵇ ورضي الله عنهم - يجلسون في انتظار صلاة العشاء، وينامون قاعدين حتى تَخْفِقَ رؤوسهم من النوم، ثم يصلُّون بذلك الوضوء، ولا يجدِّدون الوضوء.
* * *
٢١٨ - عن أنس قال: كانَ أصْحابُ النبي - ﷺ - ينتظِرُونَ العِشَاءَ، فينامُونَ حتَّى تخفِقَ رُؤوسُهم، ثم يُصلُّونَ ولا يتوضَّؤُونَ.
"خَفَقَ"، بفتح العين في الماضي، وضمَّها وكسرِها في الغابر، خَفَقَانًا: إذا تحرَّكَ العلم والشجر يمينًا وشمالًا من الريح ها هنا: مَيْلُ الرأس إلى كلِّ جانبٍ من النوم.
* * *
٢١٩ - وعن ابن عباس - ﵄ -، عن النبيِّ - ﷺ -: "إنَّ الوُضوءَ على مَنْ نامَ مُضْطَجعًا، فإنَّهُ إذا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ".
قوله: "إن الوضوء"، يعني: وجوب التوضُّؤ على النائم الَّذي ينام، وهو راقدٌ ومضجع على جنبه؛ لأنه إذا اضطجعَ على جنبه فَتَرتْ وضَعُفَتْ أعضاؤه، وانفتح مقعدُه، فحينئذ لو خرج منه شيءٌ لم يعلمْ بخروجه، بخلاف ما إذا نام ومقعده ممكَّنٌ من الأرض.
[ ١ / ٣٦٤ ]
قوله: "استرختْ مفاصلُه"، استَرْخَى يَسْتَرْخِي: إذا فترَ وضعف.
(المفاصل): جمع مِفْصَل، وهو رؤوس العظام والعُرُوق، وهو معروف.
* * *
٢٢٠ - وعن بُسْرةَ ﵂ قالتْ: قال - ﷺ -: "إذا مسَّ أحدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ".
قوله: "إذا مسَّ أحدُكم ذكرَه"، واعلم أنَّ العلماء اختلفوا في انتقاض الوضوء بمسِّ الفَرْج:
فقال الشافعي - ﵁ -: إذا مسَّ الرجلُ ذَكَرَه أو ذَكَرَ غيرِه ببطنِ الكفِّ والأصابع يبطُلُ وضوؤه، وكذلك المرأة إذا مَسَّتْ فَرْجَ نفسِها، أو فرَج امرأةٍ غيرِها يبطُلُ وضوؤُها، وكذلك مذهب أحمد.
إلا أنه يقول: المَسُّ بظهر الكفِّ وبالساعد مبطلٌ أيضًا.
وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله: مَسُّ الفَرْجِ لا يُبطِلُ الوضوء.
بُسرة بنت صفوان بن نوفل بن أسد، وهي قرشية.
* * *
٢٢١ - وما رُوي عن طَلْق بن عليٍّ: أنَّ النبيَّ - ﷺ - سُئِلَ عنهُ فقال: "هَلْ هُوَ إِلَّا بَضْعةٌ مِنْكَ؟ "، منسوخٌ؛ لأن أبا هريرة - ﵁ - أسلَم بعد قُدوم طَلْق.
قوله: "سئل عنه"، أي: عن الذكر، يعني: سئل: هل يبطلُ الوضوءُ بمسِّ الذكر؟ فأجابه رسول الله بقوله: "هل هو إلا بَضعةٌ مِنْك".
(البَضعة) بفتح الباء: قطعةُ لحمٍ، يعني: لا يَبطلُ الوضوءُ بمسِّ الذَّكَر كما لا يَبطُلُ بمسِّ سائر الأعضاء، ولأنه قطعة منه كالخِصية والفَخِذ وغيرهما.
[ ١ / ٣٦٥ ]
أفضى: إذا وصل، وأفضى به: إذا أوصله.
* * *
٢٢٢ - وقد روى أبو هريرة عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "إذا أَفْضَى أحدُكُمْ بِيَدِهِ إلى ذكَرِهِ ليسَ بينَهُ وبينها شيءٌ فليتوضَّأْ".
قوله: "ليس بينه"، أي: بين ذَكَرٍ وبينَها، أو بين يدِه، "شيءٌ"؛ أي: ثوبٌ أو غيره، يعني: إذا أوصلَ يدَه إلى ذَكَرهِ من غير حاجزٍ فليتوضَّأْ.
قول محيي السنة في حديث طلق: أنه منسوخٌ، إنما قال هذا؛ لأن الخَطَّابيَّ هكذا قال، ودليلُ كونه منسوخًا أن طلقَ بن عليٍّ أتى رسولَ الله - ﵇ - حين [كان] يبني مسجد المدينة، وبنيَ في السنة الأولى من الهجرة، وأسلم أبو هريرة عام خيبر، وهو في السَّنَة السابعة من الهجرة.
وقد روى أبو هريرة: "إذا أفضى أحدكم " إلى آخره.
فحديث أبي هريرة يَحْكُمُ ببطلان الوضوء بمسِّ الذَّكَر، وحديث طَلْقٍ يحكُمُ بأنه لا يبطلُ الوضوءُ بمسِّه، وهما متناقضان، وكل حديثين متناقضين يكون المتأخِّرُ منهما ناسخًا للمتقدِّم.
وقال أصحاب أبي حنيفة: يحتمل أنَّ طَلْقَ بن عليًّ عاد إلى رسول الله - ﵇ - بعد إسلام أبي هريرة؛ فعلى هذا التقدير يكونُ حديثُ طَلْقٍ ناسخًا لحديث أبي هريرة، فقد تعارضَ احتمالُ كَوْنِ حديثِ طَلْقٍ ناسخًا ومنسوخًا.
واذا تعارضَ الاحتمالان سقطَ الاحتجاجُ بحديثِ طَلْقٍ وأبي هريرة كليهما.
ونعود إلى قول الصحابة، فنعملُ بقولهم.
وقول علي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي الدرداء وحذيفةَ وعمارِ بن ياسر ﵃ أجمعين: أنه لا يبطل الوضوء بمسِّ الذكر؛ فوافقَ قولُ أبو
[ ١ / ٣٦٦ ]
حنيفةَ أقوالَ هؤلاء من الصحابة.
وقال عمر وابنه وابن عباس وسعد بن أبي وقاص وأبو هريرة وعائشة: إنه يَبْطُلُ الوضوءُ بمسِّه؛ فوافق الشافعيُّ أقوالَ هؤلاء.
وجَدُّ طلق بن علي: طلق بن عمرو.
وقيل: بل جده قيس بن عمرو الحنفي اليماني.
* * *
٢٢٣ - وعن عائشة ﵂ قالت: كانَ النبيَّ - ﷺ - يُقَبِّلُ بعضَ أزواجِهِ، ثُمَّ يُصلِّي ولا يتوضَّأْ. ضعيف.
قوله: "يقبل بعض أزواجه"، واعلمْ أنَّ العُلَماء اختلفوا في بطلان الوضوء بلمس النِّساء؛ فقال أبو حنيفة ﵀: لا يبطل الوضوءُ بلمس النساء بدليل هذا الحديث.
وقال الشافعي وأحمد: يبطلُ الوضوء بلمس النساء الأجنبيات.
وروي هذا القول عن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن مسعود.
وعند مالك: يبطل إذا لمسَ بالشهوة، فإن كان بغير شهوةٍ فلا يَبْطُل.
* * *
٢٢٤ - وعن ابن عباس - ﵄ - قال: أكلَ رسولُ الله - ﷺ - كَتِفًا، ثمَّ مسحَ يدَهُ بمِسْحٍ كانَ تحتَهُ، ثمَّ قامَ وصلَّى.
قوله: "أكل رسول الله - ﵇ - كَتِفًا": أراد به كَتِفَ شاةٍ مشويًّا.
(المِسح): بكسر الميم: كساء.
وهذا الحديث يدلُّ على أنَّ أَكْلَ ما مسَّته النارُ لا يبطلُ الوضوءَ.
* * *
[ ١ / ٣٦٧ ]
٢٢٥ - وعن أُم سلمة ﵂: أنَّها قرَّبتْ إلى النبيِّ - ﷺ - جَنْبًا مَشْوِيًّا، فأَكلَ منهُ، ثمَّ قامَ إلى الصَّلاةِ وما توضَّأَ منه.
قوله: "جنبًا مشويًا"، أي: جنب شاةٍ مشوي.
وهذا الحديث أيضًا يكون صريحًا في نسخ توضُّؤ مما مسَّته النار.
"أم سلمة" زوجة النبي ﵇، واسمها: هند بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية.
* * *