(باب تسوية الصف)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٧٧٤ - عن نُعمان بن بَشيرٍ - ﵁ - قال: كانَ رسولُ الله - ﷺ - يُسَوِّي صُفوفَنا حَتَّى كَأَنَّما يُسَوِّي القِدَاحَ، فَرَأَى رَجُلًا بادِيًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِ، فقال: "عِبادَ الله!، لَتُسَوُّنَّ صُفوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ الله بَيْنَ وُجوهكم".
قوله: "كأنما يُسوِّي القِدَاحَ"، (القِدَاح) جمع (القِدْح) بكسر القاف، وهو السهم قبل أن يُراشَ ويُركَّبَ فيه النصل.
"باديًا صدرُه"؛ أي: ظاهرًا ومتقدمًا صدره "عن صدور القوم".
"أو لَيُخالِفَنَّ الله بين وجوهكم"؛ يعني: أدبُ الظاهرِ علامةُ أدبِ الباطن، فإن لم تتفقوا في الظاهر ولم تطيعوا أمرَ الله وأمرَ رسوله يقع من شؤم المخالفة اختلافٌ وكدورةٌ في قلوبكم، بحيث يَسرِي اختلافُ قلوبكم وكدورتُها إلى ظاهركم، فيقع بينكم عداوةٌ بحيث يُعرض بعضُكم عن بعضٍ.
فهذا هو المراد بأن يُخالِفَ الله الوجوهَ، ويحتمل أن يريد به: تقبيح الله وجوههم بشؤم مخالفة الرسول ﵇، كمَن قال فيمَن رفع رأسه قبل الإمام: "أما يَخشَى أن يحول الله رأسَه رأسَ حمارٍ".
* * *
٧٧٥ - وقال: "أَقِيمُوا صُفوفَكُمْ وتَرَاضُّوا، فإنِّي أَراكُم مِنْ وَراءِ ظَهْرِي".
وفي روايةٍ: "أَتِمُّوا الصُّفوفَ".
[ ٢ / ٢٢٣ ]
قوله: "أَقِيمُوا صفوفَكم"؛ أي: سوُّوا وأَتِمُّوا صفوفَكم، "وتراصُّوا"؛ أي: لِيَقرُبْ كلُّ واحدٍ منكم بجنب صاحبه، بحيث تتصل مناكبُكم تراصَّ الشيئان إذا انضمَّا ولزقَ أحدُهما بالآخر.
قوله: "فإني أراكم من وراء ظهري"؛ يعني: لا تقفوا متفرِّقين؛ يعني: كونوا مستوِين في الصف ولا تظنُّوا أني لم أَرَكم، بل أراكم من وراء ظهري كما أرى من قُدَّامي؛ وهذه من المعجزة.
* * *
٧٧٦ - وقال: "سَوُّوا صُفوفَكُمْ فَإنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفوفِ مِنْ إقامَةِ الصَّلاةِ".
وفي روايةٍ: "مِنْ تَمامِ الصَّلاةِ".
قوله: "من إقامة الصلاة"؛ أي: من إتمام الصلاة وإكمالها؛ يعني: تسويةُ الصفوف من أمر الشريعة كالصلاة، وبها يحصل الثواب.
* * *
٧٧٧ - وقال "أبو مَسْعودٍ الأَنِصارِي - ﵁ -: كانَ النبيُّ - ﷺ - يَمْسَحُ مَناكِبنا في الصَّلاةِ، ويَقُولُ: "اسْتَوُوا، وَلَا تَخْتَلِفوا فَتَخْتَلِفَ قُلوبُكُم".
قوله: "يمسح مَنَاكِبنا"؛ أي: يضع يدَه على مناكبنا ليُسوِّيَ مناكبنا في الصف.
* * *
٧٧٨ - عن أبي مَسْعودٍ الأنصاري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لِيَلِني مِنْكُمْ أُولو الأَحْلَامِ والنُّهى، ثُمَّ الذينَ يَلونَهُم، ثم الذين يلونهم - ثلاثًا - وَإيَّاكُمْ وَهَيْشاتِ الأَسْواقِ".
[ ٢ / ٢٢٤ ]
قوله: "لِيَلِيني": حقُّ هذا اللفظ أن يكون بغير ياء بعد اللام الثانية؛ لأنه أمرٌ من (وَلِيَ يَلِي): إذا قَرُبَ، والياء تسقط في الجزم، ولكن رُوي هذا اللفظ بالياء من كتب "المصابيح"، ولعل هذا سهوٌ من الكاتب، أو كتبه بالياء ليُعلَم أصلُه، ثم قرأه الناس بالياء.
"الأحلام" جمع: حِلْم، وهو السكون والوقار، وهم البالغون، و"النُّهَى" جمع: نُهْيَة، وهي العقل؛ يعني: لِيَقفِ العقلاءُ وذوو الوقار قريبًا مني؛ ليحفظوا صلاتي، وإن حصل لي سهوٌ يخبروني، وأجعل واحدًا منهم خليفتي إن احتجتُ إلى الخليفة، ولأن العقلاءَ وذوي الوقار أَولى بالتقديم من غيرهم.
قوله: "ثم الذين يلونهم"؛ يعني: لِيَقفْ في الصف الأول مَن هو أكثرُ علمًا وعقلًا، ثم مَن هو أدنى منه في العلم والعقل يقف في الصف الثاني، ثم مَن هو أدنى مِن أهل الصف الثاني يقف في الصف الثالث.
قوله: "وإياكم وهَيشاتِ الأسواق"، (الهَيشات) جمع: هَيشة، ويجوز: هَوشة، وهي الموضع الذي فيه كثرةُ رفعِ الأصوات واختلاطُ الناس من كل صنف؛ يعني: احذروا من أن تقفوا مختلطًا العالِم والجاهِل من غير تمييز، ويحتمل أن يكون معناه: احذروا من أن تصلُّوا في الأسواق وفي الموضع الذي لا يكون لكم فيه حضورٌ من كثرة الأصوات.
* * *
٧٧٩ - وعن أبي سَعيدٍ الخُدْرِي - ﵁ -: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - رَأَى في أَصْحَابهِ تأَخُّرًا، فقالَ لَهُمْ: "تَقَدَّمُوا وائْتَمُّوا بي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، لا يَزالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمْ الله".
قوله: "رأى في أصحابه تأخُّرًا"، معنى هذا الحديث كمعنى الحديث
[ ٢ / ٢٢٥ ]
المتقدم في أن معناه: ليقفِ العلماءُ والعقلاءُ خلفي، ومَن دونهم ليقفوا في الصف الثاني، فأهل الصف الثاني كأنهم يقتدون بالصف الأول في الظاهر لا في الحكم؛ لأن في الحكم كلهم مقتدون بالإمام.
ويحتمل أن يكون معناه: لِيتعلَّمْ كلُّكم مني الصلاةَ وغيرَها من أحكام الشريعة، ولْيَتعلَّمِ التابعون منكم، وكذلك يتعلَّم قرنٌ مِن قرنٍ إلى آخر الدنيا.
قوله: "حتى يُؤخِّرَهم الله" في دخول الجنة؛ يعني: لِيَكُنِ الرجلُ مسرعًا حريصًا في الخيرات، فمَن تأخَّر عن الخيرات تأخَّر عن الثواب ودخول الجنة.
* * *
٧٨٠ - وقال جَابرُ بن سَمُرَةَ - ﵁ -: خَرَجَ عَلَيْنَا رسولُ الله - ﷺ - فَرَآنا حِلَقًا، فقالَ: "مَا لي أَرَاكُم عِزينَ؟ "، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فقالَ: "أَلَا تَصُفُّونَ كما تَصُفُّ الملائِكَةُ عِنْدَ رَبها؟ "، فَقُلْنَا: يا رَسولَ الله!، كيفَ تَصُفُّ المَلائِكَةُ عِنْدَ رَبهَا؟، قالَ: "يُتِمُّونَ الصُّفوفَ الأُولى، ويَتَرَاصُّونَ في الصَّفِّ".
قوله: "فرآنا حِلَقًا " إلى آخره، (الحِلَق) بفتح اللام: جمع (حلقة)، (فرآنا حِلَقًا)؛ يعني: فرآنا جلوسًا حلقةً حلقةً، كلُّ حلقةٍ في جانب المسجد.
"عزين" جمع: عِزَة بتخفيف الزاء، وهي الجماعة المتفرقة؛ يعني: لِمَ جلستُم متفرقين؟!
"ويتراصُّون"؛ أي: يتلاصقون بحيث تتصل مناكبُهم.
* * *
٧٨١ - وقال رسولُ الله - ﷺ -: "خَيرُ صُفوفِ الرِّجالِ أَوَّلُها، وشَرُّهَا آخِرُها، وخَيْرُ صُفوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرُّها أَوَّلُها".
[ ٢ / ٢٢٦ ]
قوله: "خيرُ صفوفِ الرجالِ أولُها، وشرُّها آخرُها، وخيرُ صفوفِ النساء آخرُها وشرُّها أولُها"؛ يعني: الرجالُ مأمورون بالتقدُّم؛ فمَن هو أكثرُ تقدُّمًا فهو أشدُّ تعظيمًا لأمر الشرع، فلا جَرَمَ يحصل له من الفضيلة ما لا يحصل لغيره، وأما النساءُ فمأموراتٌ بأن يَحتجبن من الرجال؛ فمَن هي أكثرُ تقدُّمًا فهي أقربُ إلى صف الرجال، فتكون أكثرَ تركًا للاحتجاب، فلا جَرَمَ هي شرٌّ من النساء اللاتي تكون في الصف الأخير.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٧٨٢ - قال: "رُصُّوا صُفوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَها، وحاذُوا بالأَعْنَاقِ، فَوالذي نَفْسي بِيَدِهِ!، إنِّي لأرَى الشَّيْطانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّها الحَذَفُ".
قوله: "رُصُّوا صفوفَكم"؛ أي: ضمُّوا مناكبَكم، "وقارِبُوا بينها وحاذوا بالأعناق"؛ أي: لِتَكُنْ أعناقُكم بعضُها محاذيةً لبعضٍ، ولا يتقدَّمْ بعضُها على بعضٍ.
"الخَلَل": الفُرجة التي تكون بين الشخصَين في الصف.
"الحَذَف" بالحاء غير المعجمة ويالذال المعجمة: غَنَم سُود صِغَار من غنم الحجاز، واحدها: حَذَفَة.
الضمير في "كأنها" راجعٌ إلى مقدَّر؛ أي: جعلَ نفسَه شاةً أو ماعزةً كأنه الحَذَف.
* * *
٧٨٣ - وقال: "أَتِمُّوا الصَّفَّ المُقَدَّمَ، ثُمَّ الذي يَليهِ، فما كانَ مِنْ نقَصٍ فَلْيَكُنْ في الصَّفِّ الآخِر".
[ ٢ / ٢٢٧ ]
قوله: "الذي يليه"؛ أي: الصف الذي بعده.
* * *
٧٨٤ - وقال: "إنَّ الله وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الذينَ يَلونَ الصُّفوفَ الأُولى، وَمَا مِنْ خُطْوَةٍ أَحَبُّ إلى الله مِنْ خُطْوَةٍ تَمْشيها تَصِلُ بها صَفًا".
قوله: "يَلُونَ"؛ أي: يَقرُبون ويتقدَّمون إلى الصف الأول.
روى هذا الحديثَ البراء بن عازب.
* * *
٧٨٦ - وقال النُّعمانُ بن بَشِير - ﵁ -: كانَ رسولَ الله - ﷺ - يُسَوِّي صُفوفَنا إذا قُمْنَا إلى الصَّلاةِ، فَإِذا اسْتَوينَا كَبَّرَ.
قوله: "يُسوِّي صفوفنا": هذا الحديث يدل على أن السُّنَّةَ للإمام أن يُسوِّيَ الصفوفَ، ثم يكبر.
* * *
٧٨٧ - وروي: أنَّهُ كانَ يقولُ عَنْ يَمينِهِ: "اعْتَدِلُوا، سَوُّوا صُفوفَكُمْ"، وعَنْ يَسارِهِ: "اعْتَدِلُوا، سَوُّوا صُفوفَكُمْ".
"اعتدلوا"؛ أي: استَقِيمُوا.
* * *
٧٨٨ - وقال: "خِيارُكم أَلْيَنُكُم مَناكِبَ في الصَّلاةِ".
قوله: "خيارُكم أَليَنُكم مناكبَ في الصلاة"، معنى (لين المَنْكِب) هنا: أن الرجلَ إذا كان في الصف وأمرَه أحدٌ أن يستويَ في الصف، أو يضعَ يدَه على مَنْكِبه
[ ٢ / ٢٢٨ ]
ليستويَ يطيعُه، ولو أراد أحدٌ أن يدخلَ في الصف يتركُه حتى يدخلَ في الصف ولا يمنعُه.
وقال الخطابي: معنى (لين المنكب): السكون والخشوع في الصلاة؛ والوجه الأول أليق بهذا الباب.
* * *