(باب أدب الخلاء)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٢٦ - عن أبي أَيُّوب الأنصاري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا أتيتُمُ الغائطَ فلا تستقبِلُوا القِبلَةَ، ولا تَسْتَدْبِرُوهَا، ولكنْ شرِّقُوا أو غرِّبُوا".
قال المصنف: هذا الحديث في الصَّحراء، أما في البنيان فلا بأْس به، لِمَا رُوي:
قوله: "إذا أتيتم الغائط"، (الغائط): ما يخرجُ من دُبُرِ الإنسان.
"شرقوا"؛ أي: وجِّهوا وجوهَكم إلى الشرق، "أو غرَّبوا"؛ أي: وجَّهوا وجوهكم إلى الغرب، يعني: إذا جلستم لقضاء الحاجة فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن استقبلوا يمينَ القِبلة أو يسارَها.
اسم أبي أيوب: خالد بن كُليب بن ثعلبة بن عبد مناف.
قوله: "هذا في الصحراء"، يعني: النهيُ عن استقبال القبلةِ واستدبارِها
[ ١ / ٣٦٨ ]
عند قضاءِ الحاجةِ يكونُ في الصحراءِ، إما إذا كان في بيتٍ، أو من وراء جدار؛ فلا بأس؛ لأن عبد الله بن عمر ارتقى؛ أي: صعد فوق بيت أخته حفصة، وهي زوجة النبي ﵇، فرأى رسولَ الله - ﵇ - يقضي حاجَته.
* * *
٢٢٧ - عن عبد الله بن عُمر - ﵄ - قال: ارْتَقَيْتُ فوقَ بيتِ حَفْصَةَ بنت عمر لبعضِ حاجَتي، فرأيتُ رسولَ الله - ﷺ - يَقْضي حاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةِ مُستقبِلَ الشَّأْمِ.
"مستدبر القبلة"، أي: مستقبل الشام؛ أي: مستقبل بيت المقدس، وذلك كان في بنيان.
فعند الشافعي: استقبالُ القبلة واستدبارها غيرُ محرَّمٍ في البنيان.
وعند أبي حنيفة ﵀: يستوي الصحراء والبنيان في تحريم استقبال القبلة أو استدبارها.
* * *
٢٢٨ - وقال سلمان - ﵁ -: نَهانا - يعني رسولَ الله - ﷺ - أنْ نستقبِلَ القِبلَةَ بغائطٍ أو بَوْلٍ، أو أنْ نستنجِيَ باليمينِ، أو أنْ نستنجيَ بأقلَّ مِنْ ثلاثةِ أحجارٍ، أو أنْ نستنجِيَ برَجِيعٍ أو عظمٍ.
قوله: "نهانا " إلى آخره.
(أو) في هذا الموضع ليس للشك، بل للعطف، ومعناه معنى الواو، يعني: نهانا عن جميع هذه الأشياء، والنهيُ عن الاستنجاء باليمين نهيُ تنزيهٍ وكراهة، لا نهيُ تحريم.
[ ١ / ٣٦٩ ]
والاستنجاء بثلاثة أحجار واجبٌ عند الشافعي، فلو حصلَ النَّقَاء بأقلَّ من ثلاثة أحجار؛ لزمه استعمالُ تمام ثلاثة.
وعند أبي حنيفة: فلو حصلَ النقاءُ بواحدٍ واثنين لا حاجة إلى استعمال الزيادة.
(الرجيعُ): السِّرْجِينُ، سُمِّيَ رَجِيعًا؛ لرجوعه من حال الطهارة إلى حال النجاسة، هكذا ذكر الخَطَّابي.
وأما (العَظْم): ذكر الخطابي أنه لا يجوز الاستنجاءُ بعظم ميتةٍ ولا مُذَكَّاة.
قيل: في علة النهي عن الاستنجاء بالعظم أنه أملسُ لا يُزيلُ النجاسة.
وقيل: علته أنه يمكن مصُّه أو مضغه عند الحاجة؛ فهو مطعوم.
وقيل: لأن النبي - ﵇ - قال في العظم: "زاد إخوانكم من الجن".
كنية سلمان: أبو عبد الله، وهو مولى رسول الله، ويعرف سلمان الخير، وهو من الفارس، وقيل: هو من أصفهان من رام هرمز، من قرية يقال لها: حَجْر.
* * *
٢٢٩ - وعن أنس - ﵁ - قال: كان رسولُ الله - ﷺ - إذا أرادَ أنْ يَدخلَ الخَلاءَ قال: "اللهمَّ إنَّي أعوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ والخَبائِثِ".
قوله: "من الخبث والخبائث"، (الخُبُث) بضم الباء: جمع خبيث، وهو المؤذي من الجِنِّ والشياطين.
والخُبْثُ بسكون الباء: الشرُّ.
ويجوز أن يكون الخُبْث - بسكون الباء - مثلَ الخُبُث بضمها؛ لأنه يجوز
[ ١ / ٣٧٠ ]
إسكان العين من (فعل) مضمومة الفاء والعين للتخفيف.
وأما الخبائث: جمع خبيثة، وهي الأنثى المؤذيةُ من الجن.
وإنما عاذ رسول الله من الجن والشياطين عند دخول الخلاء؛ لأن الخلاء مأوى الشياطين والجن.
* * *
٢٣٠ - وقال ابن عباس - ﵄ -: مَرَّ النبيُّ - ﷺ - بقبرَيْنِ فقال: "إنَّهما يُعذَّبان، وما يُعذَّبانِ في كبيرٍ، أما أحدهما فكانَ لا يستبرِئُ مِنَ البَوْلِ - ويروى: لا يستنْزِهُ مِنَ البَوْلِ - وأما الآخرُ فكانَ يمشي بالنَّمِيمةِ"، ثمَّ أخذَ جَريدةً رطبةً فشقَّها بنصفَين، ثمَّ غرزَ في كُلِّ قبرٍ واحدةً، وقال: "لَعَلَّهُ أنْ يُخفِّفَ عنهُمَا ما لمْ يَيْبَسَا".
قوله: "وما يعذبان في كبير"، (الكبير): الثقيلُ والشديد، يعني: يعذَّبان بسبب ذنبين لم يكن احترازه منهما ثقيلًا؛ لأنه لو كان شيئًا يَشُقُّ عليه الاحترازُ منه؛ لكان معذورًا فيه، ولم يكن له عذابًا، كسَلِسِ البول والمستحاضة؛ فإن ثوبيهما نَجِسان يُصَلِّيان معهما، ولم يكن لهما بذلك إثمٌ؛ لأنهما يشقُّ عليهما الاحترازُ من النجاسة.
ولا يجوز أن يقال: المراد بالكبير ها هنا: الكبيرة من الذنوب؛ لأنه حينئذ يكون معناها: أن النميمة وتركَ الاحتراز من البول ليسا من الكبائر في حقِّ الذي لا يستبرئ ولا يسْتَنْزِه، ومعناهما: لا يحترز ولا يُبْعِدُ من البول.
قوله: "يمشي بالنميمة"، يعني: يمشي إلى كل واحد من الشخصين اللَّذَين بينهما عداوة، ويلقي بينهما العداوة بأن ينقلَ إلى كلِّ واحدٍ منهما ما يقولُ الآخر من الشَّتْم والإيذاء.
[ ١ / ٣٧١ ]
قوله: "ثم أخذ جريدة رطبة"، (الجريدة): غصنُ النخل، يعني: أخذ رسول الله - ﵇ - جريدةً رطْبةً فشقَّها نصفين، فغرز كل نصف على قبر وقال: "لعله أن يخفِّف" ويُزالَ عنهما العذابُ ما دام هذان النِّصفان رَطْبين.
وسبب تخفيف العذاب عنهما "ما لم ييبسا": أنه - ﵇ - سألَ الله أنَّ يخفَّفَ عنهما العذاب هذا القَدْر؛ لوصول بركته إليهما؛ لأنه رحمةٌ، لا يمرُّ بموضع إلا أصابه بركتُه، وليس تخفيفُ العذاب عنهما بخاصية الجَرِيد الرَّطْب؛ لأن الجَمَاداتِ ليس بعضُها أولى من بعض، فالرَّطْبُ مثلُ اليابس.
وإنما الفضيلة بتفضيل الله بعضَ الجمادات كالكعبة والمساجد، ولم يثبُتْ نصٌّ في تفضيل الرَّطْب على اليابس، هكذا ذكر الخَطَّابي وغيرُه من فحول العلماء.
* * *
٢٣١ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "اتَّقُوا اللَّاعِنِينَ"، قالوا: وما اللَّاعِنَانِ يا رسول الله؟ قال: "الَّذي يتخلَّى في طريقِ النَّاسِ أو في ظِلِّهِمْ".
قوله: "اتقوا"، أي: احذروا واجتنبوا.
"اللَّاعِنَين"، أي: الأمرَين اللذين هما سببا اللعنة، يعني: احذروا أن تفعلوا هذين الشيئين.
سُمِّيَ الشيءُ الَّذي هو سببُ اللَّعنةِ لاعنًا؛ لأنه إذا حصلت اللعنة بسببه، فكأنه هو اللاعن.
قوله: "الَّذي يتخلّى"، ها هنا: المضاف محذوف، يعني: أحدُهما تَغَوُّطُ الَّذي يَتَغوَّطُ في طريق الناس، والثاني: تَغَوُّطُ الَّذي يَتغوَّطُ في ظِلِّهم.
[ ١ / ٣٧٢ ]
(التخلِّي): التغوُّطُ، والمراد بـ (الظلِّ) ها هنا: الظِّلُّ الَّذي يجلس فيه الناس للتحدث، إما ظلُّ شجر، أو جدار بعيد لا يجلسُ فيه الناس، ولا يمرُّون به، يجوز التغوُّطُ فيه إذا لم يكنْ تحت شجرة مثمرةٍ.
* * *
٢٣٢ - وقال - ﷺ -: "إذا شَرِبَ أحدُكُم فلا يتنفَّسْ في الإِنَاءِ وإذا أَتى الخَلاءَ فلا يَمسَّ ذكرَهُ بيمينِهِ، ولا يتمسَّحْ بيمينِهِ"، رواه أبو قَتادة.
قوله: "فلا يتنفس"، أي: فلا يخرجْ نفسَه في الظَّرْف، بل إذا أراد التنفُّسَ، فليَدْفَعْ فمَه عن الإناء ويتنفس ويستريح، ثم يشرب.
وعلةُ النهي عن التنفس في الإناء؛ لتغيُّرِ ما في الإناء بنفسه.
قوله: "فلا يمسَّ ذكَره بيمينه"، يعني: لا يضع يده اليمنى على ذَكَره، ولا يأخذه بيمينه عند الاستنجاء وغيره؛ لأن اليد اليمنى شريفة لا يستعملُها إلا في المواضع الشريفة، كالوجه والرأس وغيرهما.
قوله: "ولا يتمسحْ بيمينه"، أي: ولا يستنجِ بيمينه.
فإن قيل: كيف يستنجي بالحَجَر؛ فإنْ أخذَ الحجر بشماله، والذَّكَر بيمينه؛ فقد مسَّ ذكَره، وهو منهيٌّ، وإن أخذَ الحَجَر بيمينه، وأخذ الذَّكَر بشماله؛ فقد يَمْسَحُ بيمينه، وهو منهي.
قلنا: طريقه أن يأخذ الذَّكَر بشماله، ويمسحَه على جدار أو حجر كبير بحيث لا يستعمل يمينه، لا في أخذ الذَّكَر، ولا في أخذ الحَجَر.
واسم "أبي قتادة": الحارث بن رِبْعي الأنصاري.
* * *
[ ١ / ٣٧٣ ]
٢٣٣ - وقال: "مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ"، رواه أبو هريرة - ﵁ -.
قوله: "فليستنثر"، أي: فليخرِجْ نَفَسَه من أنفه عند الاستنشاق حتى يخرجَ ما فيه من المخاط والتغيُّر.
قوله: "استجمر"، أي: استنجى بالجَمْرَة، وهي الحجر.
"فليوتر"، أي: فليستنجِ وِتْرًا ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا، (أوتر): إذا جعل الشيء وِتْرًا.
* * *
٢٣٤ - وقال أنس - ﵁ -: كانَ رسولُ الله - ﷺ - يدخلُ الخَلاءَ، فأَحمِلُ أنا وغُلامٌ إداوَةً مِنْ ماءٍ وَعَنَزَةً، يستنجي بالماءِ.
قوله: "يدخل الخلاء"، (الخلاء) بالمدِّ: الموضعُ الَّذي يقضي الإنسانُ فيه حاجتَه.
"فأحمل أنا وغلام"، يعني: أحملُ أنا الإداوةَ، والغلامُ العَنَزَة، أو أحملُ أنا العَنَزَة، والغلامُ الإداوةَ.
(الإداوة): ظَرفٌ من جِلْدٍ يتوضَّأُ منه.
العَنَزَةُ بفتح العين والنون: رمحٌ قصيرٌ، وإنما يَحْمِلُ العَنَزَة معه؛ ليحفر الأرضَ، ويُليِّنَ التراب؛ ليبولَ في موضعٍ لَيِّن، كيلا يصيبَه الرَّشَاش.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٣٥ - عن أنس - ﵁ - قال: كان النبيُّ - ﷺ - إذا دخلَ الخلاءَ نزَعَ خاتَمَهُ. غريب.
[ ١ / ٣٧٤ ]
(من الحسان):
قوله: "نزع خاتمه"، أي: أخرجَ خاتمه من إصبَعه قبلَ دخوله الخَلاء؛ لأن اسمَ الله مكتوبٌ عليه.
* * *
٢٣٦ - وقال جابر - ﵁ -: كان النبيُّ - ﷺ - إذا أرادَ البَرَازَ انطلقَ حتَّى لا يراهُ أَحَدٌ.
قوله: "إذا أراد البَراز"، (البَراز) بفتح الباء: الذهابُ إلى قضاء الحاجة.
"انطلق"، أي: ذهبَ، يعني: إذا أراد الخروج إلى قضاءِ الحاجة في الصحراء أَبْعَدَ في المشي، حتى وصل إلى موضعٍ لا يراه أحدٌ، ثم يجلس.
* * *
٢٣٧ - وقال أبو موسى: كنتُ معَ النبيِّ - ﷺ - ذاتَ يومٍ، فأرادَ أنْ يبولَ، فأتى دَمْثًا في أصلِ جِدارٍ فبالَ، ثم قال: "إذا أرادَ أحدُكُمْ أنْ يبولَ فليرتَدْ لبَولِهِ".
قوله: "ذات يوم"، أي: يومًا، و(الذات): زيادة.
"فأتى دَمِثًا" الدَّمِثُ: الموضع اللَّيِّن، يعني: جلس في موضعٍ لَيِّنٍ في أصل جدار، فبال، ولم يجلِسْ في موضعٍ صُلْبٍ كيلا يصيبَه الرَّشَاش، وذلك الجدار لم يكن ملكًا لأحد، بل كان عاديًّا؛ أي: كان للكفار الماضية، وإنما لا يجوزُ أن يكونَ مُلْكَ مُسلِمٍ؛ لأن البولَ يَضُرُّ الجدارَ؛ لأن البولَ مالحٌ يجعلُ الترابَ سَبِخًا، ويجعله خَرِبًا، ولا يجوز الإضرارُ بملك المسلم من غير إذن مالكه.
[ ١ / ٣٧٥ ]
قوله: "فليرتَدْ لبوله"، ارتاد يرتادُ: إذا طلبَ، وهو افتعالٌ مِن رادَ يَرُودُ رَوْدًا: إذا طلب، يعني: ليطلبْ موضعًا ليِّنًا للبَوْل، كيلا يرجعَ إليه الرَّشَاش.
* * *
٢٣٨ - وقال أنس - ﵁ -: كانَ النبيُّ - ﷺ - إذا أرادَ الحاجةَ لمْ يَرْفعْ ثوبَهُ حتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأرضِ.
قوله: "إذا أراد الحاجة"، يعني: إذا أراد قضاءَ الحاجة لم يكشِفْ عورتَه، حتى يقرُبَ من الأرض، ويستوي فيها الصحراءُ والبنيان؛ لأن رَفْعَ الثوبِ كَشْفٌ للعورة، وكشفُ العورة لا يجوزُ في الخَلْوة والصحراء، إلا عند الحاجة والضرورة.
ولا ضرورةَ في رَفْع الثوب قبل أنَّ يقرُبَ من الأرض عند الجلوس لقضاء الحاجة.
* * *
٢٣٩ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إنَّما أنا لَكُمْ مِثْلُ الوالِدِ، فإذا ذَهَبَ أحدُكُمْ إلى الغائِطِ فلا يستقبِلَ القِبْلَةَ، ولا يَسْتَدْبِرْها لغائطٍ ولا لِبَوْلٍ، ولْيستنْج بِثلاثةِ أحجارٍ"، ونهى عَنِ الرَّوْثِ والرِّمَّةِ، وأنْ يستنجِيَ الرَّجُلَ بيمينِهِ.
فوله: "إنَّما أنا لكم مثلُ الوالد"، يعني: أنا لكم مثلُ الأبِ في الشفقة والرحمة، وتعليمِكم الخير، وما فيه صلاحُ دينكم ودنياكم.
ويحتمل أنه إنما قال هذا؛ ليحصلَ بينهم وبينه انبساطٌ، ويرتفعَ عنهم الحياءُ الذي يمنعُهم عن سؤال المسائل الدينية.
قوله: "ونهى عن الرَّوْثِ والرِّمَّة"، (الروث): السِّرْجِينُ، و(الرِّمَّة) بتشديد
[ ١ / ٣٧٦ ]
الميم: العظم البالي، والمراد بالرِّمَّةِ هنا: مطلَقُ العَظْمِ باليًا أو غير بالٍ، يعني: نهاهم عن الاستنجاء بشيءٍ نَجِسٍ، وبالعَظْم.
* * *
٢٤٠ - وقالت عائشة ﵂: كانَتْ يدُ رسولِ الله - ﷺ - اليُمنى لطُهورِهِ وطَعامِهِ، وكانتْ يدُهُ اليُسْرى لخلائِهِ وما كانَ مِنْ أذَى.
قوله: "كانت يدُ رسول الله - ﵇ - اليمنى"، يعني يستعملُ رسولُ الله يدَه اليمنى فيما لا خِسَّةَ فيه؛ كالوضوء والأكل والشرب وغير ذلك، ويَستعملُ يدَه اليسرى فيما فيه خِسَّةٌ كالاستنجاء وغَسْلِ النجاسة وغَسْلِ القدمين، وغيرِ ذلك.
والمراد بقولها: "وما كان من أذى"، ما كان فيه خِسَّةٌ كما قلنا.
* * *
٢٤١ - وقالت عائشة ﵂: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا ذهبَ أحدُكُمْ إلى الغائطِ فليذْهَبْ معَهُ بثلاثةِ أحجارٍ يَسْتَطِيب بهنَّ، فإنَّها تُجْزِئُ عنْهُ".
قوله: "إذا ذهب أحدكم إلى الغائط"، (الغائط): الموضعُ المنخفِض، والمراد منه هنا: الخلاءُ، سمِّيَ الخلاءُ غائطًا لأنَّ عادةَ أهل الصَّحَارى قضاءُ حوائجهم من التغوُّطِ في الموضع المنخفِضِ كيلا يراهم أحد، والغائطُ أيضًا: الحَدَث.
أطلقوا اسمَ الموضع المنخفض - وهو الغائط - على الحدث الَّذي يخرجُ منهم في ذلك الموضع، والباء في "بثلاثة أحجار" للتعدية، يعني: فليأخذْ بثلاثة أحجار.
[ ١ / ٣٧٧ ]
"يستطيب بهن"، أي: يستنجي بهن، "فإنها"، أي: فإن الأحجار الثلاثة "تجزئ"، أي: تكفي عنه؛ أي: عن الاستنجاء، ولا حاجةَ له إلى الاستنجاء بالماء.
* * *
٢٤٢ - وقال - ﷺ -: "لا تَسْتَنْجُوا بالرَّوْثِ ولا بالعِظامِ، فإنَّها زادُ إخوانِكُمْ مِنَ الجنِّ"، رواه ابن مسعود - ﵁ -.
قوله: "لا تستنجوا بالرَّوْث ولا بالعظام، فإنه زادُ إخوانكم"، (الرَّوْثُ): السِّرْجِينُ، وشرح هذا الحديث يُعلَمُ من حديثٍ آخرَ.
وهو: أن ابن مسعود - ﵁ - روى: أن جماعةً من الجِنِّ أتوا رسول الله ﵇، وقالوا: يا رسول الله! اِنْهَ أمتَك أنَّ يستَنْجُوا بالرَّوْث والعَظْم والحُمَمة، فإن الله جعل لنا فيها رزقًا، فنهى النبي - ﵇ - عن الاستنجاء بها.
فقد وجدنا في "دلائل النبوة" التي صنفها الحافظ أبو نعيم رحمة الله عليه: أن الجنَّ قالوا لرسول الله - ﵇ - ليلةَ الجن: أعطِنا هديةً، فقال رسول الله ﵇: "أعطيتُكم العَظْم والرَّوْث".
فإذا وجد الجِنُّ عظمًا أو روثًا جُعِلَ العَظْمُ كأنْ لم يؤكلْ منه لحم، فيأكلُه الجِنُّ، وجُعِلَ الرَّوْثُ شعيرًا إن كانت تلك الدابة أَكَلَتِ الشعير، وتِبنًا إن أكلت التِّبن، وغير ذلك من العَلَف، فَيعْلِفون دوابَّهم، وذلك معجزة رسول الله ﵇.
وهذا إذا لم يستنجِ أحدٌ بالعظم والرَّوْث، وأما إذا استنجى به أحدٌ لم يكن للجِنِّ فيهما نَفْعٌ.
والحُمَمَةُ - بضم الحاء -: الفَحْم.
* * *
[ ١ / ٣٧٨ ]
٢٤٣ - وقال رُوَيْفِع بن ثابت - ﵁ -: قال لي رسولُ الله - ﷺ -: "يا رُوَيْفِعُ! لعلَّ الحياةَ ستطولُ بكَ بعدي، فأخبِر النَّاسَ أنَّ مَنْ عَقدَ لحيتَهُ، أو تَقَلَّدَ وَتَرًا، أو استنجى برجيعِ دابَّةٍ أو عظمٍ فإن محمدًا منه بَرِيءٌ".
قوله: "لعل الحياةَ ستطولُ بك بعدي"، يعني: لعلَّكَ تعيش بعدي مدة، فأخبر الناسَ أنَّ من فعل شيئًا من هذه الأشياء.
"فأنا منه بريء"، لأنه فعل فِعلًا لم آمرْه به، وليس من سُنَّتي، وهذا تهديدٌ ومبالغةٌ في الزَّجْر عن فِعْلِ هذه الأشياء.
"من عَقَدَ لحيتَه"، كان عادة العرب في الجاهلية وفي الأعاجم أيضًا: أنهم يَعْقِدُون اللِّحيةَ في الحرب، وبعضهم يَلْوِي لِحْيَتَه ويجعلُه جَعْدًا.
فنهى النبي - ﵇ - أمتَه من هذه؛ لأن هذا تغييرُ خَلْقِ الله، وأَمَرَهم باستعمالِ المِشْط، وإصلاحِ الشَّعْر للزينة؛ لأن الإنسانَ ينبغي أن يكونَ حَسَنَ الصُّورة.
قوله: "أو تقلَّد وَتَرًا"، كان عادةُ أهلِ الجاهليةِ: أنهم يَجعلونَ في رِقابِ دوابِّهم الوَتَرَ، وَيزْعُمون أنَّ الوَتَرَ يدفعُ العَين، ويحفظ من الآفات، فنهى النبي - ﵇ - أمتَه عن هذا؛ لأنه لم يدفعْ شيءٌ الآفةَ سوى الله وكلامِه، كما جاء في (باب الرقية بكلام الله).
ويحتمل أن يريد بالنهي عن تقليد الوَتَر: الاحترازَ عن اختناقِ الدابة بالوَتَر؛ أي: يَعْصِرُ الوَتَرُ عنقَها فتموتُ.
ويحتمل أن يريد بتقليد الوَتَر: ما يَجعلُ جماعة من القَلَنْدَرِيَّة في أعناقهم من الحَلْقة والخيوط، فإن هذا تغييرُ خلقِ الله بما لم يأتِ به الشَّرْع.
(الرجيع): السِّرْجِينُ.
[ ١ / ٣٧٩ ]
"رُوَيْفع بن ثابث" بن سكن بن عدي بن حارثة الأنصاري.
* * *
٢٤٤ - وعن أبي هُريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "مَنِ اكْتَحَلَ فليُوْتِرْ، مَنْ فَعَلَ فقدْ أَحسنَ، وَمَنْ لا فلا حَرَجَ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فليُوتِرْ، مَنْ فعلَ فقدْ أحسنَ ومَنْ لا فلا حرجَ، ومَنْ أكلَ فما تخلَّلَ فليلفِظْ، وما لاكَ بلسانِهِ فَلْيَبْتَلِعْ، مَنْ فعلَ فقدْ أحسنَ، وَمَنْ لا فلا حَرَجَ، ومَنْ أتَى الغائِطَ فليستَتِرْ، فإنْ لم يَجِدْ إلَّا أنْ يجمَعَ كَثيبًا مِنْ رَمْلٍ فليستدْبِرْهُ، فإنَّ الشَّيطانَ يلعبُ بمَقاعِدِ بني آدمَ، مَنْ فَعَلَ فقدْ أحسَنَ، ومَنْ لا فَلَا حرجَ".
قوله: "من اكتحل فليوتر"، أي: من جعل الكُحْلَ في عينيه، فليكنْ عددُ الأميال وِتْرًا، في كل عين ثلاثة أميال أو خمسة، ولو جعل في كلِّ عينٍ ميلًا واحدًا جاز.
قوله: "من فعل فقد أحسن"، يعني: فقد أحسَن بأن أطاعني، وأتى سنتي، ومن لا فلا حرَج؛ أي: ومن لم يفعلْ وِتْرًا، بل فعل شَفْعًا في كلِّ عينٍ ميلين فلا إثمَ عليه؛ لأن الإيتار ليس بواجب.
قوله: "ومن استجمر فليوتر"، ذُكِرَ معنى هذا، وقولُه عقيبَ هذا: "من فعل فقد أحسن"؛ أي: ومن استنجى وِتْرًا فقد أحسنَ بأن أطاعني وأتى سنتي، ومَنْ لا فلا حَرَجَ؛ أي: ومن لم يستنجِ وِتْرًا فلا خرَجَ عليه؛ لأن الإيتارَ سُنَّةٌ، وليس بواجب.
هذا فيما زاد على الثلاث إذا لم يحصُلِ النَّقاء بالثلاث؛ لزمَه الزيادةُ على الثلاث، ثم إن حصل النَّقاء بالشفع فهو مخيَّرٌ بين أن يقتصرَ على الشفع، وبين أنَّ يزيدَ عليه، حتى يختم بالوتر، فأما إذا حصلَ بحجر أو بحجرين، فهل
[ ١ / ٣٨٠ ]
يلزمه الثلاث أم لا؟.
فيه خلافٌ بين الشافعي وأبي حنيفة رحمهما الله، وقد ذكر في أول هذا الباب.
قوله: "فما تخلَّلَ"، أي: فما أخرجَها بالخِلَال من بين أسنانِه.
"فليلفظه"، أي: فليُسْقِطْه؛ لأنه ربما يخرج معه دَمٌ؛ لأن الخِلَال قد يجرَحُ بين الأسنان.
"وما لاك بلسانه"، أي: ما أخرجَه بلسانه مِن بينِ أسنانه.
"فليبتلِعْ"، أي: فليأكلْه؛ لأنه لا يخرجُ معه دمٌ؛ لأن اللسان لَيِّنٌ لا يَجْرَحُ ما بين الأسنان.
لاك يلوك لوكًا: إذا مضغ.
"من فعلَ فقد أحسن"، يعني: من فعل هذه السنةَ فقد أحسن، ومن لم يفعلها بأنْ أكلَ ما أخرجه بالخِلَال، فلا حرجَ عليه؛ لأنه لم يتيقَّنْ خروجَ الدَّمِ معه، وإن تيقَّنَ خروجَ الدَّمِ يَحْرُمْ أكلُه؛ لأن الدَّمَ حرامٌ بالإجماع.
قوله: "فإن لم يَجدْ إلا أنَّ يَجْمَعَ كَثِيبًا"، (الكثيب): الرملُ المجتمعُ، يعني: فإن لم يَجِدْ سُتْرةً، فليجمَعْ من التراب والرمل قَدْرًا كثيرًا ويَقْعُدْ وراءه، كيلا يراه أحد.
قوله: "فإن الشيطانَ يلْعَبُ بمقاعِدِ بني آدم"، يعني: فإن الشيطانَ يَحْضُرُ الرَّجُلَ إذا قضى حاجتَه؛ لأنَّ الرجلَ في هذا الوقت لا يَذْكُرُ الله، فإذا خلا الرَّجُلُ مِن ذِكْرِ الله يَحْضُرُه الشيطانُ، ويأمره بالسوء، فكذلك عند قضاء الحاجة يأمرُه بكَشفِ العَوْرة، وفي البول في الموضع الصُّلْب، ومستقبل الرِّيح؛ ليصيبَه رَشَاشُ البول، فكلُّ ذلك لَعِبُ الشيطان ببني آدم، فأمَر النبيُّ أمتَه بستْرِ العورة، ومخالفة الشيطان.
[ ١ / ٣٨١ ]
قوله عقيب هذا: "من فعل فقد أحسن"، يعني: من جمع كثيبًا من رَمْلٍ، وقعد خلفَه؛ فقد أحسنَ بإتيان السنة، ومن لم يجمعْ كثيبًا، بل قعدَ في الصحراء من غير سَتْرٍ فلا حَرَجَ؛ لأن الستر عند قضاء الحاجة في الصحراء غيرُ واجبٍ إذا لم يَرَه أحدٌ.
* * *
٢٤٥ - وقال: "لا يبُولَنَّ أحدُكُمْ في مُسْتَحَمِّهِ، ثمَّ يغتسلُ فيهِ أو يتوضأُ فيه؛ فإن عامَّةَ الوسْواسِ مِنْهُ"، رواه عبد الله بن مغفل - ﵁ -.
قوله: "في مُسْتَحَمِّه"، (المُسْتَحَمُّ): موضِعُ الاستحمام، وهو الاغتسال بالحَمِيم، وهو الماءُ الحَارُّ، ويقال لكلِّ موضعِ يُغْتَسلُ فيه: مُسْتَحَمٌّ، وإن لم يَكُنْ الماءُ الَّذي يَغْتَسِلُ به حارًا.
قوله: "فإن عامَّةَ الوَسْوَاس" تحصُلُ من البول في المُسْتَحَمِّ لأنه يصيرُ ذلك الموضعُ نَجِسًا، فيصيبُه منه رَشَاشٌ، ويقع في قلبه وسوسةٌ بأنه: هل أصابه منه رشاش أم لا؟.
فإن كان الموضعُ نَجِسًا بسببٍ آخرَ يكون الاغتسالُ فيه مَنْهيًّا أيضًا.
"عبد الله بن مُغَفَّل" - بالغين المعجمة وبالفاء - ابن عبد غُنْم بن عفيفِ بن أَسْحَم.
* * *
٢٤٦ - وقال: "لا يَبُولَنَّ أحدُكُمْ في جُحْرٍ"، رواه عبد الله بن سَرْجِس - ﵁ -.
قوله: "في جُحْرٍ"، (الجُحْر): الثُّقْبة في الأرض، وعِلَّةُ النهي من البول في الجُحْرِ: موضعُ الهَوَامِّ، وربما يصيبُ البولُ شيئًا من الهَوَامِّ فتموتُ، كالنَّمْلة
[ ١ / ٣٨٢ ]
والدُّوْد الضعيف، وربما تقصِدُه حيةٌ أو عقربٌ فيلدغُه، وربما يصيب الجِنَّ، فيقتلُه الجِنُّ من الغَضَب، كما قتلَ الجِنُّ سعدَ بن عُبادة حين بال في جحر، فهتفَ هاتفٌ فقرأ هذا الشعَر:
نَحْن قَتَلْنا سَيِّدَ الخَزْرَجِ سَعْدَ بن عُبَاده
فرَمَيْناهُ بسَهْمَينِ ولم نُخْطِي فؤادَهْ
فإذا كان كذلك فالاحترازُ عن البَوْل في الجُحْر سنةٌ مؤكدة.
طلبنا في كتب معرفة الصحابة، ولم نجد اسمَ جَدَّ "عبد الله بن سَرْجِس".
* * *
٢٤٧ - وقال: "اتَّقُوا المَلَاعِنِ الثلاثة: البَرَازَ في المَوارِدِ، وقارِعَةِ الطريقِ، والظِّلِّ"، رواه مُعاذ - ﵁ -.
قوله: "اتقوا الملاعن"، (المَلاعِنُ): جمع مَلْعَن، وهو مصدرٌ ميمي، أو مكان، من (لَعَنَ) إذا شتم، يعني: احذروا قضاء الحاجة في هذه المواضع؛ لأنها مواضع اللعنة.
يعني: يقولُ مَن رأى بولَه أو غائطَه في هذه المواضع: لعنَ الله مَنْ فَعلَ هذا. البَرَازُ: التَّغوُّط.
"الموارد": جمع مَوْرِد، وهو الموضع الذي يأتيه الناسُ من رأسِ عينٍ أو نهر؛ لشرب الماء والتوضُّؤ، و"قارعة الطريق": الطريق الواسع الذي يقرَعُه الناسُ بأرجلِهم؛ أي: يدقُّونه، ويَمُرُّون عليه.
* * *
٢٤٨ - وقال: "لا يَخْرُجِ الرجُلانِ يضرِبان الغائطَ كاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا
[ ١ / ٣٨٣ ]
يتحدَّثَانِ، فإنَّ الله يمقُتُ على ذلك"، رواه أبو سعيد - ﵁ -.
قوله: "لا يَخْرُجِ الرجلان"، بكسر الجيم؛ لأنه كان مجزومًا؛ لأن (لا) للنهي، فكُسِرَت الجيمُ لالتقاء الساكنين.
"يضربان الغائطَ"، أي: يمشيان إلى قضاء الحاجة.
(الضَّرْبُ): المشي.
"يَمْقُتُ"، أي: يَغْضَبُ، يعني: لا يجوز أن يجلسَ الرجلان على قضاء الحاجة، ويكشفان عورتهما، وينظرُ كل واحد منهما إلى عورةِ صاحبهِ ويتحدَّثان.
* * *
٢٤٩ - وقال: "إنَّ الحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فإذا دخل أحدُكُمْ الخلاءَ فَلْيَقُلْ: أعوذُ بالله مِنَ الخُبُثِ والخَبَائِثِ"، رواه زيد بن أرقَم - ﵁ -.
قوله: "إن الحشوش"، (الحُشُوش): جمع حُشٍّ، وهو الخَلَاء، الحُشُّ في الأصل: جماعةٌ من النَّخْلِ، سُمِّيَ الخَلَاء حُشًّا؛ لأن العرب كانوا يتغوَّطُون بين النَّخِيل، فسمِّيَ كلُّ موضعٍ يَقضِي فيه الإنسانُ حاجتَه بهذا الاعتبار.
"محتضَرة"، أي: موضعُ حُضُورِ الجِنِّ والشياطين.
وشرح هذا الحديث في الحديث الذي بعد هذا.
"زيد بن أرقم" بن زيد بن قيس الأنصاري.
* * *
٢٥٠ - وقال: "سِتْرُ ما بينَ أَعيُنِ الجنِّ وعَوْرَاتِ بني آدمَ إذا دَخَلَ أحدُهُمْ الخلاءَ أنَّ يقولَ: بِسْم الله"، رواه علي - ﵁ -. غريب.
قوله: "سِتْرُ ما بين أعينِ الجنِّ " إلى آخره.
[ ١ / ٣٨٤ ]
يعني: إذا دخل الإنسان الخَلاءَ، وكشفَ عورتَه نظرَ إليه الجِنُّ والشياطين، وربما يؤذيه، ويَلْحَقُه ضررٌ، هذا إذا لم يقل: (بسم الله) عند دخول الخلاء، فأما إذا قال: (بسم الله) جعلَ الله بينه وبين أعينِ الجِنِّ والشياطينِ حجابًا، حتى لم يرَه ببركة (بسم الله).
* * *
٢٥١ - وقالت عائشة: كانَ النبيُّ - ﷺ - إذا خرجَ مِنَ الخَلاءِ قال: "غُفْرَانَكَ".
قوله: "غفرانك"، (الغفرانُ): مصدرٌ كالمغفرة، وانتصابُه بفعلٍ مقدَّر؛ أي: أسأل غفرانَك، وفي عِلَّة تلفُّظه - ﵇ - بهذا اللفظ عقيبَ خروجه من الخلاء وجهان:
أحدهما: أنه استغفر على خلوِّه من ذكر الله في الوقت الذي كان في الخلاء.
والثاني: أنه استغفر عن التقصير في أداء شُكْر نِعَمِ الله تعالى؛ فإنه تعالى رزقَ الطعامَ، وجعلَه هَضْمًا في البطن، وأبقى في الجسد ما كان سببَ قوةِ الجسمِ ونَفْعِه، وأخرجَ ما كان يؤذي الإنسانَ لو لم يخرجْ، فمن يطيقُ القيامَ بشكرِ هذه النِّعَم.
* * *
٢٥٢ - وقال أبو هريرة - ﵁ -: كانَ النبيُّ - ﷺ - إذا أتى الخَلاءَ أتيتُهُ بماءٍ في تَوْرٍ أو رَكوَةٍ فاستَنْجَى، ثمَّ مسحَ يدَهُ على الأرضِ، ثمَّ أَتَيْتُهُ بإِناءٍ آخرَ فتوضَّأ.
قوله: "في تَوْرٍ"، (التَّوْرُ): ظَرْفٌ يُشْبهُ إِجَّانَةً يُتَوَضَّأُ منه، ويؤكَلُ منه الطعام.
[ ١ / ٣٨٥ ]
(الرَّكْوَة): ظرفٌ من جِلْدٍ يُتَوضَّأُ منه، و(أو) في قوله: "أو رَكْوَةٍ"، لأحد الشيئين، يعني: تارةً أتيتُه بماء في تَوْرٍ، وتارةً في رَكْوَةٍ.
ويحتمل أن تكون للشك ممن يروي عن أبي هريرة، يعني: شكَّ أنه سمع؛ أي: أبا هريرة: أنه قال: (في تور) أو قال: (في ركوة).
قوله: "ثم مسح يده على الأرض"، هذا يدلُّ على أن مسح اليد على الأرض بعد الاستنجاء سُنةٌ؛ لإزالة الرائحةِ من اليد.
"ثم أتيته بإناء آخر"، لأنه لم يبقَ من الأول شيءٌ، أو بقيَ شيءٌ قليلٌ لا يكفيه.
* * *
٢٥٣ - وعن الحكَم بن سُفيان الثَّقَفي: كانَ رسولُ الله - ﷺ - إذا بالَ توضَّأَ، ونَضَحَ فَرْجَهُ.
قوله: "ونضح فرجه" النَّضْحُ: رشُّ الماءِ على موضع، يعني: إذا بال واستنجى رشَّ فرجَه بكفِ ماءٍ إما لدفع نزولِ البَوْلِ وقَطْعِه؛ لأن الماء يقبِضُ البولَ ويحْبِسُه، وإما لدفع الوَسْوَسة؛ فإن الرجل إذا لم ينضحْ بالماء فرجَه، ووجدَ بعد ذلك بلَلًا بين رجليه يظن أنَّه خرجَ منه بولٌ، واذا نضحَ فرجَه فإذا وجد بللًا يعلمُ أنَّه بللُ الماء، فلا يقعُ في الوَسْوَسة.
وقيل: المرادُ بنضح فرجِه هنا: الاستنجاءُ.
وقيل: سفيانُ بن الحَكَم لا حَكَمُ بن سفيان، وهو من أهل الكوفة، ولم يَرْوِ غيرَ هذا الحديث.
* * *
[ ١ / ٣٨٦ ]
٢٥٤ - عن أُمَيْمَة بنت رُقَيْقَة قالت: كان لرسول الله - ﷺ - قَدَحٌ مِنْ عَيْدانٍ تحتَ سريرِهِ يَبُولُ فيهِ باللَّيْلِ.
قولها: "من عَيدان"، العَيْدان: جمعُ عُوْد، وهو الخشب، هذا يدلُّ على أن الرجلَ إذا كانت نجاسةٌ في ناحية بيته، وهو يصلي أو يقرأ القرآن أو يذكرُ في ناحية أخرى = يجوز، وكذلك لو صلى على سرير أو سجادة تحتَه نجسٌ يجوزُ؛ لأن النبيَّ - ﵇ - كانَ قدحُ البولِ تحتَ سريرِه، وهو على السرير، والغالبُ أنه - ﵇ - لا يخلو في الليل من الصلاة، وقراءةِ القرآن والذِّكْر.
* * *
٢٥٥ - وقال عمر - ﵁ -: رآني النبيُّ - ﷺ - أبولُ قائمًا، فقالَ: "يا عُمَرُ! لا تَبُلْ قائمًا".
قال الشيخ الإمام - ﵁ -: قد صحَّ.
قوله: "رآني رسول الله ﵇ " إلى آخره.
وعِلَّةُ النهي عن البول قائمًا: أنه تبدو عورتُه بحيثُ يراه الناس من بعيد، وأيضًا لا يأمَنُ من رجوع البولِ إليه، وهذا نهيُ تنزيهٍ لا نهيُ تحريم.
* * *
٢٥٦ - عن حُذَيْفَة: أنَّ النبيَّ - ﷺ - أتى سُباطَةَ قومٍ، فبالَ قائمًا.
قيل: كان ذلك لعُذرٍ به، والله أعلم.
قوله: "سُباطة قوم"، (السُّبَاطَةُ) بضم السين: الموضعُ الَّذي يُلقَى فيه الترابُ المُخْرجُ من البيوتِ، والنَّجَاساتُ.
[ ١ / ٣٨٧ ]
يعني: قال الشيخ: بينَ نَهْيِ عمرَ عن البول قائمًا، وبين بوله - ﵇ - قائمًا تناقضٌ في الظاهر، ولكن ليس في الحقيقة بينهما تناقضٌ؛ لأن النبي - ﵇ - بال قائمًا لعذر، وبولُ عمرَ لم يكن بعذر، وعذرُ النبي ﵇ قيل: كان لجراحة تحت رُكْبته من جانب عَقِبه، فلم يمكنْه الجلوسُ، أو لأنه لم يمكنه الجلوسُ في السباطة؛ لأن السباطةَ يكون أعلاه مرتفعًا، فلو جلسَ مستدبرَ الناس سقط عن خلفه، ويرجعُ عليه البولُ، ولو جلسَ مستقبلَ الناس تبدو عورتُه لهم، فلأجل هذا بال قائمًا.
فإن قيل: لمَ لم يؤخر البول إلى موضمع آخر؟.
قلنا: لأن تأخير البول مُضِرٌّ.
"حذيفة": اسم أبيه حِسلٌ، وقيل: حُسَيل، ابن جابر بن عمرو بن ربيعة اليماني.
* * *