(باب ما يقال عندَ من حَضَرَهُ الموتُ)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١١٤٧ - قال رسول الله - ﷺ -: "لقِّنوا موتَاكم لا إلهَ إلا الله".
قوله: "لقِّنوا موتَاكم لا إله إلا الله"؛ يعني: قُولوا له: قول كلمتي الشهادة، فإن قال فهو المراد، وإن لم يقل لا يكلَّف عليه؛ لأنه ربما لا يقدر على الكلام أو يكون مشغولًا بفكر، ولكن يقول الحاضرون كلمتي الشهادة حتى يوافقهم بقلبه.
* * *
١١٤٨ - وقال: "إذا حَضَرْتم المَريضَ أو الميتَ فقولوا خَيرًا، فإنَّ الملائكةَ يُؤَمِّنون على ما تقولون".
قوله: "فقولوا خيرًا"؛ يعني: ادعوا للمريض بالشِّفاء، وقولوا: اللهم
_________________
(١) في "ش": "عقاب".
[ ٢ / ٤١٩ ]
اشفه، وللميت بالرحمة والمغفرة، وقولوا: اللهم اغفر له وارحمه، فإن الدُّعاء حينئذ مستجاب؛ لأن الملائكة يؤمنون.
* * *
١١٤٩ - وقالت أُم سلَمة ﵂: قالَ رسول الله - ﷺ -: "ما مِن مُسلمٍ تُصيبُه مصيبةٌ: فيقولُ ما أَمَرَهُ الله به: إنا لله وإنا إليهِ راجعون، اللهم أَجِرْني في مصيبتي، وأَخْلِفْ لي خيرًا منها إلا أخلَفَ الله له خيرًا منها"، فلمَّا ماتَ أبو سلَمة قلتُ: أيُّ المُسلمينَ خيرٌ من أبي سلَمة؟، أولُ بيتٍ هاجر إلى رسولِ الله - ﷺ -، ثم إنَّي قلتُها، فَأَخْلَفَ الله لي رسولَ الله - ﷺ -.
"وأَخْلِفْ لي خيرًا"، (أخلف) أمر مخاطب، من (أَخْلَفَ): إذا أدى العِوض.
قوله: "خيرًا منها"، أي: مِنْ هذه المصيبة؛ يعني: خيرًا مما فات عني في هذه المصيبة.
قولها: "أول بيتٍ هَاجَر" من مكة إلى المدينة؛ موافقة لرسول الله ﵇.
قولها: "ثم إني قلتها"؛ أي: قلت: (إنا لله وإنا إليه راجعون)، فجعلني الله زوجةً لرسول الله ﵇.
* * *
١١٥٠ - وقالت: دخَل رسولُ الله - ﷺ - على أبي سلَمة وقد شقَّ بَصَرُهُ، فأَغْمَضَهُ، ثم قال: "إنَّ الروح إذا قُبضَ تَبعَه البصرُ"، فَضَجَّ ناسٌ من أهلِهِ فقال: "لا تدعوا على أنفُسِكم إلا بخيرٍ، فإنَّ الملائكة يُؤَمِّنون على ما تقولون"، ثم قال: "اللهم اغفِرْ لأبي سلمةَ، وارفع درجتَه في المهدِيين، واخلفْه في
[ ٢ / ٤٢٠ ]
عَقِبه في الغابرين، واغفرْ لنا وله يا ربَّ العالمَين، وافسَحْ له في قبرِه ونوِّرْ له فيه".
قولها: "وقد شَقَّ بصرُه" بفتح الشين، ورفع الراء على أنه فِعْلٌ معروف: إذا بقيَ بصرُه مفتوحًا.
"إن الروح إذا قُبضَ تبعَهُ البصرُ"؛ يعني: إذا قبضَتِ الملائكةُ الروحَ نَظَرَ إليها البصرُ من الاشتياق، فإذا ذهبت الروح بقيَ البصر منفتحًا، وفي انفتاح عين الميت قُبْحٌ، فلهذا أغمضه رسول الله - ﵇ -: أي: وضع أحد الجفنين بالآخر.
قولها: "فضجَّ ناسٌ من أهله"؛ أي: رفع أقارب الميت أصواتهم بالبكاء.
قوله - ﵇ -: "لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير"؛ يعني: لا تقولوا شرًا، ولا تقولوا: الويل لي، وواويلي، وما أشبه ذلك، بل اذكروا الله تعالى، واستغفروا للميت.
قوله: "وارفع درجته في المهديين"؛ أي: اجعله في زمرة الذين هديتهم إلى الإسلام، وارفع درجته من بينهم.
"وأخلفه": هذا أمر مخاطب، من خَلَفَ يَخْلُفُ خِلافَةً: إذا قام أحدٌ مقام آخر في رعاية أمره، وحفظ مصالحه.
"في عَقِبهِ"؛ أي: في أولاده الغابرين؛ أي: في الباقين، وفي الأحياء، (غَبَرَ): إذا مضى، وبقي، والمراد هنا: بقي، يعني: كن خليفة في أولاده الباقية؛ يعني: أنت احفظ أمورهم ومصالحهم، ولا تكلهم إلى كلاءة غيرك.
* * *
١١٥١ - وقالت عائشة ﵂: إن رسولَ الله - ﷺ - حينَ تُوفي
[ ٢ / ٤٢١ ]
سُجِّيَ ببُرْدِ حِبَرَةٍ.
قولها: "سُجِّيَ ببُرْدِ حِبَرَةٍ"؛ (سُجِّيُ): أي: سُتِرَ، (التَسْجِيَةُ): السِّتْرُ، (الحِبَرَة): البُرْدُ اليمني، ليس المراد: بهذا الكفن، بل السُّنة أن يُسْتَرَ الميت من حين الموت إلى حين الغسل بثوب خفيف.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١١٥٢ - قال رسول الله - ﷺ -: "مَنْ كانَ آخرُ كلامِهِ لا إلَهَ إلا الله دخلَ الجنَّةَ".
قوله: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" ظاهر هذا الحديث أن بعض اليهود والنصارى يدخلون الجنة؛ لأنهم يقولون: لا إله إلا الله.
ولكن ليس معناه: من قال: لا إله إلا الله، بل معناه: مَن قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فمن كان آخر كلامه عند الموت هاتين الكلمتين دخل الجنة؛ إما قبل العذاب، وإما بعد أن عُذِّبَ بقدر ذنوبه.
روى هذا الحديث: "معاذ بن جبل".
* * *
١١٥٣ - قال: "اقرؤوا على موتاكُم يس".
قوله: "اقرؤوا على موتاكم يس"، ولعل الحكمة في قراءة هذه السورة على من حضره الموت أن أحوال القيامة والبعث مذكورة فيها، فإذا قُرِئَتْ عليه، يجدد له ذكر الرحمن والبعث والقيامة، ويبقى في خاطره حتى يموت.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
وكنية "معقل": أبو عبد الله، وقيل: أبو يسار، واسم جده: عبد الله بن مُعَبر بن حُرَاق.
* * *
١١٥٤ - وقالت عائشة ﵂: إنَّ رسولَ الله - ﷺ - قبَّل عُثمانَ بن مَظْعون وهو ميتٌ وهو يبكي حتى سالَ دُموعُ النبيِّ - ﷺ - على وجه عثمان.
قولها: "قبَّل عثمان بن مظعون " إلى آخره.
هذا يدل على أن المسلم إذا مات فهو طاهر.
* * *
١١٥٦ - عن الحُصَين بن وَحْوَح: أنَّ طَلْحة بن البَراء مرِضَ، فأتاه النبيُّ - ﷺ - يعودُه، فقال: "إني لا أرَى طلْحةَ إلا قد حَدَثَ به الموتُ، فآذِنوني به، وعَجِّلوا، فإنه لا ينبغي لجيفةِ مسلمٍ أن تُحْبَسَ بين ظَهْرَانَي أهلِهِ".
قوله: "فآذِنوني"؛ أي: أخبروني بمَوْتِهِ إذا مات؛ لأحضر الصلاة عليه.
قوله: "وعَجِّلوا"؛ أي: أسرعوا في غسله وتكفينه.
"لِجيفَةِ مسلم"؛ أي: لجثة ميت مسلم.
"بين ظَهْرَاني أهْلِهِ"؛ أي: بين أهله؛ أي: لا يُوضع الميتُ بينَ أهله زمانًا طويلًا كيلا يُنتن، وكي لا يَكْثُرَ حزنُ أهله.
* * *
[ ٢ / ٤٢٣ ]