[ ١ / ٣٤٣ ]
[٣]
كِتَابُ الطَّهَارَةِ
(كتاب الطهارة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٩١ - عن أبي مالك الأَشْعَري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمانِ، والحمدُ لله تَملأُ المِيْزانَ، وسُبحانَ الله والحمدُ لله تملآن - أو: تملأُ - ما بينَ السماواتِ والأرضِ، والصَّلاةُ نورٌ، والصَّدقةُ بُرهانٌ، والصَّبْرُ ضِياءٌ، والقُرآنُ حُجَّةٌ لكَ أو عليك، كُلُّ النَّاسِ يَغْدو، فبائعٌ نفسَهُ، فَمُعْتِقُهَا أو مُوبِقُهَا"، وفي روايةٍ أخرى: "ولا إلهَ إلَّا الله والله أكبرُ يملآن ما بينَ السَّماءِ والأرض".
قوله: "الطُّهور " إلى آخره.
اختلف أهل اللغة في الطُّهور؛ فقال بعضهم: الطُّهور: بضم الطاء مصدر، واسمٌ للماء الذي يتطَهَّرُ به، والطَّهور: بفتح الطاء ليس في كلام العرب مستعملًا.
وقال بعضُهم: بل الطُّهور بضم الطاء المصدر، وبفتحها: الماء الذي يُتطهَّرُ به، وهذا القول هو المختار.
وههنا: الطُّهور بضم الطاء؛ لأن المراد به المصدر.
(الشطر): النصف، و(الإيمان) ها هنا: الصلاة كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ
[ ١ / ٣٤٥ ]
لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]. أي: صلاتَكم.
يعني: الوضوءُ نصفُ الإيمان، يعني: لا تصحُّ الصلاةُ إلا بالوضوء، فيكونُ الوضوءُ شَطْرَها، ويجوزُ أن يرادَ بالإيمان: الإيمانُ الحقيقي، يعني: الوضوء يُطَهِّرُ الأعضاءَ الظاهرةَ عن الحَدَث، كما أن الإيمان يُطهِّرُ القلبَ عن الشرك.
والمراد من هذا: تعظيمُ شأن الوضوء، وعِظَمُ ثوابه.
قوله: "والحمد لله تملأ الميزان"، يعني: التلفُّظُ بالحمد لله يملأ ميزان قائل هذا اللفظ من الأجر من غاية عظمة هذا اللفظ.
قوله: "وسبحان الله والحمد لله تملآن، أو قال تملأ"، شكَّ الراوي في أن رسول الله - ﵇ - قال: "تملآن، أو قال: تملأ".
فعلى رواية (تملآن) معناه ظاهرٌ أن ألف التثنية في (تملآن) ضمير: (سبحان الله والحمد لله)، وأما على رواية (تملأ) يكون معناه: تملأُ كلُّ واحدة من هاتين الكلمتين ما بين السموات والأرض من الأجر.
قوله: "والصلاة نور"، يعني: تكون له نورًا في القبر، وفي ظلمة القيامة، حتى توصِلَه إلى الجنة، ويحصُلُ للمصلِّي في الدنيا ضياءٌ في وجهه، وتُخْرِجُه من ظلمة المعاصي، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
قوله: "والصدقة برهان"، (البرهان): الحُجَّةُ والدليل، يعني: أن الصدقة تُعينُ الرجلَ وتنجيه من عذاب الله، كما تعينُ الحُجَّةُ صاحبَها، وتغلِّبه على خصمه.
قوله: "والصبر ضياء"، (الصبر): حَبْسُ النفس على فِعْل، يعني: المداومة على الشيء، وحبس النفس عليه، يحصِّل مرادَ الرجل، ويجعلُ له فرحًا وفرجًا من كل غمٍّ.
[ ١ / ٣٤٦ ]
قوله: "والقرآن حجة لك أو عليك"، اللام للنفع، و(على) للضر.
يقال: الحق له، يعني: مُلْكُه، والحق عليه، يعني: واجبٌ عليه أداؤُه، يعني: القرآن إما ناصرُك ومنجِّيك من عذاب الله، وإما خصمُك ومُهْلِكُك، فإن عَظَّمْتَ قَدْرَه، وعملت بما فيه فهو ناصرك، وإلا فهو خصمك.
قوله: "كل الناس يغدو"، أي: يصبح، يعني: كلُّ أحدٍ إذا أصبحَ يبيعُ نفسَه؛ أي: يعطي نفسه، ويأخذ عِوضَها، وهو عملُه وكسبه، فإن عمل خيرًا فقد باع نفسه، وأخذ الخير عن ثمنها، وهو معتقُها من النار، وإن عملَ شرًا فقد باع نفسَه، وأخذ الشرَّ عن ثمنها، وهو موبِقُها؛ أي: مهلكُها، وأَوْبَقَ: إذا أهلك.
اسم أبي مالك الأشعري: عمرو بن الحارث بن هانئ.
* * *
١٩٢ - وقال: "ألا أُخْبِرُكُمْ بما يَمْحُو الله بهِ الخَطايَا ويرفَعُ بِهِ الدرجاتِ؟ إسباغُ الوُضُوءِ على المَكَارِهِ، وكَثْرَةُ الخُطَا إلى المَساجِدِ، وانتِظارُ الصلاةِ بعدَ الصَّلاةِ، فَذلِكُمُ الرِّباطُ، فذلِكُمُ الرِّباطُ، فَذلِكُمُ الرِّباطُ"، رواه أبو هُريرة - ﵁ -.
قوله: "بما يمحو الله" (بما يمحو): إذا زال به؛ أي: بسببه وبفعله، "الخطايا": جمع خطيئة، "الإسباغ": الإتمام.
"الوُضوء" بفتح الواو: الماءُ الذي يُتوضَّأُ به، وبضمها: المصدرُ وهو المراد ها هنا.
"المكاره": جمع مَكْرَه بفتح الميم، وهو بمعنى الكُرْه، وهو المَشَقَّة، والمراد بالمكاره هنا: البرد الشديد.
يعني بقوله: "إسباغ الوضوء على المكاره": إيصال الماء إلى مواضعِ الفَرْض من غير أن ينقصَ منها شيئًا عند شِدَّة البرد.
[ ١ / ٣٤٧ ]
قوله: "وكثرة الخُطَا إلى المساجد"، الخطا: جمع خُطْوة، بضم الخاء في الجمع والواحد، وهو ما بين القدمين، يعني: المشي إلى المساجد لأداء الصلاة بالجماعة.
قوله: "وانتظار الصلاة بعد الصلاة"، يعني: إذا أدى صلاةً بالجماعة، أو منفردًا ينتظر صلاة أخرى، وتعلَّقَ قلبُه بها، إما أن يجلسَ في المسجد ينتظرُها، أو يكون في بيته، أو مشتغل بكسبه، وقلبُه متعلِّقٌ بالصلاة ينتظرُ حضورَها.
قوله: "فذلكم الرِّبَاط"، ذلك إشارة إلى ما ذُكِرَ من الطاعات.
الرباطُ والمرابطةُ: رَبْطُ النفس والفَرَس في سبيل الله، يقاتل الرجلُ أعداءَ الله، وللمرابط في سبيلِ الله درجةٌ وفضيلةٌ رفيعةٌ يأتي ذكرها في (باب الجهاد).
يعني: المداومة على هذه الطاعات مِثْلُ الجهاد في سبيل الله في الفضيلة.
* * *
١٩٣ - وقد قال: "مَنْ توضَّأَ فأَحسنَ الوُضُوءَ خرجتْ خطاياهُ مِنْ جسَدِهِ حتَّى تخرجَ مِنْ تحتِ أَظْفارِهِ"، رواه عُثمان - ﵁ -.
قوله: "من توضأ فأحسن الوضوء"، أي: لم يترُكْ من فرائضه وسننه شيئًا.
قوله: "خرجت خطاياه"، يعني: يزيل ماءُ الوضوءِ الصغائرَ من الذنوب؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، حتى تخرج من تحت أظفاره.
يعني: من جميع جسده حتى من أصابعه، فيصيرُ طاهرًا من صغائر الذنوب، كما صار طاهرًا من الحَدَث.
روى هذا الحديثَ عثمانُ - ﵁ -.
* * *
[ ١ / ٣٤٨ ]
١٩٤ - وقال: "إذا توضَّأَ العبدُ المُسلمُ - أو: المُؤمن - فغَسلَ وَجهَهُ خرجَ مِنْ وَجهِهِ كُلُّ خطيئةٍ نظرَ إليها بعَينه مَعَ الماءِ - أو: معَ آخرِ قَطْرِ الماءِ - فإذا غسلَ يَدَيْهِ خرجَ مِنْ يَديْهِ كُلُّ خطيئَةٍ بَطَشَتْها يداهُ مع الماءِ - أو: مع آخرِ قَطْرِ الماءِ - فإذا غسلَ رِجْلَيْهِ خرجَ كلُّ خطيئةٍ مَشَتْها رِجلاهُ مَعَ الماءِ - أو: معَ آخرِ قطْرِ الماء حتى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ"، رواه أبو هريرة - ﵁ -.
قوله: "إذا توضَّأ العبد المسلم أو المؤمن"، (أو) في قوله: (أو المؤمن) للشكِّ من الراوي.
يعني: شكَّ الراوي أنه - ﵇ - قال: إذا توضَّأَ العبد المسلم، أو قال: العبد المؤمن.
وكذلك (أو) في قوله: "أو مع آخر قطر الماء"؛ يعني: شكَّ أنه قال: مع الماء أو قال: مع آخر قَطْرِ الماء.
(القَطْرُ) بسكون الطاء -: إجراءُ الماءِ وإنزالُه قطرةً قطرةً، والمراد ها هنا: إجراءُ ماءِ الوُضوءِ على الأعضاء عند غسلها.
والقَطْرُ أيضًا: جمعُ القَطْرة.
(البطشُ): الأخذُ، يعني كل ذنبٍ فعلَتْهُ يداه من ملامسة النساء المحرمة وغيرها.
قوله: "مشتها"، أي: مشت إليها، فحذف (إلى).
"نقيًا"، أي: طاهرًا، يعني: التوضُّؤ يطهِّرُ الرجلَ من صغائر الذنوب.
* * *
١٩٥ - وقال: "ما مِنِ امرئٍ مُسلمٍ تحضُرُهُ صلاةٌ مكتوبةٌ، فيُحْسِنُ وُضوءَها وخُشُوعَها ورُكُوعَها، إلَّا كانَتْ كَفَّارةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ ما لَمْ يأْتِ
[ ١ / ٣٤٩ ]
كبيرةً، وذلكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ"، رواه عثمان - ﵁ -.
قوله: "تَحْضُرُه"، أي: تدخلُ عليه وقت صلاة مكتوبة؛ أي: مفروضة.
(إحسان الوضوء): أنَّ يُتِمَّ فرائضَه الست وسننَه، (الخشوعُ): الحضورُ، ومراعاة الأدب من تركِ الالتفات إلى اليمين واليسار، (وإحسان الركوعِ): أن يستويَ ظهرُه وعنقُه فيه، ويجافيَ مِرفقيه من جنبيه، ويضعَ يديه على ركبتيه، ويطمئنَّ حتى تستقرَّ أعضاؤه، ويقول: سبحان ربي العظيم.
وكذلك يتمُّ فرائضَ كلِّ ركن وسنَنَه.
وإنما ذكرَ الركوعَ دون سائر الأركان؛ لأن الركوعَ أثقلُ على النفس، ولأن الشارع إذا أمر بإحسان الركوع فُهِم منه إحسانُ سائر الأركان.
قوله: "إلا كانت"، أي: إلا كانت تلك الصلاةُ كفَّارةً؛ أي: ساترةً ومزيلةً لذنوبه الماضية.
قوله: "ما لم يُؤْتِ كبيرةً"، (ما): للدوام، (يؤت)، بضم الياء وكسر التاء، هكذا روي، ومعناه: ما لم يَعملْ كبيرة.
وحقيقته: أن معنى (آتى): أعطى، وحمل أحدًا على الإتيان؛ لأنه مَن عمل عملًا حملَ نفسَه على الإتيان إلى ذلك العمل، يعني: يغفر صغائر ذنوبه بفعل الوضوء والصلاة دون الكبائر.
قوله: "وذلك الدهرَ كلَّه"، وذلك إشارة إلى تكفير الذنوب والغفران، و(الدهر): منصوبٌ على الظرفية، وتكفير الذنوب بسبب الصلاة حاصلٌ وكائنٌ في جميع الدهر، لا في وقت واحدٍ أو زمانٍ واحد.
* * *
١٩٦ - وعن عثمان: أنَّهُ توضَّأ فَأَفْرغَ على يديْهِ ثلاثًا، فغسَلَهُمَا، ثُمَّ
[ ١ / ٣٥٠ ]
مضمضَ واستنشَقَ واستنثر، ثمَّ غَسلَ وَجهَهُ ثلاثًا، ثمَّ غَسلَ يدَهُ اليُمنى إلى المِرْفَقِ ثلاثًا، ثمَّ غَسلَ يدهُ اليُسرى إلى المِرْفَقِ ثلاثًا، ثمَّ مسحَ برأسِهِ، ثمَّ غَسلَ رِجلَهُ اليُمنى ثلاثًا، ثمَّ اليُسرى ثلاثًا، ثمَّ قال: رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - توضَّأَ نحوَ وُضوئِي هذا، ثم قال: "مَنْ توضَّأ نحوَ وُضوئِي هذا ثم يُصلِّي ركعتَيْنِ لا يُحدِّثُ نفسَهُ فيهما بشيءٍ غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ مِنْ ذَنبِهِ".
قوله: "أنه توضأ": أن عثمان توضأ.
"فأفرغ"، أي: صبَّ الماءَ على يديه.
"فغسَلَهما"، أي: فغسَلَ كفَّيه إلى الكُوعَين.
"مَضْمَض"، أي: ردَّد الماء في فمه.
"واستنشق"، أي: جعلَ [الماءَ] في أنفه وجر أنفه، وأخرج نَفَسَه ليخرِجَ ما في أنفه من المُخَاط.
قوله: "ثم مسح برأسه"، ولم يذكر العددَ في مسح الرأس، فالظاهر أنه مسحه مرة واحدة.
قوله: "ثم قال: مَن توضَّأَ نحوَ وُضوئي هذا"، أي: قال رسول الله ﵇: من توضَّأَ مثلَ وُضوئِي هذا جامعًا لفرائضه وسننه.
قوله: "لا يحدِّثُ نفسَه فيهما بشيء"، أي: لا يَجْرِي في قلبه وسوسةٌ واشتغالٌ من الأمور الدنيوية، يعني: يكون قلبُه حاضرًا، وقلَّما يمكن للإنسانِ الحضورُ بالكُلِّية، ولكن ينبغي ألَّا يكون غافلًا بحيث تغلبُ عليه الوسوسة، وغيبة القلب في الأشغال الدنيوية.
ويحتمل أن يريد بقوله: (لا يحدِّثُ نفسَه): الإخلاصَ بالصلاة لله تعالى؛ أي: لا تكون صلاتُه لطلب الجاه ويحتمل أنه يريد به تركَ العُجْب، يعني:
[ ١ / ٣٥١ ]
لا يرى لنفسه عظمةً ومنزلةً رفيعةً بأداء الصلاة، بل ينبغي أنَّ يُحقِّر نفسه كيلا تغترَّ نفسه وتتكبر.
* * *
١٩٧ - وقال: "ما مِنْ مُسلم يتوضَّأُ فيُحسِنُ وُضُوءَهُ، ثمَّ يقومُ فيُصلِّي ركعتَيْنِ مقبلًا عليهِمَا بقلبِهِ ووجهِهِ إلَّا وَجَبَتْ له الجنَّة".
١٩٧/ م - وقال: "مَنْ توضَّأَ فأحسنَ الوُضوءَ ثمَّ قال: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، اللهمَّ اجعلْني من التوَّابينَ، واجعلني من المتطهِّرينَ، فُتِحَتْ لهُ ثمانيةُ أبوابٍ من الجنَّة يدخلُ مِنْ أيِّها شاءَ"، رواه عُقبة بن عامر.
قوله: "مقبلٌ عليهما بقلبه ووجهه"، (مقبلٌ): مرفوع صفة؛ لقوله: "ما من مسلمٍ"؛ لأن (مِن) زائدة، وتقديره: ما مسلمٌ، ويجوزُ أن تكون (مقبلٌ) خبرَ مبتدأ محذوف؛ أي: هو مُقْبِلٌ.
يعني: يصلي ركعتين يكون ظاهرهُ وباطنُه مُستغرِقَيْن بالركعتين، ويصلِّيهما عن الخشوعِ والتعظيم.
قوله: "وجبت له الجنة"، أي: حصَلَتْ له الجنة؛ لأن الله تعالى كريمٌ لا يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين.
ومعنى (وجبت) ها هنا: أن الله تعالى يعطيه الجنة تفضُّلًا وتكرمًا بحيث لا يخلف وعده، كمن وجب عليه شيء.
ومذهب أهل السنة: أنه لا يجب على الله شيءٌ، بل مَن أدخلَه جنَّتَه فبفضله أدخلَه جنته.
واسم جد عقبة: ربيعةُ بن حِزَام بن كَعْب، وهو أنصاري.
[ ١ / ٣٥٢ ]
قوله: "كلمتي الشهادة"، عَقِيب الوضوءِ إشارة إلى إخلاصِ العمل لله، وطهارةِ القلب من الشرك والرياءِ بعد طهارةِ الأعضاءِ من الحَدَث والخبث، كأنه يقول المتوضِّئ: توضَّأتُ خالصًا لله تعالى، فإن الوضوءَ لم يكنْ من فِعْل عَبَدَة الأوثان، ولم يتوضَّأْ أحدٌ لمعبودٍ سوى الله، فإذا توضَّأَ الرجلُ طَهُرَتْ أعضاؤُه من الحَدَث، وغُفرَتْ ذنوبُه كما ذكر قبل هذا، وإذا قال كلمتي الشهادة طَهُرَ من الشِّرْك والرياء، فحينئذ استحقَّ دخولَ الجنة من أيِّ بابٍ شاء، و(من) في (من الجنة) للتبيين.
* * *
١٩٩ - وقال: "إنَّ أُمَّتي يُدْعَوْنَ يومَ القِيامَةِ غُرًّا مُحَجَّلينَ مِنْ آثارِ الوُضوءِ ممَنِ استطاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطيلَ غُرَّتَهُ فلْيَفْعَلْ".
قوله: "غرًا محجلين"، (الغُرُّ): جمع أَغَرَّ، وهو أبيضُ الوجه، (المُحَجَّلُ): أبيض الرجل واليد.
و"الوَضُوء" بفتح الواو هنا: الماءُ الَّذي وَصَلَ إلى أعضاء المتوضِّئ، يعني: حيث وصل ماءُ الوضوء من الأعضاء يظهرُ منه نورٌ وبياضٌ مزيِّنٌ لطيف.
قوله: "إن أمتي يدعون"، يحتمل أن يكون معنى (يدعون): يسمُّون، فعلى هذا يكون الضمير المضمَرُ في (يدعون) هو المفعول الأول، أُقيم مُقَام الفاعل.
و(غرًا): مفعول ثانٍ، يعني: يقال لأمتي: يا أيها الغُرُّ المُحَجَّلون! هَلُمَّ وادخلوا الجنة.
ويحتمل أن يكون معناه: يدعون إلى يوم القيامة، أو دخول الجنة في حال كونهِم غرًا محجَّلين.
[ ١ / ٣٥٣ ]
قوله: "فمن استطاع منكم أن يطيل غُرَّتَهُ"، (الغُرَّةُ): بياضُ الوجه، و(التَّحْجِيلُ): بياضُ الرِّجْلِ واليد، وتقديرُه: أنَّ يُطيلَ غُرَّتَه وتَحجيلَه فليفعل، ولكن تَرَكَ ذِكْرَ التَّحْجيل؛ لأنه لمَّا ذَكَرَ (غُرًا محجَّلين) قبل هذا عُلِمَ أنه يريد ها هنا الغُرَّةَ والتحجيلَ كليهما.
وإطالة الغُرَّةِ: أن يوصل ماءَ الوضوء في وجهه إلى أكثرَ من محلِّ الفرض، وإطالة التحجيل: أن يوصلَ ماءَ الوضوء في غسل اليدين والرجلين إلى أكثرَ من محلِّ الفرض.
* * *
١٩٨ - وقال - ﷺ -: "تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِ حيثُ يبلُغُ الوَضُوءُ"، رواهما أبو هريرة - ﵁ -.
قوله: "تبليغ الحِلْيَة"، (الحلية): الزينةُ.
"الوَضُوء" بفتح الواو، وذكر معناه، يعني: إلى حيث يبلغ ماء الوضوء من الأعضاء يُجعل فيه النورُ والسِّوَار والخَلْخَالُ في الجنة.
* * *
من الحسان:
٢٠٠ - قال رسول الله - ﷺ -: "اسْتَقِيمُوا ولَنْ تُحْصُوا، واعْلَمُوا أنَّ خيرَ أعمالِكُمُ الصَّلاةُ، ولا يُحافِظُ على الوُضُوءِ إلَّا مُؤْمِنٌ"، رواه ثَوبان - ﵁ -.
قوله: "استقيموا"، أي: الزموا الطريقَ المستقيمَ في الدِّين، والإتيان بجميع المأمورات، والانتهاء عن جميع المناهي، من الاستقامة.
قوله: "ولن تُحْصُوا"، أحصى: إذا طاق أمرًا وعدَّ شيئًا، يعني: استقيموا،
[ ١ / ٣٥٤ ]
ولكن لا تطيقون أن تستقيموا حقَّ الاستقامة؛ لأنها شديدة.
وإنما قال: (ولن تحصوا) ليعترفوا بالتقصير، ولا يغترُّوا بما يفعلون من الطاعات، ويتركون من المعاصي؛ لأن ما يفعلون من الطاعاتِ ويتركون من المعاصي قليلٌ بالنسبة إلى ما هو حقُّ الاستقامة، فإن الاستقامةَ أن تطيعوا الله ولا تعصوه أصلًا، ومن يُطِيقُ هذا.
وقيل: معنى: (ولن تحصوا): لا تقدروا أن تعدُّوا ثوابَ الاستقامة من كثرته.
قوله: "واعلموا أنَّ خيرَ أعمالِكم الصلاةُ"، وإنما الصلاةُ خيرٌ من غيرها؛ لأن في الصلاة من كلِّ عبادةٍ شيئًا كقراءة القرآن، والتسبيح، وترك الأكل، والتكبير، وغير ذلك.
قوله: "ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن"، (لا يحافظ): أي: لا يداوم، يعني: المنافق لا يداوِمُ على الوضوء، بل يتوضَّأُ إذا رآه أحدٌ، ولا يتوضَّأُ إذا لم يرَه أحدٌ، وكذا الكفار لا يتوضَّؤون.
* * *
٢٠١ - وقال: "مَنْ توضَّأ على طُهْرٍ كُتب له عشْرُ حسَناتٍ"، رواه ابن عمر. غريب.
قوله: "من توضأ على طهر"، أي: من جدَّد الوضوءَ بشرطِ أنْ يصلِّيَ بالوضوء الأول صلاةً، فإن لم يصلِّ بالوضوء الأول صلاةً لا يُستحَبُّ تجديدُ الوضوء.
واعلم أنه في بعض النسخ: قوله: (استقيموا) إلى قوله: (عشر حسنات)، مكتوبٌ على أنَّه حديثٌ واحد من غير فاصلة، ورواية ابن عمر.
[ ١ / ٣٥٥ ]
ولكن في "شرح السنة" مذكورٌ: أنَّ راوي قوله: (استقيموا) إلى قوله: (ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن): أبو عبد الله ثوبانُ مولى رسول الله ﵇.
وقوله: "من توضَّأَ على طُهْرٍ كُتِبَ له عشرُ حسنات"، هذا حديثٌ برأسه، ورواه ابن عمر - ﵁ -.
* * *