(باب ما يقول إذا قام من الليل)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٨٦٣ - قال ابن عباس - ﵄ -: كان النبيُّ - ﷺ - إذا قامَ من الليلِ يتهجدُ، قال: "اللهم لكَ الحمدُ، أنتَ قَيمُ السماواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ، ولكَ الحمدُ، أنتَ نورُ السماواتِ والأرضِ ومَنْ فيهنَّ، ولكَ الحمدُ أنتَ مَلِكُ السماوات والأرضِ، وَمَن فيهنَّ، ولكَ الحمدُ، أنتَ الحقُّ، ووعدُكَ الحقُّ، ولقاؤُكَ حقٌّ، وقولُكَ حقٌّ، والجنةُ حقٌّ، والنارُ حقٌّ، والنبيونَ حقٌّ، ومحمدٌ - ﷺ - حقٌّ، والساعةُ حقٌّ، اللهم لكَ أسلمتُ، وبكَ آمنتُ، وعليكَ توكَّلْتُ، وإليك أَنَبْتُ،
[ ٢ / ٢٦٦ ]
وبك خاصَمْتُ، وإليكَ حاكَمْتُ، فاغفر لي ما قدَّمْتُ وما أَخَّرْتُ، وما أسررْتُ وما أعلنتُ وما أنت أعلمُ به مني، أنت المُقَدِّمُ وأنت المؤخِرُ لا إله إلا أنت".
قوله: "إذا قام من الليل يتهجد قال: اللهم لك الحمد " إلى آخره، (يتهجَّدُ)؛ أي: يصلِّي.
"قَيمُ السماواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ"؛ يعني: أنت القائمُ، تحفظُ السماواتِ والأرضَ ومَن فيهن من المخلوقات، تَحْفظُهم عن الآفاتِ وترزقُهم.
"أنتَ نورُ السماواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ"؛ أي: أنت خالقُ نورِ السماواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ من الشمسِ والقمرِ والنجومِ والنارِ، ونورِ قلوبِ عبادك.
وقيل معناه: أنت مُنوِّرُ السماواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ.
"وإليك أَنَبْتُ"؛ أي: وإليك رجعتُ في جميع أحوالي وفوضتُ أمري إليك.
(أناب): إذا رجع.
"وبك خاصَمْتُ"؛ أي: بقوتِك ونصرتِك إيايَ خاصمتُ أعداءَك من الكُفَّار.
"وإليك حاكَمْتُ"، (المحاكمة): رفعُ الأمرِ إلى القاضي؛ يعني: رفعتُ إليك أمري وجعلتُ قاضيًا بيني وبين مَن يخالِفُني فيما أرسَلْتَني به من الدِّين، وهو مثلُ قوله: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦]
* * *
٨٦٤ - وقالت عائشة ﵂: كانَ - تعني النبيَّ - ﷺ - إذا قامَ من الليلِ افتتحَ صلاتَه قال: "اللهم ربَّ جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ، فاطرَ السماواتِ والأرضِ، عالمَ الغيبِ والشهادةِ، أنتَ تحكُمُ بينَ عبادِكَ فيما كانوا
[ ٢ / ٢٦٧ ]
فيه يختلفونَ، اهدِني لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنِكَ، إنكَ تهدي مَن تشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ".
قوله: "رب جبرائيل وميكائيل " إلى آخره، وجهُ إضافةِ الربِّ إلى هؤلاء الملائكةِ مع أنه تعالى ربُّ جميعِ المخلوقاتِ بيانُ تخصيصِ هؤلاءِ الملائكةِ وتشريفِهم على غيرِهم.
(الفاطر): الخالقُ، "الغيبُ": ضدُّ الشاهد، ومعنى الشاهد: الحاضر والمرئي.
(اللام) في "لِمَا اخْتُلِفَ" بمعنى (إلى)؛ يعني: كلُّ حقًّ وصدقٍ اخْتَلَفَ الناسُ فيه فيقول بعضُهم: الحقُّ هذا، ويقول بعضهم: بل هذا.
"فاهدِني إلى ما هو الحقُّ بإذنِك"؛ أي: بفضلِك وقُدْرَتِك.
* * *
٧٦٥ - وقال رسول الله - ﷺ -: "من تَعَارَّ من الليلِ فقال: لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ ولهُ الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، سبحانَ الله والحمدُ للهِ ولا إلهَ إلا الله والله أكبرُ ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العلي العظيم"، ثم قال: "ربِّ اغفر لي - أو قال ثم دعا - استُجيبَ لهُ، فإن توضأَ ثم صلَّى قُبلَتْ صلاتُه".
قوله: "تَعَارَّ مِنَ الليل"، (تَعَارَّ) - بتشديد الراء -: تنبَّهَ من النوم، (من الليل)؛ أي: في الليل.
* * *
مِن الحِسَان:
٨٦٦ - قالت عائشة ﵂: كان رسولُ الله - ﷺ - إذا استيقظَ مِن
[ ٢ / ٢٦٨ ]
الليلِ قال: "لا إلهَ إلا أنتَ سبحانَكَ، اللهم أستغفرُك لذنبي، وأسألُك رحمتَك، اللهم زِدْني عِلْمًا، ولا تُزِغْ قلْبي بعدَ إذ هديتني، وهَبْ لي من لَدُنْكَ رحمةً، إنَّكَ أنتَ الوهَّابُ".
قوله: "ولا تُزِغْ قلبي"، (زاغَ): إذا مالَ عن الحقِّ إلى الباطِل؛ يعني: لا تجعلْ قلبي مائلًا عن الحقِّ إلى الباطل، وهذا تعليمٌ لأمته أن يَدعُوا بهذا الدعاءِ ليعلموا أنَّه لا يجوزُ لهم الأمنُ من مكرِ الله وزوالِ نِعمته.
* * *
٨٦٧ - عن مُعاذ بن جبَل - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "ما من مسلمٍ يَبيتُ على ذكرٍ طاهرًا فَيَتَعَارُّ من الليلِ، فيسألُ الله تعالى خيرًا إلا أَعطاهُ إياه".
قوله: "ما من مُسْلِمٍ يَبيتُ على ذِكْرٍ طاهرًا"؛ يعني: ليكنِ الرجلُ يضطجِعُ مُتَوَضئًا ويذكر الله تعالى، فإذا استيقظَ من النومِ استيقظَ فَذَكرَ الله، فإذا كان كذلك صار مستحِقًّا لأنْ يُستجابَ دعاؤُه.
* * *
٨٦٨ - عن عائشة ﵂ أنها سُئلت: بمَ كان رسولُ الله - ﷺ - يفتَتِحُ إذا هبَّ من الليلِ؟، فقالت: كانَ إذا هَبَّ من الليلِ كَبَّر عشرًا، وحَمِدَ عشرًا، وقال: "سبحانَ الله وبحمدِه" عشرًا، وقال: "سبحانَ الملكِ القُدُّوس" عشرًا، واستغفر عشرًا، وهلَّلَ عشرًا، ثم قال: "اللهم إني أعوذُ بك من ضيقِ الدنيا، وضيقِ يوم القِيامةِ، عشرًا، ثم يفتَتِحُ الصلاةَ.
قوله: "يَفْتَتِحُ إذا هَبَّ من الليل " إلى آخره، (يفتتح): أي: يبتدِئ، (إذا هب): أي: استيقظ من النوم.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
قوله: "من ضيقِ الدنيا"، أراد به مكارهَ الدنيا وشدائدَها؛ لأنَّ مَنْ به مشقةٌ من مرضٍ، أو دَيْنٍ، أو ظُلْمٍ صارت الأرضُ بعينه ضَيقةً، كقوله تعالى للنبي وأصحابه ﵇ ورضي الله عنهم في قصةِ حُنينٍ لمَّا هَزَمَهم الكافرون: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ ﴾ [التوبة: ٢٥ - ٢٦] إلى آخر الآية، يعني: لمَّا غلبتِ الكفارُ عليكُم صارتِ الأرضُ الواسعةُ في أعينكم ضَيقةً من الغَمِّ، ثم نَصَرَكم الله حتى هزمتموهم، وكذلك المرادُ من ضيق يومِ القيامة.
* * *