(صلاة التسابيح)
٩٣٨ - عن ابن عباس - ﵄ -: أن النبيَّ - ﷺ - قالَ للعباسِ بن عبدِ المطلبِ:
[ ٢ / ٣٠٤ ]
"يا عَمَّاهُ، ألا أُعلِّمُكَ، ألا أَمنَحُكَ، ألا أَفعلُ بكَ عشرَ خصالٍ إذا أنتَ فعلتَ ذلكَ غُفِرَ لكَ ذنبُك أولُه وآخرُه، خَطَؤه وعَمْدُه، صغيرُه وكبيرُه، سِرُّه وعلانيتُه: أن تُصلِّي أربعَ ركعاتٍ تقرأُ في كلِّ ركعةٍ فاتحةَ الكتابِ وسورةً، فإذا فرغتَ من القراءةِ قلتَ وأنتَ قائمٌ: سُبحانَ الله، والحمدُ للهِ، ولا إله إلا الله، والله أكبرُ خمسَ عشرةَ مرةً، ثم تركعُ فتقولُها عشرًا، ثم ترفعُ رأْسَك من الركوعِ فتقولُها عشرًا، ثم تَهوي ساجدًا فتقولُها عشرًا، ثم ترفعُ رأسَك من السجودِ فتقولُها عشرًا، ثم تَسْجُدُ فتقولُها عَشرًا، ثم ترفَعُ رأسك مِنَ السجودِ فتقولُها عشرًا قبل أن تقومَ، فذلك خمسٌ وسبعونَ في كلِّ ركعةٍ، إنِ استطعتَ أن تُصلِّيَها في كل يومٍ مرةً فافعلْ، فإن لم تفعلْ ففي كل جمعةٍ، فإن لم تفعلْ ففي كل شهرٍ فإن لم تفعلْ ففي كل سَنةٍ، فإن لم تفعل ففي عمُرِكَ مرةً".
قوله: "يا عمَّاه! ألَا أعلِّمُكَ، أَلَا أَمْنَحُك"، هذا الحديث قد سَقَطَتْ ألفاظُه في كتاب "المصابيح" من الناسخ، ولفظهُ ما أوردناه هنا.
(الهاء) في (عمَّاه) هاءُ السكت، وهاءُ الندبة لتعظيم النداء، وهي ساكنة.
"أَمْنَحُكَ"؛ أي: أُعْطِيكَ، كرَّر هذه الألفاظَ لتعظيم هذه الصلاةِ، وهذا التعليمُ في خاطرِ عباس، ولا بدَّ من إضمار، والتقدير: ألَا أُعلِّمُكَ شيئًا يكفِّرُ عشرةَ أنواعِ ذُنوبك، وهي أولُه وآخرُه، قديمه وحديثه إلى آخرِ الخِصَال، والمراد بالخِصَال الأنواعُ المذكورة.
قوله: "إذا أنت فعلت ذلك"، هذا شرحُ ما قال - ﷺ -: إذا أنت فعلت ما أعلمك غفر الله كل أنواع ذنوبك، عشر خصال.
قوله: "سره وعلانيته"، يجوزُ بالنَّصْبِ على تقديرِ: عَدَّ رسول الله - ﷺ - عشرَ خِصَال، ويجوز بالرفع على تقدير هذه عشرُ خِصَال.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
٩٣٩ - عن أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقولُ: "إنَّ أولَ ما يُحاسَبُ به العبدُ يومَ القيامةِ من عملِه صلاتُه، فإنْ صَلَحَت فقد أَفْلَحَ وأَنْجَحَ، وإن فَسَدَت فقد خابَ وخَسِرَ، فإن انتقَصَ من فَريضَتِه شيءٌ قال الرب ﵎: انظُروا هل لعبدي من تطوُّعٍ؟، فيُكَمَّلُ بها ما انتقصَ من الفَريضةِ، ثم يكونُ سائرُ عَمَلِهِ على ذلك".
وفي روايةٍ: "ثم الزكاةُ مثل ذلك، ثم تُؤْخذُ الأَعمالُ على حسبِ ذلك".
"أَفْلَحَ وأَنْجَحَ"، يأتي لازمًا ومتعدِّيًا وهنا لازمًا؛ أي: صارتْ حاجته، ومراده نافذًا.
"وإن فَسَدَتْ"؛ أي: وإن لم يؤِّد جميعَ فرائضِ الصلاةِ، أو أدَّاها غيرَ صحيحة.
"خاب"؛ أي: صار محرومًا عن الفوز والخلاص قبل العذاب.
قوله: "ثم يكونُ سائرُ عَمَلِه على ذلك"؛ يعني كذلك الصوم، إن تركَ شيئًا من الصيام الواجِب يؤخذ بدلَه ما صام من السُّنَّة والنوافل، وإن ترك شيئًا من الزكاة يؤخذ بدلَها ما أعطى من الصدقات.
قوله: "ثم تؤخَذُ الأعمالُ على حسب ذلك"؛ أي: على هذا المثال، يعني: من كان عليه حقٌّ لأحدٍ يؤخَذ من أعمالِه الصالحةِ بقدرِ ذلك الحقِّ، ويدفَع إلى صاحب الحَقِّ.
* * *
٩٤٠ - وعن أبي أُمامة - ﵁ - أنه قال: قال النبيَّ - ﷺ -: "ما أذِنَ الله لعبدٍ في شيءٍ أفضلَ من ركعتينِ يُصليهِما، وإنَّ البرَّ ليُذَرُّ على رأسِ العبدِ ما دامَ في صلاتِهِ، وما تَقَرَّبَ العبادُ إلى الله تعالى بمثْلِ ما خرجَ منهُ"، يعني: القرآن.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
قوله: "ما أَذِنَ الله لعبدٍ في شيءٍ أفضلَ من رَكْعتين يصلِّيهما"؛ يعني: أفضلُ العباداتِ الصلاةُ.
"وإن البرَّ لَيُدَرُّ": بالدال غير المعجمة؛ أي: وإن الرحمة والثواب لينزل على المصلِّي، ويجوز (ليَذُرُّ) بالذال المعجمة وضمِّها، ومعناه: يَنْشُر.
قوله: "بمثلِ ما خَرَجَ منه"؛ أي: بمثل قراءة القرآنِ؛ يعني: قراءةُ القرآن أفضلُ من الذِّكْر، لأن القرآنَ كلامُ الله تعالى، وفيه المواعظُ والحِكَمُ والاعتبارات، وغيرُ ذلك من الفوائدِ التي لا يمكنُ إحصاؤها.
وقد جاءَ في الحديثِ أنَّ القارئَ يُعطي بكلِّ حرفٍ عشرَ حَسَناتٍ، ولأنَّ القيامَ والمداومةَ بالقرآن سببُ بقاءِ القرآنِ بين الناس، وبقاءُ القرآن بقاءُ الدِّين، ولا شكَّ أن السَّاعِيَ في شيءٍ فيه بقاءُ الدِّين أفضلُ مِن غيره.
* * *