[ ٢ / ٥ ]
[٤]
كِتابُ الصَّلاةِ
(كِتابُ الصَّلاةِ)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٩٢ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الصَّلواتُ الخَمْسُ، والجُمعةُ إلى الجُمعةِ، ورمضانُ إلى رمضانَ، مُكَفِّراتٌ لمَا بينهُنَّ إذا اجْتَنَبَ الكبائرَ".
قوله: "الصلوات الخمس " إلى آخره.
يعني: مَن صلَّى صلوات الخمس وصلاةَ الجمعة، وصام شهر رمضان، غُفرت الصغائر من ذنوبه.
* * *
٣٩٣ - وقال: "أرأيتُمْ لو أنَّ نهرًا ببابِ أحدِكُمْ يَغتسِلُ فيهِ كُلَّ يومٍ خَمْسًا، هل يَبقى مِنْ دَرَنِه شيءٌ؟ "، قالوا: لا، قال: "فذلكَ مَثَلُ الصَّلواتِ الخَمْسِ يمحُو الله بهِنَّ الخَطايا"، رواه أبو هريرة - ﵁ -.
قوله: "من درنه"؛ أي: من وسخه.
"يمحو الله بهنَّ الخَطايا"؛ يعني: يزيل ويغفر ببركة الصلوات الخمس
[ ٢ / ٧ ]
الذنوبَ الصغائر، (الخطايا): جمع خطيئة.
* * *
٣٩٤ - عن ابن مَسْعود - ﵁ -: أنَّ رَجُلًا أَصابَ مِنْ امرأةٍ قُبْلةً، فأتى النَّبيَّ - ﷺ - فأخبَرَهُ، فأنزلَ الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، فقالَ الرَّجُلُ: يا رسولَ الله! ألي هذا خاصةً؟ قال: "لجميعِ أُمَّتي كُلِّهم".
وفي روايةٍ: "لِمَنْ عملَ بها مِنْ أُمَّتي".
"قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ " قال مقاتل: صلاة الفجر والظهر طرف، وصلاة العصر والمغرب طرف.
" ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ "؛ أي: صلاة العشاء، و(الزُّلف): جمع زُلْفةٍ، وهي قطعة من الليل؛ يعني: مَن صلَّى صلوات الخمس يغفر صغائر ذنوبه.
" ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] ": ذكر المفسرون أن معناه: أن الصلوات الخمس تَذهب بالسيئات.
قوله: "ألي هذا؟ "؛ يعني: هذه الآية حكمُها مختصةٌ بي، أم لجميع المسلمين؟ "فقال" رسول الله ﵇: "بل لجميع أمتي".
وكنية هذا الرجل: أبو اليَسَر، واسمُه: عمرو بن عربة (١) الأنصاري.
* * *
٣٩٥ - عن أنس - ﵁ - قال: جاء رجلٌ إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسولَ الله! إنِّي أصَبْتُ حدًّا فأقِمْهُ عليَّ، ولم يسألهُ عنه، وحضَرَتِ الصَّلاةُ، فصلَّى مَعَ
_________________
(١) كذا في جميع النسخ، والصواب: "كعب بن عمرو".
[ ٢ / ٨ ]
رسول الله - ﷺ -، فلمَّا قضى النَّبيُّ - ﷺ - الصَّلاةَ قامَ الرجُلُ، فقال: يا رسولَ الله! إنِّي أصَبْتُ حدًّا فأقِمْ فيَّ كتابَ الله، قال: "أليسَ قَدْ صلَّيْتَ معنا؟ "، قال: نعم، قال: "فإنَّ الله قَدْ غَفَرَ لكَ ذنبَكَ أو حدَّكَ".
قوله: "أصبت حدًا"؛ أي: فعلتُ شيئًا يوجب الحد.
"قال"؛ أي: قال الراوي: "ولم يسأله"؛ أي: ولم يسأل النبيُّ - ﵇ - ذلك الرجل "عنه"؛ أي: عن ذلك الذنب.
قوله ﵇: "إن الله قد غفر لك ذنبك، أو حدك" شكَّ الراوي في أن رسول الله - ﵇ - قال: (ذنبك) أو (حدك).
اعلم أن رسول الله - ﵇ - لم يسأله عن ذنبه: أيَّ شيء كان؟ وقال: (فإن الله قد غفر لك ذنبك)، وإنما لم يسأله؛ لأنه - ﵇ - عرف ذنبه وغفرانه بطريق الوحي، فإن كان ذنبه صغيرًا يكون هذا الحكم عامًا في جميع المسلمين - أعني: أن أداء الصلوات يكفِّر الذنب الصغير - وإن كان ذنبه كبيرًا يكون غفران ذنبه بأداء الصلاة حُكمًا مختصًا به؛ لأن النبي - ﵇ - قال في الحديث الأول من هذا الباب: "إذا اجتنبت الكبائر".
* * *
٣٩٦ - وقال عبد الله بن مَسْعود - ﵁ -: سألتُ رسولَ الله - ﷺ -: أيُّ الأعمالِ أحَبُّ إلى الله؟ قال: "الصَّلاةُ لوقتِها"، قلتُ: ثمَّ أيٌّ؟ قال: "برُّ الوالِدَيْنِ"، قلتُ: ثمَّ أيٌّ؟ قال: "الجهادُ في سبيلِ الله"، قال: حدَّثَني بهنَّ، ولو استَزَدْتُهُ لزادَني.
قوله: "أيُّ الأعمال أحب " إلى آخره.
هذا الحديث معناه ظاهرٌ، والمشكِلُ أنه قال ها هنا: "أحب الأعمال
[ ٢ / ٩ ]
إلى الله الصلاة لوقتها"، وفي حديث آخر: "أفضل الأعمال الإيمان بالله"، وفي حديث آخر: "أحسن الأعمال الحج" وغير ذلك من الأحاديث الواردة في أفضل الأعمال.
والتوفيق بين هذه الأحاديث أن نقول: معنى (أحب الأعمال): المذكورة في ذلك الحديث (١)، لا أحب جميع الأعمال الشرعية، فإن المذكور في هذا الحديث: الصلاة، وبر الوالدين، والجهاد، ولا شك أن الصلاة أحبُّ هذه الأعمال الثلاثة، وكذلك البحثُ في كلِّ حديثٍ يشبه هذا.
ويحتمل أن رسول الله - ﵇ - أجاب كلَّ سائلٍ بما هو الغرضُ عن سؤاله، والأصلحُ له، فعرف النبي - ﵇ - أن غرض ابن مسعود معرفةُ فضل الصلاة، فقال له النبي ﵇: (أحب الأعمال إلى الله الصلاة لوقتها).
وأراد بالصلاة لوقتها: أداء الصلاة في أول وقتها؛ لأنه جاء في هذا الحديث برواية أخرى: "أحب الأعمال إلى الله الصلاة لأول وقتها".
"بر الوالدين": الإحسان إلى الأب والأم.
قوله: "ولو استزدته لزادني"؛ أي: ولو سألته أكثر من هذه الثلاثة؛ لبيَّن لي حكمه.
* * *
٣٩٧ - وقال: "بينَ العبدِ وبينَ الكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاة"، رواه جابر.
قوله: "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة"؛ يعني: بين الرجل وبين دخوله
_________________
(١) في "ق": "معنى أحب الأعمال المذكورة في الحديث في كل حديث".
[ ٢ / ١٠ ]
في الكفر ترك الصلاة، فإنْ تَرَك الصلاة جاحدًا لوجوبها يدخل في الكفر، وإن تركها غير جاحدٍ لم يدخل في الكفر، ولكن قرب منه، لأنَّ مَن تهاون بالصلاة لم يبال أن يتهاون بسائر الأركان، وإذا تهاون بأركان الإسلام يقِلُّ وقع الإسلام وقَدْرُه في خاطره، وإذا قلَّ وقع الإسلام في خاطره يوشك أن يقع في الكفر.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٩٨ - عن عُبادة بن الصامت - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "خَمْسُ صَلواتٍ افترضَهُنَّ الله تعالى، مَنْ أحسَنَ وُضُوءَهُنَّ، وصَلَاّهُنَّ لوقتهِنَّ، وأتمَّ رُكُوعَهُنَّ وخُشُوعَهُنَّ؛ كانَ لهُ على الله تعالى عهدٌ أنْ يغفرَ له، ومَنْ لمْ يفعلْ فليسَ له على الله عهدٌ، إنْ شاءَ غفرَ له، وإنْ شاءَ عذَّبَه".
قوله: "افترضهن الله تعالى"، افترض وفرض واحد.
"الخشوع": حضور القلب وطمأنينة الأعضاء والتواضع.
"كان له على الله عهد"، (العهد): ما يجب حفظه من الميثاق، وعهدُ الله على عباده واجبٌ، وهو وجوبُ عبادته عليهم، وعهد العباد على الله غيرُ واجبٍ عند أهل السنة، بل وفاءُ الله بعهده ووعده كرمٌ وفضلٌ منه، وما وَعَدَ وعَهِدَ به الله يفي به البتة؛ لأنه لا يُخْلِفُ ميعاده.
يعني: من أدى عبادة الله تعالى فإن الله لا يضيع أجره كرمًا البتة، ومن لم يؤدِّ عبادته لم يُثْبتْ أجرًا حتى لا يضيعه الله، بل هو مذنبٌ بترك عبادته، وجزاءُ المذنب إلى الله، إن شاء عفا عنه فضلًا، وإن شاء عاقبه عدلًا.
* * *
٣٩٩ - وقال: "صلُّوا خَمْسَكُمْ، وصُومُوا شَهْرَكُمْ، وأدُّوا زكاةَ أموالِكُمْ،
[ ٢ / ١١ ]
وأطيعُوا ذا أمْرِكُمْ، تدخُلُوا جنَّةَ ربكُمْ"، رواه أبو أُمامة.
قوله: "صلوا خمسكم"؛ أي: خمس الصلوات المفروضة عليكم.
"شهركم"؛ أي: رمضان.
"ذا أمركم"؛ أي: الخليفةَ والسلطان وغيرهما من الأمراء.
فإذا فعلتم هذه الأشياء فجزاؤكم أن "تدخلوا جنة ربكم".
* * *
٤٠٠ - وقال: "مُرُوا أولادَكُمْ بالصَّلاةِ وهُمْ أبناءُ سَبْعِ سِنينَ، واضرِبُوهُمْ عليها وهُمْ أبناءُ عَشْرِ سنين، وفرِّقوا بينهُمْ في المَضاجِعِ"، رواه سَبْرَة بن مَعْبَد الجُهَنيُّ.
قوله: "مروا أولادكم"، (مروا): أمرُ مخاطبين من أمر، فحُذفت منها همزةٌ فاءُ الفعل للتخفيف، فلمَّا حذفت فاء الفعل فلم يحتج إلى همزة الوصل؛ لتحرُّك الميم.
يعني: إذا بلغ أولادكم سبع سنين فأْمروهم بأداء الصلاة؛ ليعتادوا ويستأنسوا بالصلاة، فإن لم يفعلوا فلا تضربوهم، فإذا بلغوا عشر سنين ولم يصلوا فاضربوهم على ترك الصلاة.
قوله: "وفرقوا بينهم في المضاجع"؛ يعني: إذا بلغوا عشر سنين فرِّقوا بين الأخ والأخت؛ لأن البلوغ في عشر سنين محتملٌ، فربما تغلب الشهوة على الذكور، فيفعلون فاحشة بالإناث وإن كن أخواتهم.
"سبرة" - بسكون الباء - جدُّه: عَوْسَجة بن حَرْمَلة الجُهَني.
* * *
[ ٢ / ١٢ ]
٤٠١ - وقال: "العَهْدُ الذي بينَنا وبينَهُمُ الصَّلاةُ فمَنْ تركَها فقدْ كَفَر"، رواه بُرَيْدَة.
قوله: "بيننا وبينهم"؛ أي: وبين المنافقين، هكذا جاء في بعض الروايات، يعني: لا مانع من قتل المنافقين إلا أداؤهم الصلاة، فإذا تركوا الصلاة ارتفع العهد الذي بيننا وبينهم، وصاروا كسائر الكفار فنقاتلهم.
* * *