(باب صلاة المسافر)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٩٤١ - قال أنس - ﵁ -: إنَّ النبيَّ - ﷺ - صلَّى الظُّهرَ بالمدينةِ أربعًا، وصلى العصرَ بذي الحُلَيْفَةِ ركعتينِ.
قوله: "صلَّى الظُّهرَ بالمدينة أربعًا " إلى أخره.
"وصلَّى العَصْرَ بذي الحُلَيفة ركعتين"، (ذو الحُلَيفة): ميقاتُ أهلِ المدينة؛ يعني: صَلَّى الظُّهْرَ بالمدينة اليومَ الذي أرادَ الخروجَ إلى مكةَ للحجِّ
[ ٢ / ٣٠٧ ]
أربعَ رَكَعات، وإذا خرجَ من المدينة ووصلَ إلى ذي الحُلَيفة صلَّى العَصْرَ رَكْعَتين؛ لأنه كان في السفر، ويجوزُ قَصْرُ الظُّهْر والعَصْر والعِشَاء في السَّفَر.
* * *
٩٤٢ - قال حارثة بن وَهْب الخُزاعي: صلَّى بنا النبيُّ - ﷺ - ونحنُ أكثرُ ما كنَّا قطُّ وآمَنُه بِمِنى، ركعتينِ ركعتينِ.
قوله: "ما كُنَّا قَطُّ"، (ما) في: (ما كنا) مصدرية، ومعناها الجمعُ؛ لأنَّ ما أضيفَ إليه (أفعلُ) التفضيل يكون جمعًا؛ يعني: أكثرُ أكواننا في سائر الأوقات عددًا.
قوله: "وآمَنُه"، الضميرُ فيه يرجِعُ إلى (ما)؛ أي: أكثرُ أَمْنًا ممَّا كنَّا في سائر الأوقات؛ يعني: قَصْر الصلوات في السفر لا يختصُّ بالخوف، بل يجوزُ من غيرِ خَوْفٍ.
وشرحُ هذا الحديثِ في الحديثِ الذي بعدَه.
* * *
٩٤٣ - وقال يَعْلى بن أُميَّة: قلت لعُمر بن الخطاب - ﵁ -: إنما قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾، فقد أمِنَ الناسُ؟، قال عمر: عَجِبتُ مما عجبتَ منه، فسألتُ رسولَ الله - ﷺ -؟ فقال: "صدقةٌ تصدَّقَ الله بها عليكم، فاقبلوا صَدَقَتَه".
قوله: "إنما قال الله: أنْ تَقْصُرُوا من الصَّلاة " إلى آخره؛ يعني: شَرْطُ قَصْرِ الصلاةِ في السفر عند خوفِ المسلمين من الكُفَّار، ثم جَوَّزَ لهم القَصْرَ عند الأمنِ أيضًا تَفَضُّلًا منه تعالى على عباده.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
قوله: "فاقبَلُوا صَدَقَتَه"؛ أي: اعملوا له برُخْصَته، وقابلوا فَضْلَه بالشُّكْر.
* * *
٩٤٤ - وقال أنس: خرجْنا مع النبيُّ - ﷺ - مِن المدينةِ إلى مكةَ، فكانَ يُصلي ركعتينِ ركعتينِ، حتى رجعْنا إلى المدينةِ، قيل له: أَقَمتم بمكةَ شيئًا؟، قال: أَقمنا بها عشرًا.
قوله: "أقمنا بها عشرًا"؛ أي: عشرَ ليالٍ، ومذهبُ الشافعيِّ - ﵁ -: أن الرجلَ المسافرَ إذا لَبثَ ببلدٍ ولم يَنْوِ الإقامة، وعَزَمَ على الخروج كلَّما انقضى شغلُه = جاز له القَصْرُ إلى ثمانيةَ عشرَ يومًا، وإن نوى الإقامةَ أربعةَ أيام فصاعدًا أتَمَّ.
وقال أبو حنيفة: جاز له القَصْرُ ما لم يَنْوِ الإقامةَ خمسةَ عشرَ يومًا.
* * *
٩٤٥ - وقال ابن عباس - ﵄ -: أقامَ النبيُّ - ﷺ - بمكةَ تسعةَ عشرَ يومًا يُصلي ركعتينِ.
قوله: "أقام النبي - ﷺ - بمكةَ تسعةَ عشرَ يومًا يُصَلِّي رَكْعتين"، (أقام): معناه: لَبثَ لشغلٍ على عَزْمِ الخروجِ متى انقضى شغلُه، وبها قال الشافعي في أحدِ أقواله.
* * *
٩٤٦ - وقال حَفْص بن عاصم: صَحِبتُ ابن عمرَ في طريقِ مكةَ، فصلَّى لنا الظهرَ ركعتينِ، ثم جاءَ رَحْلَهُ وجلسَ، فرأَى ناسًا قيامًا فقال: ما يصنعُ هؤلاءِ؟، قلتُ: يُسبحون، قال: لو كنتُ مسبحًا أَتممتُ صلاتي، صحبتُ
[ ٢ / ٣٠٩ ]
رسولَ الله - ﷺ -، فكانَ لا يزيدُ في السَفرِ على ركعتينِ، وأبا بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ - ﵃ - كذلك.
قوله: "فرأى ناسًا قيامًا"، (قيام): جمع قائم.
"يسبحُون": أي: يُصَلُّون السُّنَّةَ والنافلة.
* * *
٩٤٧ - وقال ابن عباس - ﵄ -: كان رسولُ الله - ﷺ - يجمعُ بينَ صلاةِ الظُّهر والعصرِ إذا كانَ على ظَهرِ سَيْرٍ، ويجمعُ بينَ المغربِ والعشاءَ، رواه ابن عمر، وأنسٌ، ومعاذ.
قوله: "إذا كان على ظَهْرِ سَيْرٍ"؛ أي: إذا كان في السَّفَر تارةً ينوي تأخيرَ الظُّهْرِ ليصلِّيَها في وقتِ العَصْر، وتارةً يُقدِّمُ العَصْرَ إلى وقت الظُّهرِ ويؤدِّيها بعد الظُّهْر، وكذلك المغرب والعشاء.
* * *
٩٤٨ - قال ابن عمر - ﵁ -: كانَ النبيُّ - ﷺ - يُصلِّي في السَّفَر على راحلتِه حيثُ توجَّهَتْ بهِ، يومئُ إيماءَ صلاةِ الليلِ إلا الفرائضَ، ويُوتِرُ على راحلتِهِ.
قوله: "يصلي في السَّفَر على راحلتِه حيث توجَّهَتْ به، يومِئُ إيماء"؛ يعني يجوزُ أداءُ السُّنةِ والنافلةِ مستقبلًا الطريقَ، راكبًا وماشيًا، يشير بالركوع والسجود، في السفر الطويل والقصير، فإن كان ماشيًا أو على دابة يسهلُ توجيهُها إلى القِبْلَة يلزمُه أن يستقبلَ القِبلةَ عند افتتاح الصلاة، ثم يستقبل الطريقَ ويُتِمُّ الصَّلاة.
[ ٢ / ٣١٠ ]
وقال أبو حنيفة: لا يجوزُ أداءُ الوِتْرِ إلا مستقبلَ القِبْلَة، وهذا لأنَّ الوِتْرَ عنده واجبٌ.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٩٤٩ - قالت عائشة ﵂: كلُّ ذلكَ قد فعلَ رسولُ الله - ﷺ -، قَصَرَ الصلاةَ وأتمَّ.
قوله: "قَصَرَ الصلاة وأَتَمَّ"؛ يعني: كان رسول الله ﵇ يَقْصُرُ الصلاةَ في الرباعية في السَّفر ويُتِمُّها، فهذا مُستَنَدُ الشافعيِّ، فإنه يجوزُ القَصْرُ والإتمامُ في السفر، ولا يجوزُ الإتمامُ عند أبي حنيفة.
* * *
٩٥٠ - قال عِمْران بن حُصَين: غزَوتُ مع النبيِّ - ﷺ - وشهدتُ معه الفتحَ، فأقامَ بمكةَ ثماني عشرةَ ليلةً لا يُصلي إلا ركعتينِ، يقول: "يا أهلَ البلدِ، صلُّوا أربعًا فإنَّا سَفْرٌ".
قوله: "فإنا سَفْرٌ"، السَّفْرُ بسكون الفاء: المسافرون.
* * *
٩٥١ - وقال ابن عمر - ﵁ -: صلَّيتُ معَ النبيِّ - ﷺ - الظُّهرَ في السفَرِ ركعتينِ، وبعدَها ركعتينِ، والعصرَ ركعتينِ، ولم يُصلِّ بعدَها، والمغربَ ثلاثَ ركعاتٍ وبعدَها ركعتينِ.
قوله: "وبعدها ركعتين"، أراد بالرَّكْعتين هنا: سُنَّةَ الظُّهر.
[ ٢ / ٣١١ ]
٩٥٢ - وعن مُعاذ بن جبَل - ﵁ -: أنَّ رسولَ - ﷺ - كَانَ في غزوةِ تَبُوكَ إذا زاغتْ الشمسُ قبلَ أن يرتحِلَ جمعَ بينَ الظُّهرِ والعصرِ، وإنْ تَرَحَّل قبلَ أن تَزيغَ الشمسُ أَخَّرَ الظهرَ حتى ينزلَ للعصرِ، وفي المغربِ مثْلَ ذلكَ، إن غابَت الشمسُ قبلَ أن يرتحِلَ جمعَ بينَ المغربِ والعشاءِ، وإنِ ارتحَلَ قبلَ أن تغيبَ الشمسُ أخَّرَ المغربَ حتى ينزِلَ للعشاءِ، ثم جمعَ بينهما.
قوله: "قبلَ أنْ تزيغَ الشمسُ آخرَ الظُّهْر"، زاغَ يَزيغُ: إذا مال؛ يعني: إذا زالت ودخلَ وقتُ الظُّهْرِ، وهو في منزلٍ يُصَلِّي العصرَ في وقت الظهرِ، وإن كان في وقت الظهرِ في السَّير يؤخرُ الظهرَ إلى وقت العَصْر.
* * *
٩٥٣ - عن أنس - ﵁ -: أن رسولَ الله - ﷺ - كانَ إذا سافرَ وأرادَ أنْ يتطوعَ استقبلَ القِبْلةَ بناقتِهِ، فكبَّرَ ثم صلَّى حيثُ وَجَّهَهُ رِكابُه.
قوله: "وجهه ركابه"؛ أي: استقبلَ الطريقَ الذي ذهبَ به مركوبُه.
* * *
٩٥٤ - وعن جابر - ﵁ - قال: بعثني رسولُ الله - ﷺ - في حاجةٍ فجئتُ وهو يُصلي على راحلتِهِ نحوَ المشرقِ، ويجعلُ السجودَ أخفضَ من الركوعِ.
قوله: "نحو المَشْرِق"؛ يعني: كان طريقُه إلى جانب المَشْرِق، يُصَلِّي النافلةَ متوجِّهًا إلى طريقه.
* * *
[ ٢ / ٣١٢ ]