(باب التنظيف والتبكير)
"التنظيف": التطهيرُ، و"التَّبْكِيرُ": المشيُ في أول النهار.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٩٦٩ - قال رسول الله - ﷺ -: "لا يغتسلُ رجلٌ يومَ الجمُعةِ ويتطهَّرُ ما استطاعَ من طُهرٍ، ويدَّهِنُ من دُهْنِهِ أو يَمَسُّ من طِيْبِ بيتِهِ، ثم يخرجُ، فلا
[ ٢ / ٣٢٠ ]
يُفَرِّقُ بين اثنينِ، ثم يُصلي ما كُتِبَ له، ثم يُنْصِتُ إذا تكلَّمَ الإِمامُ إلا غُفِرَ له ما بينَه وبينَ الجمُعةِ الأخرى"، وفي روايةٍ: "وفضْلُ ثلاثةِ أيامٍ".
قوله: "ما استطاعَ مِن طُهْرٍ"، أراد بهذا الطُّهْرِ: قصَّ الشاربِ، وقَلْمَ الأظفار، وحَلْقَ العَانة، ونَتْفَ الإبط، وتنظيفَ الثياب.
(أو): في "أو يمس": للشكِّ من الراوي، يعني: شكَّ الراوي أن رسول الله - ﵇ - قال: "ويدَّهن من دُهْنِه"، أو قال: "وَيمَسُّ من طِيبه" ومعنى (الدُّهْن) هنا: الطِّيب.
"ولا يُفَرِّقَ بين اثنين"؛ أي: ولا يجلسُ بين الاثنين اللَّذين يجلِسان متقارِبَين بحيث لا يكونُ بينهما موضعُ جلوسِ واحدٍ، ويحتملُ أن يكونَ معناه: ولا يتخطَّى رقابَ الناس.
"ما كتب له"؛ أي: ما رزقه الله تعالى مِن صلاةِ السُّنَّةِ والنوافل.
"ينصت"؛ أي: يَسْكُت.
"إذا تكلم الإمامُ"؛ أي: إذا قرأ الإمامُ الخطبةَ.
"وفضل ثلاثةِ أيام"؛ أي: زيادة ثلاثة أيام على سبعةٍ حتى تكون عشرة أيام؛ لأن الحسنةَ بعشرة أمثالها.
* * *
٩٧٠ - وقال: "مَنْ مَسَّ الحَصَى فقد لَغَا".
قوله: "مَن مسَّ الحَصى فقد لَغَا"؛ يعني: من وضعَ يدَه على حَجَرٍ يومَ الجمعة في المسجِد بطريقِ اللَّعِبِ من غيرِ ضرورة.
(فقد لغا): أي: فكأنه تكلَّمَ بلغْوٍ، وقيل: قد مالَ عن الحقِّ إلى الباطل.
[ ٢ / ٣٢١ ]
٩٧١ - وقال: "إذا كان يومُ الجمعةِ وقفَت الملائكةُ على بابِ المسجدِ يكتبونَ الأولَ فالأول، ومثلُ المُهَجِّر كمثَل الذي يُهدي بدَنةً، ثم كالذي يُهدي بقَرةً، ثم كَبْشًا، ثم دجاجةً، ثم بيضةً، فإذا خرجَ الإِمام طَوَوْا صُحفَهم، ويستمعونَ الذِّكرَ".
قوله: "يكتُبون الأولَ فالأولَ"؛ أي: يكتُبون: مَن أتى المسجدَ أولًا ثوابُه أكثرُ من ثوابِ مَن أَتى بعدَه.
"المُهَجِّر": الذي يمشي إلى المسجد في أولِ الوقت، (التهجيرُ): المشيُ في وقتِ غايةِ الحرارةِ، يعني: ثوابُ الذَّاهبينَ إلى المسجدِ على هذا التفاوُتِ.
"فإذا خرجَ الإمامُ"؛ أي: فإذا صعدَ الخطيبُ المنبرَ تَطوِي الملائكةُ كتبَهم ويَحْضُرون استماعَ الخُطبة؛ يعني: من دخلَ في هذا الوقتِ يكونُ ثوابُه قليلًا، ولا تكتُبه الملائكةُ مِن الذين لهم ثوابٌ كاملٌ.
* * *
٩٧٢ - وقال: "إذا قلتَ لصاحِبكَ يومَ الجمعةِ: أَنْصِتْ، والإمام يخطبُ؛ فقد لغَوْتَ".
قوله: "إذا قلتَ لصاحبك يومَ الجمعة: أنصتْ، والإمام يخطبُ، فقد لغوتَ"، رواه أبو هريرة، يعني: إذا قلت لمن يتكلَّم: اسكتْ، فقد تكلمتَ.
والكلامُ منهيٌّ عنه إما على سبيل الاستحبابِ، أو على سبيل الوجوب على اختلاف القَولين، بل الطريقُ أن تُشيرَ إليه بيدِكَ إذا أَمَرْتَه بالسكوت.
* * *
٩٧٣ - وقال: "لا يُقيمَنَّ أحدُكم أخاهُ يومَ الجُمعةِ ثم يخالفُ إلى مَقعدِه
[ ٢ / ٣٢٢ ]
فيقعدَ فيه، ولكنْ يقولُ: افسَحُوا"، رواه ابن عمر.
قوله: "لا يُقيَمنَّ أحدُكم أخاه " إلى آخره.
"المخالفةُ": أن يقومَ كلُّ واحدٍ من الشخصين مَقامَ صاحبه، و(المخالفة): المخاصَمةُ.
"يُخالِفُ إلى مقعده": أي: يأخذُ مَكانَه، يعني: لا يُخْرِجُ أحدٌ أحدًا عن مقامه، ثم يقعدُ في مقامه.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٩٧٤ - قال: "من اغتسلَ يومَ الجمعةِ، ولبسَ من أحسَنِ ثيابهِ، ومَسَّ من طيبٍ إنْ كان عندَه، ثم أَتى الجمُعةَ فلم يتخطَّ أَعناقَ الناسِ، ثم صلَّى ما كَتَبَ الله له، ثم أَنصتَ إذا خرجَ إمامُه حتى يفرُغَ من صَلاتِهِ؛ كانت كفارةً لمَا بينَها وبينَ جُمُعَتِهِ التي قبلَها".
قوله: "ولَبسَ من أحسنِ ثيابه " إلى آخره.
في هذا الحديث: بيانُ كونِ لُبْسِ الثيابِ الحسنةِ، واستعمالِ الطِّيْبِ سُنَّتين، وكونِ وَضْعِ القَدَمِ على رقابِ الناسِ وإيذائهم منهيًّا، وكونِ السكوتِ عند الخطبة حتى يفرُغَ من الصلاة مأمورًا به.
* * *
٩٧٥ - وقال رسول الله - ﷺ -: "من غسَّلَ يومَ الجمُعةِ واغتسلَ، وبَكَّرَ وابتكرَ، ومَشَى ولم يركبْ، ودَنَا من الإِمامِ واستَمعَ ولم يَلْغُ؛ كان له بكلِّ خطوةٍ عملُ سنةٍ: أَجْرُ صيامها، وقيامِها" رواه أَوْس بن أوسٍ.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
قوله: "مَن غسَلَ يومَ الجمعة واغْتَسل"؛ (غَسَلَ واغتسل)، رُوِيَ في (غسل) التشديدُ والتخفيف، فبالتشديد معناه: مَن وَطِئَ امرأتَه حتى يكونَ يومُ الجمعة، إذا دخلَ في كثرةِ الناسِ شهوتُه منكسرةٌ، حتى لا ينظرَ بالشهوةِ إلى ما لا يجوزُ النظرُ إليه.
ولغةً: (غسَّل) بالتشديد: حَمَلَ أحدٌ أحدًا على الاغتسال، وإذا وَطِئَ امرأتَه فقد حملَها على الاغتسال.
وأما بالتخفيف فمعناه: مَنْ غَسَلَ رأسَه بالخِطْمِيِّ وغيرِه، واغتسلَ غُسْلَ الجمعة؛ فإنَّ من غَسَلَ رأسَه واغتسلَ الجمعَة تكون نظافتُه أكثرَ.
ومعنى "بَكَّرَ" - بالتشديد -: مشى إلى المسجد في أولِ الوقتِ، ومعنى (ابتكر): استمع الخطبةَ، وهو من الابتكار، وهو لفظُ باكورةِ الثَّمَرة، وهو أولُ ما يبدو ويَطِيبُ من الثمار، ومن حضرَ واستمعَ أولَ الخُطبة فقد وجدَ باكورةَ الخطبة، "ولم يَلْغُ"؛ أي: ولم يَقُلْ لغوًا؛ أي: كلامًا ليس فيه خيرٌ.
* * *
٩٧٦ - وقال: "ما على أحدِكم أنْ وجَد أنْ يتخِذَ ثوبَينِ ليومِ الجمُعةِ سِوىَ ثَوْبَي مِهْنتهِ".
قوله: "ما على أَحدِكم"؛ أي: لا جناحَ ولا ضررَ على أحدِكم أن يكونَ له لباسٌ حسنٌ خاصةً ليومِ الجمعة.
"المهنة": الخِدْمة.
ومعنى "ثوبي مهنة": الثيابُ التي تكونُ معه فيه في سائر الأيام.
* * *
[ ٢ / ٣٢٤ ]
٩٧٧ - وقال: "احْضُروا الذِّكرَ وادنْوا من الإِمام، فإنَّ الرجلَ لا يَزالُ يتباعدُ حتى يُؤَخَّرَ في الجنَّةِ، وإنْ دخلَها".
قوله: "احْضُرُوا الذِّكْرَ"؛ (الذِّكْرُ) ههنا: الخطبة.
"يتباعَدُ"؛ أي: يتباعَدُ ويتأخَّرُ من الخيراتِ.
* * *
٩٧٨ - وقال: "مَنْ تَخَطَّى رقابَ الناسِ يومَ الجمعةِ اتخذَ جِسْرًا إلى جهنَّم"، غريب.
قوله: "اتخذَ جِسْرًا إلى جهنَّمَ"، (الجسرُ): القَنْطَرةُ، يعني: من وضعَ قدمَه على رقابِ الناسِ يومَ الجمعةِ وغيرِها، فكأنه يضعُ قدمَه على قَنْطَرةِ جهنم، يعني: يكونُ إيذاؤُه الناسَ سببًا لدخوله النارَ.
وجدُّ معاذٍ: سهلُ بن معاذ الجُهَني.
* * *
٩٧٩ - عن مُعاذ بن أنسَ - ﵁ -: أنَّ النبيَّ - ﷺ - نَهى عن الحُبْوَةِ يومَ الجمعةِ والإِمامُ يخطبُ.
قوله: "نهى عن الحُبْوة"، الحُبْوَة - بضم الحاء وكسرها -: اسمٌ من الاحتباء، وهو أن يجلسَ الرجلُ على مَقْعَدِته، وينصبَ ركبتيه بحيثُ يكونُ أخمصاه على الأرض، ويأخذَ بيدهِ خَلْفَ ركبتيه، أو يشدَّ ظهرَه وساقيه بإزارٍ ونحوِه.
ووجهُ النَّهْيِ: إذا جلسَ على هذه الهيئةِ يدخلُ عليه النَّوْمُ، ولا يكون مَقْعَدُه ممكَّنًا على الأرض، فربَّما يخرجُ منه رِيحٌ.
* * *
[ ٢ / ٣٢٥ ]
٩٨٠ - وقال: "إذا نعسَ أحدُكم يومَ الجمعةِ فليتحوَّلْ من مَجلِسهِ ذلك".
قوله: "فليتحوَّل"؛ أي: فلينتقْل من ذلك الموضعِ إلى موضعٍ آخرَ؛ ليذهبَ عنه النومُ.
"نَعِسَ"، أي: نام.
* * *