(باب صلاة الخوف)
مِنَ الصَّحَاحِ:
٩٩٥ - عن سالم بن عبد الله بن عمر - ﵄ -، عن أبيه، قال: غزوتُ مَع رسولِ الله - ﷺ - قِبَلَ نجْدٍ، فوازَيْنا العدُوَّ فصَافَفْنَا لهم، فقامَ رسولُ الله - ﷺ - يُصلي لنا، فقامَتْ طائفةٌ معه وأَقْبَلَتْ طائفةٌ على العدوِّ، وركعَ رسولُ الله - ﷺ - بمن معَهُ وسجَدَ سجدتَين، ثم انصَرفوا مكانَ الطائفةِ التي لم تُصَلِّ، فجاؤوا فركعَ رسولُ الله - ﷺ - بهم ركعةً وسَجدَ سجدتَينِ ثم سلَّم، فقامَ كلُّ واحدٍ منهم فركعَ لنفسِهِ ركعتَهُ، وسجدَ سجدتينِ.
ورواه نافعٌ، عن عبد الله بن عمر، وزادَ: فإنْ كانَ خَوفٌ هو أَشدُّ من ذلكَ صلَّوا رِجالًا قيامًا على أقدامِهم، أو رُكبانًا مُسْتَقْبلِي القِبْلةِ أو غيرَ مُستقبلِيها.
[ ٢ / ٣٣٢ ]
قال نافع: لا أُرَى عبدَ الله بن عمرَ ذكرَ ذلك إلا عن رسولِ الله - ﷺ -.
قوله: "فوازَيْنَا"؛ أي: فحَاذَيْنا ولاقَيْنا، (المُوَازَاة): المُحَاذَاةُ.
"فصافَفْنَا"؛ أي: فوافقنا بالصَفِّ على وجُوهِهِم.
"ورَكعَ رسولُ الله - ﵇ -"؛ يعني: صلَّى بِمَنْ معه ركعةً، ومَشَتْ هذه الطائفةُ إلى وَجهِ العدو، ولم تُسَلِّم، ثم جاءت الطائفةُ التي كانت في وجه العدو، واقتدَتْ برسولِ الله - ﵇ -، وصلى بهم الركعة الثانية، وسلَّم رسول الله - ﵇ -، ولم تسلِّمْ هذه الطائفة، وخرجوا إلى وَجْه العدو، وجاءت الطائفة الأولى إلى مكانهم، وصلوا ركعتهم الثانية منفردين أيضًا، وسلَّموا ومضَوا إلى وجه العدو، ثم جاءت الطائفة الثانية وصَلوا ركعتَهم الثانية منفردين أيضًا وسلَّموا، وبهذا قال أبو حنيفة.
قوله: "مُسْتَقْبلِي القبلةَ أو غَيْرَ مُسْتقبلِيْها"؛ يعني: فإن اختلط المسلمون والكفار في المحاربة، ولم يمكَّنْ للمسلمين أن يصلوا مستقبلي القبلة بالركوع والسجود، صلوا بالإشارة كيفَ اتَّفَقَ لهم.
* * *
٩٩٦ - وعن يَزيد بن رُومَان، عن صالح بن خَوَّاتٍ، عمَّن صلَّى مع رسولِ الله - ﷺ - يومَ ذاتِ الرِّقاع صلاةَ الخوفِ: أنَّ طائفةً صَفَّتْ مَعَهُ، وطائفةً وُجاهَ العدوِّ، فصلى بالتي معَه ركعةً ثم ثبتَ قائمًا، وأَتمُّوا لأنفسِهم، ثم انصرفوا فصفُّوا وُجاهَ العدوِّ، وجاءَتْ الطائفةُ الأُخرى فصلى بهم الركعةَ التي بقيَتْ من صلاتِهِ، ثم ثبتَ جالسًا وأَتمُّوا لأنفسِهم ثم سلَّم بهم.
ورواهُ القاسمُ، عن صالح بن خَوَّاتٍ عن سهلِ بن أبي حَثْمة - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ -.
[ ٢ / ٣٣٣ ]
قوله: "صلَّى مع رسول الله - ﵇ - يومَ ذاتِ الرِّقَاع صلاةَ الخوف"، (ذات الرِّقاع): غزوةٌ غزاها رسول الله - ﵇ - في السَّنة الخامسة من الهجرة، فلَقِيَ المسلمون الكفار، فخافوهم فصلَّى رسول الله - ﵇ - هذه الصلاة، ثم انصرف المسلمون والكفار، ولم يجرِ بينهم حربٌ.
سُمِّيَتْ تلك الغزوة (ذات الرِّقاع)؛ لأن تلك الغزوة كانت بأرضِ كانت ألوانُها مختلفة من سوادٍ وبياضٍ وصفرةٍ وحمرةٍ، كالرِّقَاع المختلفة في الألوان.
قوله: "وأَتمُّوا لأنفسهم"؛ أي: صلَّت الطائفة الأولى الركعة الثانية منفردين وَسَلَّمُوا.
قوله: "وجاءَتِ الطائفةُ الأخرى وأتمُّوا لأنفسهم"؛ أي: صلوا الركعة الثانية منفردين من غير نِيَّةِ المُفَارقة، ومن غير تسليم، بل جلسوا في التشهد، وسلم رسول الله - ﵇ - بهم، وبهذه الرواية عمل الشافعي ومالك.
* * *
٩٩٧ - قال جابر: أَقْبَلْنا معَ رسولِ الله - ﷺ - حتى إذا كنا بذاتِ الرِّقاعِ فنُودِيَ بالصلاةِ، فصلى بطائفةٍ ركعتينِ، ثم تأخَّروا، وصلَّى بالطائفةِ الأُخرى ركعتَينِ، فكانَت لرسولِ الله - ﷺ - أربعَ ركعاتٍ وللقومِ ركعتانِ.
قوله: "أقبلنا مع رسول الله - ﵇ - " إلى آخره.
هذه الروايةُ مخالفةٌ لِمَا قبلَها مع أنَّ الموضعَ واحدٌ، ويحتمل أن رسول الله - ﵇ - صلى بهذا المَوْضعِ مرتين؛ مرة كما رواه سَهْلُ بن أبي حَثْمَة وغيره، ومرة كما رواه جابر.
* * *
[ ٢ / ٣٣٤ ]
٩٩٨ - عن جابر - ﵁ - قال: صلَّى رسولُ الله - ﷺ - صلاةَ الخوفِ، فَصَفَفْنَا خلْفَهُ صَفَّيْنِ، والعدُوُ بَيْنَنَا وبينَ القِبلةِ، فَكَبَّرَ النبيُّ - ﷺ - وكبَّرنا جميعًا، ثم ركعَ وركعْنَا جميعًا، ثم رفعَ رأسَه من الركوعِ ورفعْنَا جميعًا، ثم انحدَرَ بالسُّجودِ والصفُّ الذي يليهِ؛ وقامَ الصفُّ المُؤخَّرُ في نَحْرِ العدوِّ، فلما قضَى النبيُّ - ﷺ - السجودَ وقامَ الصفُّ الذي يليهِ، انحدرَ الصفُّ المؤخَّرُ بالسجودِ ثم قاموا، ثم تقدَّمَ الصفُّ المؤخَّرُ، وتأخَّرَ المُقَدَّمُ ثم ركعَ النبيُّ - ﷺ - وركعْنَا جميعًا، ثم رفعَ رأسَهُ من الركوعِ ورفعْنَا جميعًا، ثم انحدَرَ بالسجودِ والصفُّ الذي يليهِ، الذي كانَ مُؤَخَّرًا في الركعةِ الأُولى، وقامَ الصفُّ المؤخَّرُ في نحرِ العدوِّ، فلما قضى النبيُّ - ﷺ - السجودَ والصفُّ الذي يليه؛ انحدرَ الصفُّ المؤخَّرُ بالسجودِ، فسجدوا، ثم سلَّم النبيُّ - ﷺ - وسلَّمْنَا جميعًا.
قوله: "انحدَرَ بالسجود والصفُّ الذي يليهِ"، (الحَدْرُ): السجود؛ أي: نزل، (يَلِيْه)؛ أي: يكونُ أقرب منه.
"في نَحْرِ العدوِّ"؛ أي: في إزاء العدو؛ يعني: وقفوا ينظرون إلى العدو كي لا يحمل عليهم العدو.
قوله: "ثم تقدَّمَ الصفُّ المُؤَخَّرُ"؛ يعني: تقدم الصَفُّ الآخرُ بخطوة أو خطوتين ووقفوا مكان الصَّفِّ الأول، وتأخرَ الصَّفُّ الأول بخطوة أو خطوتين، ووقفوا مكان الصَّفِّ المتأخر، وإنما فعلوا ذلك؛ لأنَّ النَّوْبَةَ (١) في موافقة النبي - ﵇ - للصَفِّ المتأخر في الركعة الثانية؛ فينبغي أن يكون أقرب منه من غيرهم.
قوله في الركعة الثانية: "ثم ركعَ النبيُّ - ﵇ -"؛ يعني: قامَ وقرأَ
_________________
(١) في "ق": "الأسوة".
[ ٢ / ٣٣٥ ]
الفاتحةَ والسورةَ ثم رَكَعَ.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٩٩٩ - عن جابرٍ - ﵁ -: أنَّ النبيَّ - ﷺ - كانَ يُصلي بالناسِ صلاةَ الظُّهرِ في الخَوفِ ببطنِ نخْلٍ، فصلَّى بطائفةٍ ركعتينِ ثم سلَّم، ثم جاءَ طائفةٌ أخرى فصلَّى بهم ركعتين، ثم سَلَّم.
قوله: "فصلى بطائفة ركعتين " إلى آخره.
هذا الحديثُ يدلُّ على جَوازِ اقتداءِ المُفْتَرِضِ بالمُتَنَفِّلِ؛ لأنَّ الطائفةَ الثانية كانوا مُفْتَرِضين، ورسولُ الله - ﵇ - كان مُتنفِّلًا إذا أمَّهم - ﵇ -.
* * *