(باب صلاة العيد)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٠٠٠ - عن أبي سعيد الخُدري - ﵁ - قال: كانَ النبيُّ - ﷺ - يخرجُ يومَ الفِطْرِ والأَضْحى إلى المُصلَّى، فأَولُ شيءٍ يبدأُ به الصلاةُ، ثم ينصرفُ فيقومُ مقابلَ الناسِ والناسُ جلوسٌ على صفوفهم، فَيَعظُهم ويُوصِيهم ويأمُرُهم، وإنْ كانَ يريدُ أن يَقْطَعَ بَعْثًا قطعَهُ، أو يأمر بشيءٍ أَمَرَ به، ثم ينصرفُ.
"فأولُ شيءٍ يبدأُ به الصَّلاةُ"، يعني: ليس لصلاةِ العيد قبلَها سُنَّة، ولا بعدها.
"أن يَقْطَعَ بَعْثًا"، (البَعْثُ): الجيش؛ يعني: أن يُرسِلَ جيشًا إلى ناحيةٍ أرسَلَهُ.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
"أو يأمرُ بشيءٍ"؛ يعني: أو يأمرُ بشيءٍ من أمورِ الناسِ ومصالِحِهِم.
* * *
١٠٠١ - عن جابر بن سَمُرَةَ أنه قال: صلَّيتُ مع النبيِّ - ﷺ - العيدين غيرَ مرةٍ ولا مرتينِ، بغيرِ أذانٍ ولا إقامةٍ.
قوله: "بغير أذَانٍ ولا إقامة"؛ يعني: لا يُؤذَّنُ لها، ولا يُقَام، بل يُنادى: (الصَّلاةَ جَامِعة)؛ ليجتمع الناس بهذا الصوت.
* * *
١٠٠٢ - وقال ابن عمر - ﵁ -: كانَ النبيُّ - ﷺ -، وأبو بكرٍ، وعمرَ يُصَلُّونَ العيدينِ قبلَ الخُطبةِ.
قوله: "يصلون العيدَيْنِ قبلَ الخُطبة"؛ يعني: الخُطبة في العيد بعد الصَّلاة بخلاف الجمعة؛ لأن خطبةَ الجمعة فريضةٌ، فلو قُدِّمَتِ الصلاة على الخطبة، ربما يتفرق جماعةٌ من الناس إذا صلوا الصلاة، ولا ينتظرون الخطبة، فيأثَموا، وأما خطبة العيد فسُنَّةٌ، فلو صلى بعضُ القوم، ولم ينتظر استماعَ الخطبة، لا إثمَ عليه.
* * *
١٠٠٣ - وسُئل ابن عباسٍ - ﵄ -: شهدتَ مع رسولِ الله - ﷺ - العيدَ؟، قال: نَعَم، خرجَ رسولُ الله - ﷺ - فصلَّى ثم خَطَبَ، ولم يذكُر أَذانًا ولا إقامةً، ثم أتى النساءَ فَوَعَظَهُنَّ وذَكَّرَهنَّ وأَمَرَهن بالصدقةِ، فرأيتهنَّ يُهْوينَ إلى آذانِهنَّ وحُلوقِهنَّ يدفَعْنَ إلى بلال، ثم ارتفعَ هو وبلالٌ إلى بيتِهِ.
قوله: "شَهِدْتَ" همزة الاستفهام منه محذوفةٌ؛ أي: أشَهِدْتَ؛ يعني: أحضَرْتَ.
[ ٢ / ٣٣٧ ]
"يُهْوِيْنَ" بضم الياء الأولى وكسر الواو؛ أي: يَقْصِدْنَ إلى حُلِيهِنَّ من القُرْطِ والقِلادة والعِقْدِ ويَدْفَعْنَهُ إلى بلال ليتصدقَ لهنَّ على الفقراء.
"ارتفع"؛ أي: ذهب.
* * *
١٠٠٤ - وقال ابن عباس - ﵄ -: إنَّ رسول الله - ﷺ - صلَّى يومَ الفِطْرِ ركعتينِ لم يُصَلِّ قبْلَها ولا بعدَها.
قوله: "صلى يوم الفطر ركعتين لم يصلِّ قبلَهما ولا بعدَهما"؛ يعني: صلاة العيد ركعتان، وليسَ قبلها ولا بعدها سنة.
* * *
١٠٠٥ - وقالت أُم عَطيَّة: أُمِرْنَا أنْ نُخرِجَ الحُيَّضَ يومَ العيدينِ وذواتِ الخُدُورِ، فيشهدنَ جماعةَ المُسلمينَ ودعوتَهم، وتعتزلُ الحُيَّضُ عن مُصَلَاّهُنَّ، قالت امرأةٌ: يا رسولَ الله!، إحدانا ليسَ لها جِلْبَابٌ؟، قال: "لِتُلْبسْها صاحبتُها من جِلْبَابها".
قوله: "وتعتزل الحُيَّضُ عن مصلاهن"، (الحُيَّضُ): جمع حائض.
"الخُدُور": جمع خِدْرٍ وهو الستر، (ذواتِ الخُدُور): النساء اللاتي قلَّ خروجُهُنَّ من بيوتِهن.
"يَشْهَدْنَ"؛ أي: يَحْضُرْنَ.
"تعتزلُ"؛ أي: تنفصلُ وتقفُ في موضعٍ منفردات؛ يعني: أمرَ رسولُ الله - ﵇ - بأن تحضرَ جميعُ النساء يومَ العيد المُصَلَّى؛ لِتُصلِّيَ مَنْ ليسَ لها عُذْرٌ، وتَصِلُ بركةَ الدعاء والصلاة إلى مَنْ لها عذر في ترك الصلاة مِنهنَّ، وهذا
[ ٢ / ٣٣٨ ]
ترغيبٌ للناس في حضور الصلاة، ومجالس الذكر، ومقاربة الصلحاء؛ لينالهم بركتهم، وحضورُ النِّساء المصلَّى في زماننا غير مستحبٍ؛ لظهور الفساد بين الناس.
واسمُ أم عطيَّة: نُسَيْبَة بنت الحَارث، وقيل: بنت كعب، وهي أنصارية.
* * *
١٠٠٦ - وعن عائشة ﵂: أن أبا بكرٍ - ﵁ - دخلَ عليها وعندَها جاريتانِ في أيامِ مِنَى تُدَفِّفانِ وتضرِبَانِ - وفي رواية: تغنِّيانِ - بما تَقَاوَلَتْ الأنصارُ يومَ بُعاثٍ، والنبيُّ - ﷺ - مُتَغَشٍّ بثوبهِ، فانتهرَهُمَا أبو بكرٍ، فكشفَ النبيُّ - ﷺ - عن وجهِهِ فقال: "دَعْهُمَا يا أبا بكرٍ، فإنها أيامُ عيدٍ"، وفي روايةٍ: "يا أبا بكرٍ، إن لكل قومٍ عيدًا، وهذا عيدُنا".
قوله: "تُدَفِّفَان"؛ أي: تضربان الدُّف.
قوله: "وتَضْرِبَان": هذا تكرار لزيادة الشرح؛ أي: وتضربان الدُّف.
(تَقَاوَلَ) الرجلان: إذا أجابَ كلُّ واحدٍ منهما الآخر.
"يوم بُعَاثٍ" بالعين غير المعجمة والباء مضمومة: اسم لحرب بين أَوْسٍ وخَزْرَجٍ قبل الإسلام، وهما قبيلتان من الأنصار؛ يعني: تغنيان بالأشعار التي يقرأها كل واحد من القبيلتين في ذلك اليوم؛ لإظهار شجاعتهم.
وهذا يدل على جواز ضَرْبِ الدُّف، وجواز قراءة الأشعار التي لم يكن فيها وصفُ امرأة مُعَيَّنَةٍ، ولا هَجْوُ مسلم.
قوله: "والنبي - ﷺ - مُتَغَشٍّ"، الصواب: "مُتَغَشٍّ" بحذف الياء؛ لأنه مرفوع بخبر المبتدأ، وفي أكثر نسخ "المصابيح": "متغشيًا" بالنصب، وهو لحن؛ لأنه لو نُصبَ لبقيَ المبتدأ بلا خبر، ومعنى (التَّغَشِّي): التَّغطي والتَّستر.
[ ٢ / ٣٣٩ ]
قوله: "انتهرَ": إذا رفعَ الصَّوتَ على أحد ومنعه.
وهذا الحديث يدلُّ على تعظيم أيام العيد، وتجويزُ الضَّربِ للطَّرب والفرح، واللعب بما ليس فيه معصية.
* * *
١٠٠٧ - وقال أنس - ﵁ -: إنَّ النبيَّ - ﷺ - كانَ لا يغدو يومَ الفِطْرِ حتى يأكلَ تَمَرَاتٍ، ويأكُلُهنَّ وِترًا.
قوله: "ويأكُلُهُنَّ وِتْرًَا"؛ يعني: يأكلُ قبلَ الخروج إلى صلاة عيد الفطر تمرات بعدد الوتر ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا، وما أشبه ذلك.
* * *
١٠٠٨ - وقال جابر: كانَ النبيُّ - ﷺ - إذا كانَ يومُ عيدٍ خالفَ الطريقَ.
قوله: "إذا كان يوم عيد خالف الطريق"؛ يعني: يمشي إلى المُصلَّى في طريقٍ، ويعود في طريقٍ آخر، يمشي في طريق بعيد؛ لتكثرَ خُطُوَاته؛ لأن في كلِّ خُطْوةٍ درجةً، ويعود في طريق أقرب؛ ليقلَّ انتظارُ أهلِ بيته إيَّاه.
ويحتمل أن يمشيَ في طريقٍ، ويعود في طريق آخر؛ ليستفيدَ منه أهل الطريقَيْنِ بالسُّؤال والبَركة.
* * *
١٠٠٩ - وقال البَرَاءُ - ﵁ -: خَطَبنا رسول الله - ﷺ - يومَ النحرِ فقالَ: "إنَّ أولَ ما نبَدأُ بهِ في يومِنا هذا أن نُصلَّيَ ثم نَرجعَ فننحرَ، فَمَنْ فعلَ ذلك فقدْ أصابَ سُنَّتَنَا، ومَن ذَبَحَ قبلَ أنْ يُصَلِّي فإنما هو شاة لحمٍ عَجَّلَهُ لأهلِهِ ليسَ مِن النُّسُكِ في شيءٍ".
[ ٢ / ٣٤٠ ]
قوله: "خطبنا رسول الله - ﵇ - يوم النحر، فقال: إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي"، (يوم النحر): يوم عيد الأضحى.
"وليس من النُّسُكِ في شيء": يعني: ليسَ بقُرْبَان، ولا ينال ثوابَ القُرْبَان.
واعلم أن أول وقت الأُضْحِيَة: إذا مضى من يوم العيد بعدَ ارتفاع الشمس بقَدْر رُمْحٍ، قَدْر صلاة العيد والخطبتين، فإذا مضى هذا القَدْرُ دخل وقتُ الأُضْحِيَةِ، وإن لم يُصَلِّ القوم، وآخر وقته: إذا مضى اليوم الرابع مع يوم العيد يستوي فيه أهل الأمصار والقرى، هذا مذهب الشافعي - ﵁ -.
وأما مذهب أبي حنيفة: أنه يجوز لأهل القرى الأُضْحِيَة بعدَ طلوع الشمس، ولا يجوز لأهل المِصْرِ حتى يصليَ الإمامُ، فإن لم يُصَلَّ الإمامُ فحتى تزولَ الشمس، وآخرُ وقتِهِ عندَه آخرُ اليوم الثالث مع يوم العيد.
* * *
١٠١٠ - وقال: "مَنْ ذبحَ قبلَ الصلاةِ فليذبحْ مكانَها أُخرى، ومَن لم يَذبَحْ حتى صلَّينا فلْيذبحْ على اسمِ الله تعالى".
قوله: "من ذبَحَ قبلَ الصلاة فليذبَحْ مكانَها أخرى"؛ يعني: ذَبْحُ الأُضْحِية قبلَ الصلاة لا يجوز، وبعدَها يجوز، ولْيُسَمِّ الله الذي يَذْبَحُهَا.
* * *
١٠١١ - وقال: "مَنْ ذَبَحَ قبلَ الصلاةِ فإنما يَذبحُ لنفْسِه، ومَنْ ذبحَ بعدَ الصلاةِ فقد تَمَّ نُسُكُهُ، وأصابَ سُنَّةَ المسلمينَ".
قوله: "فإنما يذبَحُ لنفسه"؛ يعني: لا تجوز عن الأُضْحِية.
* * *
[ ٢ / ٣٤١ ]
١٠١٢ - وقال ابن عمر - ﵁ -: كانَ رسول الله - ﷺ - يذبحُ وينحرُ بالمُصلَّى.
قوله: "يذبحُ وينحرُ بالمصلى"، الذَّبْحُ للبقر والغنم، والنَّحْرُ للإبل.
وإنما فعلَ رسولُ الله - ﵇ - الذَّبْحَ والنَّحْرَ بالمصلى في كلٍ لإظهارِ شِعَارِ الأضحية؛ ليراه الناس، ويقتدون به.
ويجوز الذَّبْحُ في كل مَوْضعٍ في الدُّور وأجواف البيوت وغير ذلك.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٠١٣ - قال أنس - ﵁ -: قَدِمَ النبيُّ - ﷺ - المدينةَ ولهم يومانِ يلعبونَ فيهما، فقال: "ما هذانِ اليومانِ؟ "، قالوا: كنا نلْعبُ فيهما في الجاهليةِ، فقال النبيُّ - ﷺ -: "قد أَبْدَلَكُم الله بهما خيرًا منهما: يومَ الأَضحى، ويومَ الفِطْرِ".
قوله: "قد أبدَلَكُمُ الله تعالى بهما خيرًا منهما: يومَ الأضحى، ويومَ الفطر"؛ يعني: اتركوا هذين اليومين، يعني: النَّيْرُوْز والمَهْرجان، وخذوا واقبلوا بَدَلَهُما يومَ الأضحى ويوم الفطر، وهذا يدل على أن تعظيم يومَ النَّيْرُوز والمَهْرَجَان وغيرهما مما لم يأمر الشَّارِعُ به لا يجوز.
* * *
١٠١٤ - وقال بُرَيْدَة: كانَ النبيُّ - ﷺ - لا يخرُجُ يومَ الفِطْرِ حتى يَطْعَمَ، ولا يَطْعَمَ يومَ الأَضْحى حتى يُصلِّي.
قوله: "لا يخرجُ يومَ الفِطْرِ حتى يَطْعَمَ، ولا يَطْعَمَ يومَ الأضحى حتى يُصلِّيَ": أي: لا يأكل يوم الأضحى قبلَ الصلاة موافقةً للفقراء؛ لأن الظاهر أن لا يكون للفقراء شيء، إلا ما أعطاهم الناس من لحوم الأضاحي، وهذا
[ ٢ / ٣٤٢ ]
يكون بعد الصلاة.
وقيل: إنما لا يأكل قبل الصلاة يوم الأضحى؛ ليكونَ أولَ ما يأكل لحمُ أضحيتِهِ.
وقد قال بريدة: إن رسول الله - ﵇ - كان يَطْعَمُ يومَ الفطر قبل أن يَخْرُجَ، وكان إذا كان يوم النَّحْرِ لم يَطْعَمَ حتى يرجِعَ فيأكلَ من ذَبيحَتِهِ، ويَدْفَعُ الفطرةَ إلى الفقراء قبلَ الصلاة في عيد الفطر؛ فكان يأكلُ قبلَ الصلاة.
* * *
١٠١٥ - عن كثيرٍ بن عبدِ الله، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ النبيَّ - ﷺ - كبَّرَ في العيدينِ في الأُولى سبعًا قبلَ القراءةِ، وفي الآخرةِ خمسًا قبلَ القراءةِ.
قوله: "كَبَّرَ في العيدين في الأولى سَبعًا قبل القراءة وفي الأخيرة خمسًا قبل القراءة"، وبهذا قال الشافعي ومالك وأحمد.
والسَّبْعُ في الأُولى غيرُ تكبيرةِ الإحرام وتكبيرةِ الركوع، والخَمْسُ في الثانية غيرُ تكبيرةِ القيامِ وتكبيرةِ الركوع، وكلُّ واحدة من السَّبْعِ والخَمْسِ قبلَ القراءة.
وعند أبي حنيفة: في الأولى أربع تكبيرات قبل القراءة مع تكبيرة الإحرام، وفي الثانية أربع تكبيرات بعد القراءة مع تكبيرة الركوع.
* * *
١٠١٦ - ورُويَ مرسلًا عن جَعْفر بن محمد: أنَّ النبيَّ - ﷺ -، وأبا بكرٍ، وعمرَ كبَّروا في العيدين والاستسقاء سبعًا، وخمسًا، وصلَّوا قبلَ الخطبةِ وجَهروا بالقِراءةِ.
[ ٢ / ٣٤٣ ]
١٠١٧ - وسُئل أبو موسى - ﵁ -: كيفَ كانَ رسولُ الله - ﷺ - يكبرُ في الأَضْحى والفِطْرِ؟، قال؛ كانَ يُكَبرُ أربعًا تكبيره على الجَنائزِ.
قوله: "تَكْبيرَهُ على الجنائز"، (تكبيرَه)؛ أي: مثل تكبيره على الجنائز، وهذا مُتَمَسَّكُ أبي حنيفة، كما ذكر بحثه.
* * *
١٠١٨ - عن البَرَاء - ﵁ -: أنَّ النبيَّ - ﷺ - نُووِلَ يومَ العيدِ قَوسًا فخطبَ عليه.
١٠١٩ - ورُويَ مُرسَلًا: أن النبيَّ - ﷺ - كانَ إذا خطبَ يعتمدُ على عَنَزَتِهِ اعتمادًا.
قوله: "نوُوِلَ يومَ العيد قوسًا"، (نُوْوِلَ): أي: أُعطِي، من ناَوَلَ يُنَاوِلُ: إذا أعطى؛ يعني: السُّنةُ أن يأخذَ الخطيبُ بيده اليُسرى قَوْسًا أو سيفًا أو عَنَزَةً - وهي رُمْحٌ قصير - أو عصًا، ويأخذ بيده اليمنى خشبَ المنبر.
* * *
١٠٢٠ - وعن جابر - ﵁ - أنه قال: شهدتُ معَ النبيِّ - ﷺ - في يومِ عيدٍ، فبدأَ بالصلاةِ قبلَ الخطبةِ بغيرِ أذانِ ولا إقامةٍ، فلما قَضَى الصلاةَ قامَ متوكِّئًا على بلالٍ فحمدَ الله وأثنَى عليهِ، ووعظَ الناسَ وذكَّرهم وحثَّهم على طاعته، ومضَى إلى النِّساءِ ومعَهُ بلالٌ، فأمرهنَّ بتقوى الله ووعظَهنَّ وذكَّرهنَّ.
قوله: "قام متوكَّيًا على بلال"، أي: متوكئًا معتمدًا؛ يعني: كما يتَّكِئُ الخطيب على العصا اتَّكَأَ رسولُ الله - ﵇ - على بلال.
"التذكيرُ والوعظُ": متقاربان في المعنى، (الحَثُّ): التحريض.
"ومضَى"؛ أي: ذهب "إلى النساء"؛ يعني: كانت النساء واقفاتٍ بحيث
[ ٢ / ٣٤٤ ]
لا يسمَعْنَ وعظَ رسولِ الله - ﵇ - فأتاهُنَّ ووعظهُنَّ.
* * *
١٠٢٢ - وعن أبي هريرةَ - ﵁ -: أنه أَصابهم مطرٌ في يومِ عيدٍ، فصلَّى بهم النبيُّ - ﷺ - صلاةَ العيدِ في المسجدِ.
قوله: "أصابَهم مطرٌ في يومِ عيد"؛ يعني: كان رسولُ الله - ﵇ - يصلي صلاةَ العيد في الصحراء إلا إذا كان مطر.
والأفضل: أداء صلاة العيد في الصحاء في سائر البلدان، وفي مكة خلافٌ، ويستخلفُ الإمامُ إذا خرجَ إلى المصلى أحدًا يصلي في الجامع بالضعفاء.
* * *
١٠٢٣ - رُويَ: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - كتبَ إلى عَمْرو بن حَزْمٍ وهو بنجْرَان: "عَجِّلْ الأضحى، وأَخِّرْ الفطرَ، وذكِّرْ الناسَ".
قوله: "عَجَّلِ الأضحى، وأَخِّرِ الفطر، وذكِّرِ الناسَ".
"عَمرو بن حَزْمٍ": كان عامل رسولِ الله - ﵇ - بنجْرَان، وهو اسم بلدٍ باليمن.
يعني: السُّنة أن يصليَ صلاة عيد الأضحى بعد مضيِّ قليل من اليوم؛ ليشتغلَ الناس بذبحِ الأضاحي، ويصلي صلاة الفطر بعد مضيَّ كثير من اليوم؛ ليوسِّع على الناس وقتَ إخراج زكاة الفطر قبل الصلاة.
* * *
١٠٢٤ - ورُويَ: عن أبي عُمَيْر بن أنس، عن عمومةٍ له من أصحابِ
[ ٢ / ٣٤٥ ]
النبيِّ - ﷺ -: أن رَكْبًا جاؤوا إلى النبيِّ - ﷺ - يَشهدُونَ أنهم رأَوْا الهلالَ بالأمس، فأمَرهم أنْ يُفْطِروا، وإذا أصبحُوا يغدوا إلى مُصَلَاّهم.
قوله: "أن ركْبًَا جاءوا إلى النبي - ﵇ - يشهدون بأنهم رأَوا الهلال بالأمس فأمرهم"، (العُمُومَةُ): جَمع العَمَّ، (الرَّكْبُ): جمع الراكِب.
يعني: لم يُرَ الهلالُ في المدينة ليلةَ الثلاثين من رمضان، فصاموا ذلك اليوم، فجاء قافلة يومَ الثلاثين في أثناء النهار، وشهدوا أنهم رَأَوا الهلالَ ليلة الثلاثين في بلد آخر، فأمر النبي - ﵇ - الناس بالإفطار، وبأداءِ صلاة العيد يوم الحادي والثلاثين.
وفي الفقه: إن شهدوا قبل الزوال أفطرَ الناس وصلُّوا صلاةَ العيد من الغد عند أبي حنيفة وفي قولٍ للشافعي، وظاهر قوليه: أنه لا تُقضى الصلاةُ لا من اليوم ولا من الغد.
* * *