(باب فضل الأذان وإجابة المؤذن)
مِنَ الصَّحَاحِ:
٤٥١ - عن مُعاوية - ﵁ - أنَّه قال: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: "المؤذَّنُونَ أطولُ النَّاسِ أَعناقًا يومَ القِيامَةِ".
قوله: "أطول الناس أعناقًا" قال ابن الأعرابي: معناه: أكثر الناس أعمالًا، يقال: لفلان عنقٌ من الخير؛ أي: قطعةٌ من الخير.
وقال غيره: أكثرهم رجاء؛ لأن مَن رجا شيئًا طال إليه عنقه، والناس يكونون في الكرب، وهم في الروح يَمُدُّون أعناقهم، وينتظرون أن يُؤْذَنَ لهم في دخول الجنة.
وقيل: معناه: الدنو من الله - ﷿ -.
وقيل: أراد أن لا يبلغ العرق أعناقهم في يوم بلغ العرق أفواه الناس، وهو يومُ القيامة.
وكلُّ ذلك جزاء أن يمدُّوا أعناقهم عند رفع الصوت في الأذان؛ لأن مَن رفع صوته يمدُّ عنقه.
* * *
[ ٢ / ٤٥ ]
٤٥٢ - عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا نُودِيَ للصَّلاةِ أَدبَرَ الشَّيطانُ لهُ ضُراطٌ حتَّى لا يَسمعَ التَأْذِينَ، فإذا قُضى النِّداءُ أقبلَ، حتَّى إذا ثُوُّبَ بالصَّلاةِ أدبرَ، حتَّى إذا قُضي التثويبُ أقبلَ حتَّى يَخطرَ بينَ المَرءِ ونفسِهِ، يقول: اذكُرْ كذا، واذكُرْ كذا لِمَا لمْ يكُنْ يَذْكُرُ حتَّى يظلَّ الرجلُ لا يَدري كَمْ صَلَّى".
قوله: "إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان"؛ يعني: الشيطانُ وأصحابه يدخلون المساجد ويوسوسون للمصلَّين ويُشَوَّشون عليهم قلوبهم، حتى لا يكونَ لهم حضورٌ في الصلاة، فإذا أذَّن المؤذَّن فرَّ الشيطان، ويبعد بحيث لا يسمع الأذان.
قوله: "له ضراط"، (الضراط): ريحٌ أسفل الإنسان وغيرِه إذا كان له صوت، والحمارُ إذا كان حملُه ثقيلًا (١) أو يعدو، يخرج منه الضراط من ثقل حمله، فكذلك الشيطان يخرج منه الضراط لثقل الأذان عليه.
ويحتمل أن يكون خروج الضراط منه مَثَلًا، وليس المراد منه الحقيقةَ؛ يعني: يَثْقُلُ عليه سماعُ الأذان كما يثقل الحملُ على الحمار حتى يخرج منه الضراط.
قوله: "فإذا قضى النداء أقبل"؛ يعني: فإذا فرغ المؤذَّن من الأذان أقبل الشيطان ودخل المسجد.
قوله: "حتى إذا ثوَّب بالصلاة أدبر"، (ثوب)؛ أي: أُقيم، و(التثويب): الإقامة، و(التثويب) أيضًا: الإعلام، سمَّيت الإقامة تثويبًا؛ لأنها إعلامٌ بوقت الشروع في الصلاة.
ويحتمل أن تسمَّى الإقامة تثويبًا لأن التثويب يجيءُ أيضًا بمعنى الدعاء مرةً بعد أخرى.
_________________
(١) في "ش": "له حمل ثقيل".
[ ٢ / ٤٦ ]
وها هنا معناه: أن المؤذن إذا دعا القوم إلى الصلاة مرةً بالأذان، ثم يدعوهم بالإقامة إلى الشروع في الصلاة؛ يعني: إذا سمع الشيطان الإقامة فرَّ، حتى [إذا] فرغ المؤذن من الاقامة أقبل ودخل المسجد، ويوسوس المصلين.
"حتى يخطر"، أي: حتى يجري.
"يقول: اذكر"؛ يعني: يقول الشيطان للمصلي: اذكر كذا من حساب المال والبيع والشراء، وغيرها من الأشغال الدنيوية.
"لما لم يكن يذكر"؛ يعني: لِمَا لم يكن قبل هذا في خاطره، فأجراه الشيطان في خاطره.
"حتى يظل"؛ أي: حتى يصير من الوسوسة بحيث لا يدري كم صلَّى.
* * *
٤٥٣ - وقال: "لا يَسمعُ مَدَى صوْتِ المؤذِّن جِنٌّ ولا إنسٌ ولا شيءٌ إلَاّ شَهِدَ لهُ يومَ القيامَةِ"، رواه أبو سعيد الخُدَرِيُّ - ﵁ -.
قوله: "مدى صوت المؤذن": المدى: الغاية؛ يعني: من سمع صوت المؤذن من القريب والبعيد من الجنِّ والإنسِ وغيرهما من الحيوانات والجمادات، شهدوا له بسماعِ صوتِ أذانِهِ.
والغرض من إنطاقِ من سمع صوت المؤذن: أن يشهد له = تشريفُ المؤذن وتكريمه بين أهل العَرَصات.
* * *
٤٥٤ - وقال: "إذا سمعتُمُ المؤذِّنَ فقولُوا مِثْلَ ما يقولُ، ثمَ صَلُّوا عليَّ، فإنَّه مَنْ صَلَّى عليَّ صَلاةً صَلَّى الله عليه بها عَشْرًا، ثمَّ سَلُوا الله تعالى لي الوَسِيلَةَ، فإنَّها منزِلَةٌ في الجنةِ لا تَنْبَغِي إلا لعبدٍ مِنْ عِبادِ الله، وأَرجو أنْ أكُونَ
[ ٢ / ٤٧ ]
أنا هُوَ، فَمَنْ سألَ لي الوَسيلَةَ حلَّتْ عليه الشَّفاعَةُ"، رواه عبد الله بن عمرو.
قوله: "ثم صلوا عليَّ"؛ يعني: إذا فرغ المؤذن من الأذان فقولوا: اللهم صلِّ على محمد، ولو قال: وعلى آلِ محمد؛ لكان أكملَ.
"صلى الله عليه بها عشرًا": أي: أعطاه الله عشرًا؛ أي: عشر رَحَمَات.
"سلوا الله"؛ أي: اطلبوا من الله "لي الوسيلةَ"، وكيف يسأل أحدكم الوسيلة؟ يسأل كما قال - ﵇ - في قوله: "اللهم ربَّ هذه الدعوة"، ويأتي شرحه في موضعه.
قوله: "لا تنبغي"؛ أي: لا تُستحَق.
"حلَّت عليه الشفاعة"؛ أي: نزلت عليه شفاعتي؛ أي: استحقَّ أن أشفع له جزاءَ دعائه.
* * *
٤٥٥ - وقال عمر - ﵁ -: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا قالَ المؤذِّنُ: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدُكُمْ: الله أكبر الله أكبر، ثمَّ قالَ: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، قالَ: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، ثمَّ قال: أشهدُ أنَّ مُحمدًا رسولُ الله، قال: أشهدُ أنَّ مُحمدًا رسولُ الله، ثمَّ قال: حَيَّ على الصَّلاة، قال: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا بالله، ثم قالَ: حَيَّ على الفلاحِ، قال: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثمَّ قال: لا إلهَ إلَاّ الله، قال: لا إلهَ إلَاّ الله، خالصًا مِنْ قَلْبهِ دخلَ الجَنَّةَ".
قوله: "لا حول"؛ أي: لا حولَ ولا حيلةَ ولا خلاصَ عن المكروه، ولا قوةَ على الطاعة إلا بتوفيق الله.
* * *
[ ٢ / ٤٨ ]
٤٥٦ - وقال: "مَنْ قالَ حِينَ يَسمعُ النِّداءَ: اللهمَّ ربَّ هذهِ الدَّعوةِ التَّامَّةِ والصَّلاةِ القائمةِ، آتِ مُحمدًا الوَسيلةَ والفَضيلةَ، والدَّرجةَ الرَّفيعةَ، وابعثْة مَقامًا مَحمودًا الذي وعدْتَهُ يا أَرحم الراحمين، حلَّتْ لهُ شفاعَتِي يومَ القِيامَةِ"، رواه جابر.
قوله: "هذه الدعوة التامة"، سمِّي الأذانُ دعوة؛ لأنه يدعو الناس إلى الصلاةِ والذكرِ، ووصف هذه الدعوة بالتامة؛ لأنها ذكر الله، وما هو ذكر الله لا شكَّ أنه تامٌّ.
والتام في الحقيقة ذكر الله، وما كان فيه رِضاء الله، وما سوى ذلك فهو ناقصٌ.
قوله: "والصلاة القائمة"؛ أي: الدائمة التي لا ينسخُها دينٌ؛ لأنه لا دينَ ولا نبيَ بعد محمد ﵇.
"الوسيلة": القربة.
"وابعثه"؛ أي: أرسله وأوصله.
* * *
٤٥٧ - عن أنس - ﵁ - قال: كانَ رسولُ الله - ﷺ - يُغيرُ إذا طلَعَ الفجرُ، وكانَ يستمِعُ الأذانَ، فإنْ سَمِعَ أَذانًا أمسكَ، وإلا أَغارَ، فسمعَ رجُلًا يقولُ: الله أكبر الله أكبر، فقالَ رسولُ الله - ﷺ -: "على الفِطْرَةِ"، ثمّ قال: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، فقالَ رسولُ الله - ﷺ -: "خرجْتَ مِنَ النَّارِ" فنظرُوا فإذا هو رَاعي مِعْزَى.
قوله: "يغير"؛ يعني: يسير رسول الله - ﵇ - في الليل إلى بلاد الكفار للغارة، وينتظر الصبح؛ ليعلمَ أن ذلك البلد بلد المسلمين أو بلد الكفار، ويعرف ذلك بالأذان، فإن أذَّن فيه أحدٌ أمسك؛ أي: ترك الإغارة،
[ ٢ / ٤٩ ]
وإن لم يسمع الأذانَ أغار.
"فسمع يومًا رجلًا قال: الله أكبر، فقال رسول الله - ﵇ -: على الفطرة"؛ أي: هو على الاسلام؛ لأن الأذان لا يكونُ إلا للمسلمين.
"خرجتَ من النار"؛ أي: بسبب أنك تركت الشركَ بالله.
قوله: "فنظروا"؛ يعني: فلما فرغ من الأذان "فإذا هو راعي مِعْزَى".
المِعْزَى - بكسر الميم - والمَعْز والمَعِيز واحدٌ، وثلاثتها اسم الجنس، وواحد المِعْزَى: ماعز.
* * *
٤٥٩ - وقال: "بَيْنَ كُلَّ أذانَيْنِ صَلاةٌ، بينَ كُلَّ أذانَيْنِ صَلاةٌ" ثم قال في الثالثة: "لِمَنْ شاء"، رواه عبد الله بن مُغفَّل.
قوله: "بين كل أذانين صلاة"، أراد بالأذانين: الأذان والإقامة، وعادة العرب أن يجمعوا بين شيئين بينهما مشابهة، فيسمونها باسم واحد، كقولهم: القمران؛ للشمس والقمر.
وأراد بقوله: (صلاة): صلاة النافلة أو السنة.
وإنما حرَّض رسول الله - ﵇ - على صلاة النفل بين الأذان والإقامة؛ لأن الدعاء لا يردُّ بين الأذان والإقامة؛ لشرف ذلك الوقت، وإذا كان الوقتُ أشرفَ، يكون ثواب العبادات فيه أكثر.
فإن قيل: أراد بهذه الصلاة صلاة الفرض.
قلنا: ليس كذلك؛ لقوله ﵇: "لمن شاء"، فلو كان فريضة لم يقل: لمن شاء.
* * *
[ ٢ / ٥٠ ]
مِنَ الحِسَان:
٤٦٠ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الأئمَّةُ ضُمَناء، المُؤذَّنُون أُمناء، فأرشدَ الله الأئمَّةَ، وغفَرَ للمؤذِّنين".
قوله: "الأئمة ضُمَناء"، (الضمناء): جمع ضمين، وهو بمعنى: الضامن، ومعناه هنا: الحافظ والراعي أمورَ المأمومين من عدد الركعات، وتحمله عنهم القيام والقراءة إذا أدركوه في الركوع، فإنه من أدرك الإمام في الركوع حصلت له تلك الركعةُ، وسقط عنه القيام والقراءة في تلك الركعة، ويأتي بحث هذا في (صفة الصلاة)، ويدعو الإمام لهم في الصلاة؛ لأنه يستحبُّ للإمام أن يدعو في الصلاة بلفظ الجمع.
فالإمام ضامن؛ أي: حافظ لصلاتهم في هذه الأشياء.
قال الخطابي: وليس الضمان الذي يوجب الغرامة من هذا في شيء؛ يعني: لا يلزم على الأمام إثمٌ بالإمامة، بل يحصل له ثوابٌ.
قوله: "والمؤذنون أمناء"، (الأمناء): جمع أمين، وهو: من اعتمد عليه القوم؛ يعني: المؤذنون أمناء في مراعاة أوقات الصلاة؛ لأن الناس يصلون بأذانهم، ويفطرون بأذانهم.
وإنما قال رسول الله - ﵇ - هذا الحديث؛ ليعلم الأئمة أنهم حافظون لصلاة من اقتدى به؛ ليكونوا مستيقظين في حفظ عدد الركعات، وليدعوا بلفظ الجمع، وأيضًا ليجتهدوا في تطهير الثياب والبدن، وإتمام أركان الصلاة، وحفظ أمورها؛ لأن الغالب أن يكون المأموم من العوام، فلا يعلمون أمور الصلاة من السهو وغيره.
وكذلك المؤذن؛ ليجتهد في محافظة الأوقات؛ كيلا تبطل صلاة المسلمين وصومهم بالأذان في غير وقته.
[ ٢ / ٥١ ]
قوله: "فأرشدَ الله الأئمة"؛ يعني: رزقهم الصواب، وحفظهم عن الخطأ فيما عليهم من أحكام الصلاة.
قوله: "وغفر للمؤذنين": يحتمل أن يكون هذا دعاءٌ من رسول الله - ﵇ - للمؤذنين على ما صدر منهم في تقدُّمِ الأذان عن الوقت أو تأخره عنه من السهو والخطأ.
ويحتمل أن يكون هذا دعاءٌ لا من صدور سهو، بل مجازاة لهم عن إحسانهم إلى الناس بإعلامهم إياهم أوقات الصلاة.
وقال الخطابي رحمة الله عليه: في هذا الحديث دليلٌ على استحباب التولي للأذان، وكراهية التولي للإمامة؛ لأنه قال ﵇: "أرشدَ الله الأئمة"، والدعاءُ بالرشاد إنما يكون في فعلٍ فيه خطرٌ.
التولي: القيام على الشيء.
* * *
٤٦١ - وعن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "مَنْ أَذَّنَ سَبْعَ سِنينَ مُحتسِبًا كُتِبَ له بَراءَةٌ مِنَ النَّار".
قوله: "محتسبًا"، (الاحتساب): طمع الثواب من الله تعالى دون غيره، (محتسبًا)؛ أي: طالبًا لثواب الله، ولم يطلب أجرة.
"براءة من النار"؛ أي: خلاص من النار.
* * *
٤٦٢ - وقال: "يَعجَبُ ربُّكَ مِنْ راعي غَنَمٍ في رأْسِ شَظِيَّةِ للجبَل يُؤَذِّنُ بالصَّلاةِ، ويُصلَّي، فيقولُ الله تعالى: انظُروا إلى عَبْدي هذا، يُؤَذَّن ويُقيمُ الصَّلاة، يخافُ منَّي، قدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، وأدخلْتُهُ الجنَّةَ"، رواه عُقبة بن عامر - ﵁ -.
[ ٢ / ٥٢ ]
قوله: "يعجب ربك"؛ أي: يرضى ربك، وقيل: معناه: يعظمُ هذا الفعل عند ربك، الكاف خطاب لواحد من الصحابة، إما هذا الراوي أو غيره، يخاطبه النبي - ﵇ - بهذا الحديث.
"الشَّظِيَّة": الصخرة العظيمة الخارجة من الجبل، كأنها أنفُ الجبل.
قوله: "انظروا"؛ أي: يا ملائكتي! انظروا.
"يخاف مني"؛ يعني: لا يؤذن ولا يصلي ليراه أحد؛ لأنه لم يكن أحدٌ حاضرًا ثَمَّ، بل يفعل هذا؛ لخوف عذابي، وطمع جنتي.
* * *
٤٦٣ - وقال - ﷺ -: "ثلاثةٌ على كُثبانِ المِسْكِ يومَ القِيامَةِ: عبدٌ أدَّى حقَّ الله تعالى وحقَّ مَوْلَاهُ، ورجلٌ أمَّ قَوْمًا وهُمْ بِهِ راضُونَ، ورجلٌ يُنادي بالصلواتِ الخمسِ كُلَّ يومٍ وليلةٍ"، رواه ابن عُمر. غريب.
قوله: "على كُثبان المسك"، (الكثبان): جمع كثيب، وهو: الموضعُ المرتفع مثل جبل صغير.
قوله: "وهم به راضون"؛ يعني: إذا كان القوم راضين بالإمام، يكون ثوابُ الإمام أكثر.
"ينادي"؛ أي: يؤذن؛ يعني: يجعل الله لهؤلاء الثلاثة في عرصات القيامة أمثالَ الجبال من المسك؛ ليقفوا عليها إعزازًا وإكرامًا لهم بين الناس؛ لشرف أفعالهم.
* * *
٤٦٤ - عن أبي هُريرة - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: "المؤذِّنُ يُغفَرُ لهُ مدَى صَوْتِهِ، ويَشْهَدُ له كُلُّ رَطْبٍ ويابسٍ، وشاهِدُ الصَّلاةِ يُكتَبُ له خَمْسٌ
[ ٢ / ٥٣ ]
وعِشْرُونَ صلاةً، ويُكَفَّرُ عنه ما بينهُما".
قوله: "يغفر له مدى صوته"، (المدى): الغاية، يريد بهذا: تكميلَ المغفرة؛ يعني: إذا كان صوته أبعدَ تكون مغفرته أكثر، وقيل: معناه: تُغفَرُ ذنوبه وإن كانت تملأ ما بين قدميه وبين آخر ما بلغه صوته من الأرض.
قوله: "يشهد له كلُّ رطبٍ ويابسٍ، وشاهدُ الصلاة"، (الشاهد): الحاضر؛ يعني: ما سمع صوته من الجمادات والحيوانات ومن حضر الصلاة بأذانه يشهدُ له يوم القيامة بسماع أذانه.
قوله: "يكتب له خمس وعشرون صلاة"؛ أي: ثواب خمس وعشرون صلاة.
وقد جاء في الأحاديث مقاديرُ من الثواب مثل هذا، وفي صلاة الجماعة: "تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذَّ بسبع وعشرين درجة"، وفي رواية: "بخمس وعشرين درجة".
والحكمةُ في هذه المقادير: شيءٌ علمه النبي ﵇، كمقادير عدد ركعات الصلاة، ونصاب الإبل وغيرها من الزكاة، ومن قال فيها شيئًا؛ فقد قاله عن التكلف.
قوله: "ما بينهما"؛ أي: ما بين أذان إلى أذان آخر.
* * *
٤٦٥ - وقال عُثمان بن أبي العاص - ﵁ -: قلتُ: يا رسولَ الله! اجعلْني إمامَ قَوْمِي، قال: "أنْتَ إمامُهُمْ، واقْتَدِ بأضعفِهِم، واتخِذْ مؤذِّنًا لا يأخُذُ على أذانِهِ أجرًا".
قوله: "واقتدِ بأضعفهم"؛ أي: وافق أضعفَ القوم في الصلاة؛ يعني: خفَّفِ الصلاة؛ ليقدر الضعفاء أن يصلوا معك، ولا يجوزُ تركُ أركان الصلاة،
[ ٢ / ٥٤ ]
ولكن يُقصَّرُ القراءة والتسبيحات.
وفي هذا الحديث ثلاث فوائد:
إحداها: أن الإمامة ينبغي أن تكون بإذنِ الحاكمِ.
والثانية: استحبابُ تخفيف الصلاة للإمام.
والثالثة: استحبابُ الأذان بغير أُجْرة.
فإن استأجر الإمام على الأذان جاز، وقيل: لا يجوز.
كنية "عثمان": أبو عبد الله، واسم جده: بشر بن عبد بن دهمان الثقفي.
* * *
٤٦٦ - وقالت أمُّ سلَمة ﵂: عَلَّمني رسولُ الله - ﷺ - أنْ أقولَ عِنْدَ أذانِ المغرِبِ: "اللهمَّ! هذا إقْبالُ لَيْلِكَ، وإدْبارُ نهارِكَ، وأصواتُ دُعاتِكَ، فاغْفِرْ لي".
قولها: "هذا إقبال ليلك"؛ أي: هذا الأوانُ أوانُ إقبالِ ليلك؛ يعني: بحق هذا الوقت الشريف.
"فاغفر لي" فيه.
"الدعاة": جمع الداعي، وهو المؤذن هنا.
* * *
٤٦٧ - ورُوي: أنَّ بِلالًا - ﵁ - أخذَ في الإقامة، فلمَّا أنْ قالَ: قدْ قامَتِ الصَّلاةُ قال النَّبيُّ - ﷺ -: "أقامَها الله، وأدامَها"، وقالَ في سائرِ الإقامةِ: كنحوِ حديثِ عمر في الأذانِ.
قوله: "كنحو حديث عمر في الأذان"؛ يعني: قال رسول الله - عليه
[ ٢ / ٥٥ ]
السلام - مثل ما قال بلالٌ في سائر الكلمات إلا في قوله: قد قامت الصلاة، فإنه قال: "أقامها الله وأدامها"؛ أي: ثبت الله الصلاة وأدامها.
* * *
٤٦٨ - عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يُرَدُّ الدُّعاءُ بينَ الأَذانِ والإِقامَةِ".
٤٦٩ - وقال: "ثِنْتَانِ لا تُرَدَّانِ: الدُّعاءُ عندَ النَّداءِ، وعِندَ البأْسِ حينَ يَلحَمُ بعضُهم بعضًا"، ويُروى: "وتحتَ المَطَرِ"، رواه سَهْل بن سَعْد.
قوله: "ثنتان"؛ أي: دعوتان "لا تردان"، بل تستجابان: إحداهما عند الأذان، والثانية: عند اختلاط جيش المسلمين بالكفار في المحاربة.
"البأس": المحاربة.
(ألحم يَلحَم): إذا اختلط، ولحَم - بفتح العين في الماضي وضمها وفتحها في الغابر - لحمًا: إذا فصل اللحم عن العظم، وهو استعارةٌ هنا عن القتل، فإن قلت: يُلحِم - بضم الياء وكسر الحاء - معناه: يختلط بعضهم ببعض، وإن قلت: يَلحَم - بفتح الياء والحاء - معناه: يقتل بعضهم بعضًا، والرواية: "يَلحَم" بفتح الياء والحاء.
قوله: "وتحت المطر"؛ أي: عند نزول المطر.
* * *
٤٧٠ - وقال عبد الله بن عمر - ﵁ -: قالَ رجلٌ: يا رسولَ الله! إنَّ المؤذِّنينَ يفضُلونَنَا، فقالَ رسولُ الله - ﷺ -: "قُلْ كما يقولونَ، فإذا انْتَهَيْتَ فسَلْ تُعْطَ".
قوله: "يفضلوننا"؛ أي: حصل لهم فضلٌ ومزيدٌ علينا في الثواب بسبب الأذان.
[ ٢ / ٥٦ ]
"قل كما يقولون"؛ أي: إذا قلت ما يقول المؤذن حصل لك الثوابُ.
"فسل تُعطَ"؛ يعني: إذا فرغت، فاطلب ما تريد من الله تعالى، يعطك.
* * *