(باب الغسل)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٩٢ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا جلسَ أحدُكُمْ بينَ شُعَبِهَا الأربَعِ، ثم جهدَهَا فقدْ وجبَ الغُسْلُ وإنْ لم يُنْزِل".
قال الشيخ الإمام ﵀: وما رُوي:
قوله: "بين شُعَبِها الأربع"، (الشُّعَبُ): جمع شُعْبَة، وهي الغُصْنُ من الشجرة.
قيل: أراد بشُعَبها الأربع: يديها ورجليها، وقيل: رجليها وطرفي فَرْجِها.
"ثم جَهَدَها"، أي: ثم جامعَها.
قال ابن الأعرابي: جَهَدَ الرجلُ امرأتَه: إذا جامعَها، والأصحُّ أن الجَهْدَ:
[ ١ / ٤٠٦ ]
هو الجِدُّ والمبالغة في الأمر، وكل ذلك كنايةٌ عن المجامعة.
فعبر رسول الله - ﵇ - عن المجامَعة بالكناية؛ لأن الكنايةَ في مثل هذه الأشياء أفصحُ؛ لأن المقصودَ منه معلومٌ، يعني: إذا التقى الختانان وجبَ الغسل وإن لم يُنْزِلِ المَنِيَّ.
* * *
٢٩٣ - عن أبي سعيد الخُدري، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إنَّما الماءُ مِنَ الماءِ"، منسوخ.
قال ابن عباس - ﵄ -: "إنَّما الماءُ مِنَ الماءِ" في الاحْتِلَامِ.
قوله: "الماءُ من الماءِ"، أي: استعمالُ الماءِ في الغُسْل يجبُ بخروج الماءِ الذي هو مَنِيٌّ من الذَّكَر، يعني: لو جامع ولم ينزل المَنِيَّ لم يَجِبِ الغُسْلُ.
وهذا منسوخٌ بالحديث الذي قبلَ هذا، وربما روي عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: (إذا التقى الختانان وجبَ الغُسْلُ، فعلتُ أنا ورسولُ الله فاغتسلْنا).
قوله: "إنما الماءُ من الماءِ في الاحتلام"، يعني: هذا الحديث الذي هو: "إنما الماء من الماء" منسوخٌ في المجامَعة، ولكن معمولٌ به في النَّوْم، فإن رأى في النوم أنه يجامعُ امرأةً، ثم استيقظَ ورأى المَنِيَّ وجبَ عليه الغُسْلُ، وإن لم يرَ المَنِيَّ لم يجبْ عليه الغُسْلُ.
* * *
٢٩٤ - وقالت أُمُّ سُلَيْم: يا رسولَ الله! إنَّ الله لا يَسْتَحْيي مِنَ الحقِّ، فهلْ على المرأةِ مِنْ غُسْلٍ إذا احتَلَمَتْ؟ قال: "نَعَمْ، إذا رأَتِ الماءَ"، فغطَّتْ أُمُّ
[ ١ / ٤٠٧ ]
سَلَمَة وَجْهَهَا وقالت: يا رسولَ الله! أوتَحْتَلِمُ المرأةُ؟ قال: "نعم، تَرِبَتْ يَمينُكِ فبمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُها؟ إنَّ ماءَ الرَّجلِ غليظٌ أبيضُ، وماءَ المرأةِ رقيقٌ أصْفَرُ، فَمِنْ أَيِّهِما عَلَا وسبقَ يكونُ منهُ الشَّبَهُ".
قولها: "إن الله لا يستَحْيِي من الحق"، يعني: أنا أيضًا لا أستحيي من سؤالٍ هو حق.
"فغطَّت أمُّ سلمةَ"، أي: سترتْ وجهَها استحياءً مما سألتْ أمُّ سُلَيم: أوتحتلم المرأة؟ وتقديره: أتحتلم المرأة ويكون لها مَنِيٌّ، ويخرجُ مَنِيُّها كالرجل؟
"تَرِبَتْ يمينُكِ"، هذا دعاءٌ لا يرادُ وقوعُه، بل يقال عند ذَمِّ أحدٍ على قولٍ أو فِعْلٍ، وقد يقال للتلطُّف، ومعنى (تَرِبَتْ يمينُكِ): أي: صِرتِ خائبةً خاسرةً، ومثله: بيدك الترابُ.
قوله: "فبم يشبِهُها ولدُها؟ "؛ يعني: قد يشبه الولد الأم، فإن لم يكن لها مَنِيٌّ لم يشبهها؛ لأن المشابهةَ إنما تكونُ إذا كان الولدُ جزءًا منها.
قوله: "فمن أيِّهما علا"، يعني: إذا كان وقوعُ مَنيِّهما في الرَّحمِ معًا فأيُّهما يكون مَنِيُّه أعلى من مَنِيِّ صاحبه يكون شَبَهُ الولدِ به أكثرَ.
قوله: "أو سبق"، يعني: إن وقع مَنِيُّ أحدهما في الرَّحِمِ قبلَ صاحبِه يكون شَبَهُ الولدِ بمن سبقَ منيُّه أكثرَ.
اسم أبي "أم سليم": زيد بن خالد بن زيد، ولم يعرَفْ لها اسم.
* * *
٢٩٥ - وقالت عائشة ﵂: كانَ رسولُ الله - ﷺ - إذا اغْتَسَلَ مِنَ الجَنابَةِ بدأَ فغسَلَ يَدَيْهِ، ثمَّ توضَّأَ كما يتوضَّأُ للصلاةِ، ثمَّ يُدخِلُ أصابِعَهُ في
[ ١ / ٤٠٨ ]
الماءِ فيُخَلِّلُ بها أُصولَ شعرِهِ، ثمَّ يَصُبُّ على رأْسِهِ ثلاثَ غَرَفَاتٍ بيدَيْهِ، ثمَّ يُفيضُ الماءَ على جِلْدِهِ كُلِّه، ويُروى: يبدأُ فيغسِلُ يدَيْهِ قبلَ أنْ يُدْخِلَهُمَا الإِناءَ، ثمَّ يُفْرغ بيميِنهِ على شمالِهِ، فيغسِلُ فرجَهُ، ثمَّ يتوضَّأُ.
قولها: "فغسَلَ يديه"؛ أي: كفَّيه.
"يُفِيضُ"، أي: يَصُبُّ، ويروى: "يبدأ فيغسل يديه، ثم يُفْرِغُ"، أفرغ يُفْرِغُ: إذا صَبَّ.
* * *
٢٩٦ - وعن ابن عباس - ﵄ -: أنَّه قال: قالت مَيْمُونة ﵂: وضعتُ للنبيِّ - ﷺ - غُسْلًا فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ، وَصَبَّ على يَدَيْهِ فَغَسَلَهُما، ثُمَّ أَدْخَل يَمينَهُ في الإِناءِ، فَأَفْرَغَ بها على فَرْجِهِ، ثم غَسَلَهُ بِشمَالِهِ، ثمَّ ضربَ بشِمالِهِ الأرضَ، فدلَكَها دَلْكًا شديدًا، ثم غسلَهَا، فمضمضَ واستنْشَقَ، وغسلَ وجهَهُ وذِرَاعَيْهِ، ثم أَفْرَغَ على رأْسِهِ ثلاث حَفَنَاتٍ مِلءَ كَفَّيهِ، ثمَّ غسلَ سائرَ جسدِهِ، ثم تَنَحَّى فغَسَلَ قَدَميْهِ، فناولْتُهُ ثوبًا فلم يأخُذْهُ، فانطلقَ وهو يَنْفُضُ يَدَيْهِ.
قولها: "وضعتُ للنبيِّ - ﵇ - غُسْلًا"، الغُسْلُ بضم العين: الماءُ الذي يُغْتَسل به، والغِسْل بكسر الغين: ما يغسَلُ به الرأسُ من الطِّيب، والخِطْمِيِّ.
وقولها: "وضعت للنبي - ﵇ - غُسْلًا"، يعني: وضعتُ ماءً ليغتسلَ به، فسترتُه بثوبٍ، أو ضربتُ له سِترًا يغتسلُ وراءَه كيلا يراه أحدٌ.
"فدَلَكَها"، أي: مسحَ يدَه على الأرض لكي تزولَ منها الرائحةُ الكريهةُ.
(الحَفَنَات): جمع حَفْنة، وهي ملء الكفَّين من الماء وغيره.
وقولها: "مِلْء كَفَّيه"، هذا تأكيدٌ للحَفَنات.
[ ١ / ٤٠٩ ]
"تَنَحَّى"، أي: تباعَدَ من ذلك الموضِع.
قولها: "ثم تنحَّى فغسل قدميه"، يعني: لم يغسِلْ قدميه حين توضَّأَ، بل أَخَّر غَسْلَهما إلى آخرِ الغسل.
وفي الحديث المتقدِّم قولُ عائشة: "يتوضَّأ كما يتوضَّأُ للصلاة" يدلُّ على أنه - ﵇ - غسلَ قدميه حين توضَّأ؛ لأن الوضوءَ إنما يكون كما يتوضَّأُ للصلاة إذا غسلَ القدمين، فيجوز في الغسل أن يغسِلَ القدمين عند الوضوء، وأن يؤخِّرَهما إلى آخرِ الغسل بدليل هذين الحديثين.
"فناولتُه"، أي: أعطيتُه.
قولها: "فلم يأخذه"، أي: فلم يأخذ الثوبَ.
ذكر في "شرح السنة": أنه إنما لم يأخذ الثوبَ؛ للاحتراز من تنشيف الأعضاء، فتَرْكُ التنشيفِ سُنَّةٌ.
"فانطلق"، أي: فمشى، "وهو ينفضُ يديه"، (النَّفْضُ): التحريكُ، يعني: يحرِّكُ يديه في المشي كما هو عادةُ من له رجوليةٌ وقوةٌ، فإن صاحبَ الشوكةِ والقوةِ يحرِّك يديه في المشي، وليس معناه نفضَ اليدين لإزالة ما على يديه من الماء؛ لأن نَفْضَ اليدِ في الوضوء والغُسْل مكروهٌ.
وقيل: بل المراد منه: نفضُ اليدين؛ لإزالة الماء المستعمَلِ عنه؛ فعند هذا التأويل لا يكون نفضُ اليد في الوضوء والغُسْل مكروهًا.
اسم أبي "ميمونة": الحارث بن حَزْن بن بُجَيْر بن الهُزَم بن رُويَبْة بن عبد الله.
* * *
٢٩٧ - وقالت عائشة ﵂: إنَّ امرأةً سألت النبيَّ - ﷺ - عن غُسْلِها مِنَ المَحيضِ، فأمَرَهَا كيفَ تغتَسِلُ، ثمَّ قال: "خُذِي فِرْصةً مِنْ مِسْكٍ فتطهَّري
[ ١ / ٤١٠ ]
بها"، قالت: كيفَ أتطهَّرُ بها؟ قال: "سُبحانَ الله! تطهرِّي بها"، قالت: كيفَ أتطهَّرُ بها؟ فَاجْتَذَبْتُهَا إليَّ فقلتُ: تتَبَّعي بها أثرَ الدمِ.
قولها: "من المَحِيض"، (المحيضُ): الحَيْضُ.
"فأمرها كيف تغتسل"، يعني: أمرَها أن تغتسلَ كما تغتسلُ من الجَنَابة.
"الفِرْصَةُ" - بكسر الفاء وبالصاد غير المعجمة -: قطعةٌ من قطنٍ، أو خِرْقةٌ.
قوله: "من مِسْكٍ"، (من) تبيينٌ لشيءٍ مقدَّرٍ؛ أي: فِرْصَةٌ مطيَّبةٌ من مِسْك.
وقيل: لا يقالُ (فِرْصةَ) إلا إذا كانت مطيَّبةً، فعلى هذا لا يحتاج إلى أن يقال: فِرْصة مطيَّبة.
قوله: "فتَطَهَّرِي"، أي: فتطيَّبي بها، فاستعملي بها في المواضع التي أصابها دم الحيض حتى يصير مطيَّبًا.
"فاجْتَذَبْتُها إليَّ"، أي: قَرَّبْتُها إلى نفسي، وقلتُ لها سرًا: "تَتَبَّعي بها"، أي: اتَّبعِيها واستعملِيها في الفَرْج، وحيثُ أصابه الدَّمُ.
* * *
٢٩٨ - وقالت أم سَلَمَة: قلت: يا رسول الله! إنِّي امرأةٌ أشُدُّ ضَفْرَ رأْسي، أفأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الجَنابَةِ؟ فقال: "لا، إنَّما يكفيكِ أنْ تَحْثِي على رأْسِكِ ثلاثَ حَثَيَاتٍ، ثمَّ تُفيضينَ علَيْكِ الماءَ فَتَطْهُرين".
قولها: "أَشُدُّ" - بفتح الهمزة وضم الشين -: مضارعُ متكلِّمٍ مِنْ: شدَّ الضُّفْرَ: نَسَجَ شَعْرَ الرأسِ وجعلَه ذُؤَابةً، و(الضفيرةُ): الذُّؤَابةُ، يعني: أجعلُ
[ ١ / ٤١١ ]
نَسْجَ شَعْرِ رأسي شديدًا، أفأنقضُه وأُفرِّقُه للغسل أم لا؟
"أن تَحْثِي"، أصله: تَحْثِينَ، فسقطت النون للنصب، و(الحَثْيُ): التفريقُ وصبُّ الماء.
"ثلاث حَثَيَات"، أي: ثلاثَ مرات؛ أي: تصبِّي على رأسك ثلاثَ مرَّاتٍ، إما بالكفِّ أو بظَرْفٍ، وليس المرادُ من ثلاث حَثَياتٍ الحصرُ بثلاثٍ بحيثُ لا يجوزُ أقلُّ منه أو أكثر، بل المراد منه: إيصالُ الماء إلى الشعر، فإنْ وصلَ الماءُ إلى الشعر، وإلى باطنِ الشعرِ؛ وظاهرِه بمرة واحدةٍ يكونُ الثلاث سُنَّةً، وإن لم يصل بثلاثٍ تكونُ الزيادةُ عليها واجبةً، حتى يصلَ الماءُ إلى ظاهرِه وباطنه.
قوله: "ثم تفِيضِينَ"، أي: تصبِّين على سائر أعضائك فتطهُرين؛ أي: فتصيرين بعد إيصال الماء إلى جميع أعضائك طاهرةً.
ونقضُ الضفائر عند إبراهيمَ النَّخَعي واجبٌ سواء وصلَ الماء إلى باطنها أو لم يصِلْ.
وعند الشافعي: إن وصل لم يجب، وإن لم يصل واجب.
وعند أبي حنيفة: وجب إيصالُ الماء إلى أصول ضفائر النساء، فإذا وصل الماءُ إلى أصولها لا يجبُ أن يصلَ الماء إلى باطن الشعر المضفور.
وأما في الرجال: يجبُ إيصالُ الماء إلى ظاهرِ شعرهم المضفورِ، وباطنه عند أبي حنيفة أيضًا.
* * *
٢٩٩ - وقال أنسٌ: كانَ النبيُّ - ﷺ - يتوضَّأُ بالمُدِّ، ويغتَسِلُ بالصَّاع إلى خَمْسَةِ أَمدادٍ.
[ ١ / ٤١٢ ]
قوله: "يتوضَّأُ بالمُد"، (المُدُّ): رَطْلٌ وثلث رطلٍ بالبغدادي، و(الصاع): أربعة أمداد.
* * *
٣٠٠ - وعن مُعاذةَ ﵂ قالت: قالت عائشة ﵂: كُنْتُ أغتسِلُ أنا ورسولُ الله - ﷺ - مِنْ إناءٍ واحدٍ بيني وبَيْنَهُ، فيبادِرُني، فأقول: دَعْ لي، دع لي، قالت: وهُما جُنُبان.
قولها: "بيني وبينه"، أي: موضعُ ذلك الإناء بيني وبينه، وهو واسعُ الرأس، نجعلُ أيدينا ونأخذَ الماء.
"فيبادرني"، أي: فيسبِقُني، ويأخذُ قبلي.
"دع لي"، أي: اترك الماءَ لي.
وهذا الحديث يدلُّ على أن الماء الذي غَمَسَ فيه الجنُب يدَه طاهرٌ مُطهَّر، سواءٌ فيه الرجلُ والمرأة.
"معاذة" اسم أبيها: عبد الله، مولاة عبدِ الله بن أُبَيٍّ ابن سَلُول.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٠١ - عن عائشةَ ﵂ قالت: سُئِلَ رسولُ الله - ﷺ - عن الرَّجُلِ يجدُ البَلَلَ ولا يَذكُرُ احتِلامًا؟ قال: "يغتَسِلُ"، وعَنِ الرَّجلِ يرى أنَّهُ قَدِ احْتَلَمَ ولا يجدُ بللًا؟ قال: "لا غُسْلَ عَلَيْهِ"، قالَتْ أُمُّ سُليم: هَلْ على المرأةِ تَرى ذلك غُسْلٌ؟ قال: "نعَمْ، إنَّ النِّساءَ شَقَائِقُ الرِّجالِ".
قوله: "يَجِدُ البَلَل"، أي: يجد المَنِيَّ إذا استيقظ.
[ ١ / ٤١٣ ]
"ولا يذكر احتلامًا"، يعني: لا يذكرُ بعد التنبيهِ من النوم أنه جامعَ أحدًا في النوم.
"يرى"، أي: يظنُّ، يعني بهذا الحديث: إن استيقظ ووجد المَنِيَّ وجبَ الغُسْلُ، وإلا فلا.
قوله: "ترى ذلك"، أي: ترى الاحتلام.
"شَقَائِق الرجال"، أي: أمثالُ الرجال في البشرية، فيجبُ الغُسْلُ على المرأةِ بخروج المَنِيِّ كالرجل.
و(الشقائق): جمع شقيقة وشقيق، يقال: هذا شقيق هذا؛ أي: كلاهما مَشْقوقان من شيءٍ واحد، والمراد ها هنا: أن الرجل والمرأة من أصلٍ واحد وهو آدم ﵇.
* * *
٣٠٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسولُ الله - ﷺ -: "إذا جاوَزَ الخِتَانُ الخِتَانَ وجَبَ الغُسلُ".
قوله: "إذا جاوَزَ الخِتَانُ الخِتَانَ"، والمراد بمجاوزة الخِتَانِ الخِتَانَ: تغييبُ الحَشَفَةِ في الفَرْج.
* * *
٣٠٣ - وقال أبو هريرة: قال رسول الله - ﷺ -: "تحتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جنابَةٌ، فاغْسِلُوا الشَّعرَ، وَأَنْقُوا البَشَر"، ضعيف.
قوله: "تحتَ كلِّ شَعْرةٍ جَنَابة"، يعني: لو بقيتْ شعرةٌ واحدةٌ لم يصل إليها الماءُ بقيتْ جنابةُ الرجل.
قوله: "فاغسِلُوا الشعرَ"، أي: أوصلوا الماءَ إلى الشعر.
[ ١ / ٤١٤ ]
"وأَنْقُوا البَشَرَة"، يعني: فطهِّرُوا البشرةَ من الوَسَخِ، وأوصِلُوا إليها الماءَ، فلو كان في موضع وَسَخٌ بحيث لا يصلُ الماءُ إلى تحته لم تُرفَعِ الجنابة.
* * *
٣٠٤ - وقال عليٌّ - ﵁ -: إنَّ رسولَ الله - ﷺ - قال: "مَنْ تركَ مَوْضِعَ شَعرةٍ من الجنابَةِ لَمْ يَغْسِلْهَا؛ فُعِلَ بها كذا وكذا من النَّار"، قال عليٌّ - ﵁ -: فَمِنْ ثَمَّ عادَيْتُ رأسي.
قوله: "فُعل بها كذا وكذا"، أي: فُعِلَ بتلك الشعرةِ من العَذاب ومسِّ النار عذابًا شديدًا.
"قال علي فمِن ثَمَّ"، أي: من أجلِ أنْ سمعتُ هذا التهديدَ، "عاديتُ رأسي"، أي: فعلتُ بشعر رأسي فعلَ العدوِّ بالعدوِّ، يعني: قطعتُ شعرَ رأسي مخافةَ ألَاّ يصلَ الماءُ إلى جميع شعري، وقد صحت الروايةُ: أن عليًا - ﵁ - كان يَجُزُّ شعرَ رأسه؛ ليصل الماء إلى جميع رأسه.
وروي مثله عن حُذَيفة.
* * *
٣٠٥ - قالت عائشة ﵂: كان النبيُّ - ﷺ - لا يتوضَّأُ بعدَ الغُسْلِ.
قولها: "لا يتوضأ بعد الغسل"، هذا يحتملُ أمرين:
أحدهما: أن يتوضَّأَ في ابتداء الغُسْل، فإذا فرغَ من الغُسْل يكتفي بذلك الوضوءِ ولا يتوضَّأُ مرةً أخرى، والحُكْمُ كذلك في الفِقْه.
والثاني: أن يستنجيَ ويوصِلَ الماءَ بنية الغُسْل إلى جميع أعضائه، ولا يتوضَّأُ لا قبلَ الغُسْلِ ولا بعده، بل إذا ارتفعَ الحدثُ الأكبرُ وهي الجنابة يرتفعُ الحدثُ
[ ١ / ٤١٥ ]
الأصغر وهو ما يحتاجُ فيه إلى الوضوء، والحُكْمُ كذلك في الفقه.
* * *
٣٠٦ - وقالت عائشة ﵂: كانَ رسول الله - ﷺ - يغسِلُ رأْسَهُ بالخِطْمِيِّ وهو جُنُبٌ، يجتزئُ بذلك، ولا يصبُّ عليه الماءَ.
قولها: "يغسل رأسه بالخِطْمِيِّ"، (الخِطْمِيُّ) بكسر الخاء: شيءٌ معروفٌ يُغْسَلُ به الرأس.
"يجتزِئُ بذلك"، أي: يكتفي بذلك الخِطْمِيِّ.
صورة هذا الحديث: أن يصبَّ رسولُ الله على رأسه الماءَ بنيةِ رفعِ الجنابةِ حتى يصلَ الماءُ إلى جميعِ شعرهِ، ثم يجعل الخِطْمِيَّ على رأسه؛ للتبرُّدِ وتطييبِ الرأس، ويترك الخِطْمِيَّ على رأسِه، ولا يصبُّ على رأسِه الماءَ بعد ذلك؛ لأنه ارتفعتِ الجَنابةُ عن رأسه قبل جَعْلِ الخِطْمِيِّ على رأسه، ثم يَصُبُّ على بدنه الماءَ؛ لرفع الجَنَابة من باقي بدنه، وإنما قلنا: غسَلَ باقي بدنه؛ أي: بعد جَعْلِ الخِطْمِيِّ على رأسه؛ لأن عائشة - ﵂ - قالت: "يغسلُ رأسَه بالخِطْمِيِّ وهو جُنُب" يعني: عند جَعْلِ الخِطْمِيِّ على رأسه كان جُنُبًا بالنسبة إلى باقي أعضائه، لا بالنسبة إلى رأسه.
* * *
٣٠٧ - عن يَعْلى بن أُمية: أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: "إنَّ الله حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحبُّ الحَيَاءَ والتستُّرَ، فإذا اغْتَسَلَ أحدُكُمْ فليَسْتَتِرْ".
قوله: "حَيِيٌّ" بياءين: الأُولى مكسورةٌ مخفَّفة، والثانية مشدَّدة مرفوعة، وأصله: (حييي) بثلاث ياءات على وزن (عليم)، فأُدغمت الثانية في الثالثة، يعني: إن الله كريمٌ تاركٌ لفضْحِ العباد، ومتجاوزٌ عن سيئاتهم.
[ ١ / ٤١٦ ]
قوله: "سِتِّير"، أي: ساترٌ على عيوب الناس، لا يهْتِكُ أستارَهم.
قوله: "يحبُّ الحياء والتَّسَتُّر"، يعني: يحبُّ هاتين الصورتين من عباده، كما قال رسول الله - ﵇ -: "تخلَّقُوا بأخلاق الله"، يعني: ليكنْ فيكم صفاتُ الله مما يمكن أن يكونَ في المخلوق، يعني: كونوا رحماءَ على عباد الله، كما كان الله رحيمًا على عباده، وكذلك باقي الصفات من الكرم والُّلطْف وغير ذلك.
يعني: ليسْتُرْ كلُّ واحد منكم عورتَه، وليستَحْيي عن كَشْفِها إلا عند الخَلَاء، وحَلْقِ العانة، وغيرِ ذلك مما كان ضرورةً.
تَسَتَّر وأَسْتَرَ: إذا سَتَرَ الرجلُ نفسه.
"يَعْلَى": اسم أبيه: أمية بن أبي عبيدة بن همام بن الحارث بن بكر.
* * *
*