(باب مخالطة الجُنُب وما يباحُ له)
قوله: (المخالطةُ): المجالسةُ والمؤاكلةُ، وغيرُ ذلك مما يَجري بين اثنين من المعاشرة.
"وما يُباحُ له"، أي: وما يَحِلُّ للجُنُب.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٠٨ - قال أبو هُريرة - ﵁ -: لَقِيَنِي رسولُ الله - ﷺ - وأنا جُنُبٌ، فأخذَ بيدي فمشيتُ معَهُ حتى قعدَ، فَانْسَلَلْتُ فأتيتُ الرحلَ فاغتسلتُ، ثمَّ جئتُ وهو
[ ١ / ٤١٧ ]
قاعدٌ، فقال: "أينَ كنتَ يا أبا هِرٍّ؟ "، فقلت له: لَقِيتَني وأنا جُنُبٌ، فكرِهْتُ أنْ أُجالِسَكَ وأنا جُنُبٌ، فقال: "سُبْحَانَ الله، إِنَّ المُؤْمِنَ لا يَنْجُس".
قوله: "فانسللت"، (الانسلالُ): الخروجُ من بين شيءٍ، ومن بينِ قومٍ، (فانسلَلْتُ)؛ أي: أخرجتُ يدي من يده، وكرهتُ أن أجالسَه جُنُبًا.
"فأَتَيْتُ الرَّحْلَ"، أي: أتيت الماءَ بين الرَّحْل، وهو ما كان مع المسافر من الأقمشة، والرَّحْلُ أيضًا: الموضعُ الذي نزلَ فيه القومُ.
قوله: "يا أبا هِرٍّ"، اعلم أن هذه الكنيةَ وضعها رسول الله - ﵇ - حين رآه وفي ثوبه شيءٌ، فقال: "ما في ثوبك يا عبد الرحمن؟ " فقال: هِرَّةٌ، فقال: "أنت أبو هريرة"، فاشتهرَ بهذه الكُنية، وأحبَّ أن يدعوَه الناسُ بهذه الكنية؛ لبركة لفظِ رسولِ الله ﵇: "يا أبا هر" وربما قال له: "يا أبا هريرة"، ويجوز حذف الهمزة من الكُنية، يقال: يا با فلان.
قوله: "فقلت له"، يعني: قلتُ له: كنتُ جُنُبًا حين رأيتَني مشيتُ واغتسلتُ.
قوله: "سبحان الله"، هذا اللفظُ يقال عند التعجُّب، يعني: تعجب رسول الله - ﵇ - من فِعْلِ أبي هريرة، وقال: "إن المؤمن لا يَنْجُسُ"، يعني: المؤمن طاهرٌ لا يصيرُ نجسًا بكونه جُنُبًا، بل يجوزُ مخالَطَةُ الجُنُب ومؤاكلَتُه.
* * *
٣٠٩ - وذكر عُمرُ - ﵁ - لِرسولِ الله - ﷺ - أنَّهُ تُصيبُهُ الجَنابةُ مِنَ اللَّيْلِ، فقالَ لهُ رسولُ الله - ﷺ -: "توضَّأْ، واغْسِلْ ذَكَرَكَ، ثمَّ نَمْ".
٣١٠ - وقالتْ عائشةُ ﵂: كانَ رسولُ الله - ﷺ - إذا كانَ جُنُبًا فأرادَ أنْ يأْكُلَ أوْ يَنَامَ توضَّأَ وُضُوءَهُ للصَّلاةِ.
[ ١ / ٤١٨ ]
قوله: "توضَّأْ واغسِلْ ذَكَرَكَ"، يعني: يُستحَبُّ للجُنُبِ أن يغسِلَ ذكرَه ويتوضَّأَ، كما يتوضَّأُ للصلاة، ثم يأكلُ أو يشربُ أو يجامعُ مرةً أخرى أو ينام.
* * *
٣١١ - وقال رسول الله - ﷺ -: "إذا أتى أحدُكُمْ أهلَهُ، ثمَّ أرادَ أنْ يعودَ فليتوضَّأْ بينَهُمَا وُضُوءًا"، رواه أبو سعيد الخدري.
قوله: "إذا أتى أحدكم أهله " إلى آخره.
يعني: إذا جامعَ مرةً ثم أراد أن يجامِعَ ثانيةً؛ فليغسِل الرجلُ والمرأةُ فرجيهما ويتوضأا؛ لأن هذا أطيبُ وأكثرُ للنشاط والتلَذُّذ.
* * *
٣١٢ - وقال أنس - ﵁ -: كانَ النبيُّ - ﷺ - يطوفُ على نِسائِهِ بِغُسْلٍ واحدٍ".
قوله: "يطوف على نسائه بغُسْلٍ واحد"، يعني: يجامعُ نساءَه بغُسْلٍ واحدٍ، وهذا دليلٌ على أن الجُنُبَ يجوزُ له أن يجامِعَ ثانيةً وثالثةً، أو أكثرَ، ولا يجبُ عليه أن يغسِلَ لكلَّ مجامعةٍ غُسْلًا، بل يكفي جميع الوطآت غسل واحد.
* * *
٣١٣ - وقالت عائشة ﵂: كانَ النبيُّ - ﷺ - يَذْكُرُ الله على كُلِّ أَحْيَانِهِ.
قوله: "يَذْكُرُ الله على كل أحيانهِ"، يعني: يجوزُ ذِكْرُ الله من التسبيح والتهليل وغيرِهما في حال الجَنَابة وغيرها، إلا أنه لا يجوزُ تلاوة القرآن للجُنُب.
* * *
[ ١ / ٤١٩ ]
٣١٤ - وقال ابن عبَّاسٍ - ﵄ -: خرجَ النبيُّ - ﷺ - مِنَ الخلاءِ، فأُتِيَ بطعامٍ، فَذَكَرُوا لهُ الوُضُوءَ، فقال: "أُريدُ أنْ أُصلِّيِ فأتوضَّأَ؟! ".
قوله: "فذكروا له الوضوء"؛ يعني: قالوا له: أتتوضأ ثم تأكل أم لا؟ قال: لست أريد أن أصلي حتى أتوضأ.
قوله: "أريد" أصله: أأريد بهمزتين، فحذفت الهمزة الأولى التي هي للاستفهام.
قوله: "فأتوضأ" الفاء هي الناصبة للفعل المستقبل؛ لأنها جواب الاستفهام.
وهذا الحديث دليلٌ على جواز الأكل والشرب بغير الوضوء.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣١٥ - قالت مَيْمُونة ﵂: أجْنَبْتُ أنا ورسولُ الله - ﷺ -، فاغْتَسَلْتُ مِنْ جَفْنَة وفضَلَ فيها فَضْلَةٌ، فجاءَ النبيُّ - ﷺ - لِيَغْتَسِلَ مِنْهَا، فقلتُ: إنَّي قد اغتَسَلْتُ منها، فاغْتَسَلَ، وقال: "إنَّ الماءَ ليسَ علَيْهِ جَنَابَةٌ"، وفي رواية: "إنَّ الماءَ لا يُجْنِب".
قولها: "من جفنة"، (الجفنة): القصعة الكبيرة.
قوله: "إن الماء ليس عليه جنابة"؛ يعني: الماء الذي أدخل الجنبُ فيه يدَه طاهرٌ مطهِّرٌ إذا لم ينو المغتسلُ بإدخال يده الإناءَ رفعَ الجنابة من كفه، فإنْ نوى رفع الجنابة من كفه صار ذلك الماء مستعملًا؛ لأن الجنابة انتقلت من كفه إلى الماء.
ويعني بالمانع: كون الرجل ممنوعًا من الصلاة وغيرها ممَّا لا يجوز
[ ١ / ٤٢٠ ]
للجنب، والماء الذي ينفصل من أعضاء الجنب فهو مستعملٌ أيضًا؛ لأن المانع الذي كان على الجنب انتقل إلى الماء المنفصل عن الأعضاء، حتى يكون غير مطهِّرٍ.
قوله: "لا يجنب"، أجنب يجنب: إذا صار جنبًا.
* * *
٣١٦ - وقالت عائشة ﵂: كان رسولُ الله - ﷺ - يُجنِبُ فيغتَسِلُ، ثمَّ يستَدْفِئَ بي قبلَ أن أَغْتَسِل.
قولها: "يستدفئ بي"؛ أي: يطلب الدفاءة بي، والدفاءة: الحرارة، يعني: يغتسل رسول الله ﵇، ويضع أعضاءه على أعضائي من غير حائلٍ؛ ليجد حرارةً من أعضائي؛ ليزول عنه البرد.
وإنما قلنا: يضع أعضاؤه على أعضائها من غير حائلٍ؛ لأنه معلومٌ أن الغرض من إيراد هذا الحديث: بيانُ طهارة أعضاء الجنب، وإنما يكون هذا الحديثُ دليلًا على طهارة أعضاء الجنب إذا كان وصول البدنين بغير حائلٍ، وأما مع الحائل فيجوز وصول شيء طاهرٍ بشيءٍ نجسٍ مع حائلٍ بينهما، ألا ترى أنه يجوز الصلاة في أرض نجسة إذا كان بينها وبين المصلِّي سجادة.
* * *
٣١٧ - وقال علي - ﵁ -: إنَّ رسولَ الله - ﷺ - كانَ يخرجُ مِنَ الخلاءِ، فيُقْرِئُنا القُرآنَ، ويأكلُ معنَا اللحمَ، وكان لا يحجُبُهُ - أو لا يحجُزُهُ - عَنْ قِراءةِ القُرآنِ شيءٌ وليسَ الجنابة.
قوله: "يُقْرئنا القرآن"، أَقْرَأ يُقْرئ: إذ علَّم تعليمًا، (يقرئنا)؛ أي: يعلِّمنا القرآن.
[ ١ / ٤٢١ ]
و(أو) في قوله: "أو: يحجزه" شكٌّ من الراوي أن عليًا قال: (لا يحجبه)، أو قال: (لا يحجزه).
والحجب والحجز: المنع.
"ليس الجنابة": أي: إلا الجنابة.
* * *
٣١٨ - وعن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يقرأُ الجُنُبُ ولا الحائضُ شيئًا مِنَ القُرآنِ".
قوله: "لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن": (لا) ها هنا للنهي، وانكسرت الهمزة لالتقاء الساكنين.
وقوله: (لا تقرأ) بالجزم، وقوله: (شيئًا من القرآن) يعني: لا يجوز القليل والكثير، وبه قال الشافعي، إلا أن يقول: بسم الله، والحمد لله، على قصد الذكر.
وجوَّز مالك قراءةَ القرآن للحائض لخوف النسيان، وجوَّز للجنب أن يقرأ بعض آيةٍ، ولا يُتمها.
ولأبي حنيفة روايتان؛ إحداهما كمالك، وأصحُّهما كالشافعي.
* * *
٣١٩ - وقالت عائشة ﵂: قال رسول الله - ﷺ -: "وَجِّهُوا هذه البُيوتَ عَنِ المسجدِ، فإنِّي لا أُحِلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا جُنُبٍ".
قوله: "وجِّهوا هذه": أمر مخاطبين، من التوجُّه، وهذا اللفظ إذا كان بعده (عن) معناه: الإعراض والصرف عن جانب إلى جانب آخر، وإذا كان بعده (إلى) معناه: الإقبال إلى الشيء.
[ ١ / ٤٢٢ ]
كانت أبواب بعض البيوت حول مسجد رسول الله - ﵇ - مفتوحة إلى المسجد يمرون في المسجد، فأمرهم رسول الله - ﵇ - أن يصرفوا أبواب بيوتهم من المسجد إلى جانب آخر، كيلا يمر الجنب والحائض في المسجد، فمذهب أبي حنيفة - ﵁ - تحريم مرور الجنب في المسجد.
ومذهب الشافعي - ﵁ - ومالك: جواز المرور فيه دون المكث.
ومذهب أحمد والمُزني: جواز المكث فيه.
* * *
٣٢٠ - وقال: "لا تدخُلُ الملائكَةُ بيتًا فيهِ صُورةٌ، ولا كلبٌ، ولا جُنُبٌ"، رواه علي - ﵁ -.
وهذا فيمَن يتخذ تأْخير الاغتسال عادةً تهاونًا بها.
قوله: "لا تدخل الملائكة " إلى آخره؛ يعني: لا تدخل ملائكة الرحمة والبركة في بيتٍ فيه هذه الثلاثة، ولا تدخل الملائكة في هذا البيت بالخير.
وأما الملائكة الذين يكتبون أعمال العباد لا يمتنعون بهذه الأشياء، بل يدخلون مواضع الخير والشر، وإنما لا تدخل ملائكة الرحمة بيتًا فيه هذه الأشياء لقبح هذه الأشياء.
وأما (الصورة): فلأنَّ جَعْلَ الصورة تشبيهٌ بخلق الله، وأيُّ ذنب أعظم من ذنب مَن يشبِّه نفسه بالله في التصوير؟
والمحرَّم من الصور ما كان من صور الحيوانات على شيء مرتفع من الأرض كالجدار والستر.
وأما صورةُ غير الحيوان وصورة الحيوان في البساط وما يجلس عليه
[ ١ / ٤٢٣ ]
الرجل، فلا بأس به.
وأما (الكلب)، فيأتي بحثه.
وأما (الجنب): فالمراد منه: جنبٌ يقدر على الغُسل ولا يغتسل حتى يمضي عليه أوقاتُ الصلوات، وتفوت عنه الصلوات، ولا يغتسل.
وأما تأخير الغسل ما لم تفت عنه الصلاة فلا بأس به، ولكن المستحبُّ تعجيل الغسل.
* * *
٣٢١ - وعن عمَّار بن ياسر - ﵁ -: أنَّ النبي - ﷺ - قال: "ثلاثةٌ لا تَقْرَبُهُمُ الملائكةُ: جيفةُ الكافِرِ، والمتضمِّخُ بالخَلوقِ، والجُنُبُ إلَاّ أن يتوضَّأَ".
قوله: "جيفة الكافر" أراد بـ (جيفة الكافر): ذاتَه في الحياة وبعد الموت؛ لأن الكافر نجسٌ بعيدٌ من الرحمة في الحياة، وبعد الموت سمي جيفةً لقوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨].
"والمتضمخ بالخلوق"، (التضمُّخ) التلظُّخ، و(الخلوق) بفتح الخاء: طيبٌ معروفٌ يجعل من الزعفران مع غيره.
ووجهُ النهي عن الخلوق؛ لمَا فيه من الرُّعونة والتشبُّهِ بالنساء، والنهي عن الخلوق مختص بالرجال دون النساء.
قوله: "إلا أن يتوضأ": يعني: لا تقربُ ملائكة الرحمة أيضًا الجنبَ إلا أن يتوضأ، وهذا تهديدٌ وزجرٌ عن تأخير الغسل، كي لا تعتاد نفسُه بحالةٍ لا يجوز فيها الصلاة واللبثُ في المسجد وقراءة القرآن، بل ليعجِّل الغسل، وإن لم يقدر على الغسل فليتوضأ.
ويحتمل أن يريد بالوضوء ها هنا الغسل.
[ ١ / ٤٢٤ ]
اسم جد "عمار": عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن حصين العنسي.
* * *
٣٢٢ - وفي الكتاب الذي كتبَهُ رسولُ الله - ﷺ - لعمْرِو بن حَزْم: "وأَنْ لا يَمَسَّ القُرآنَ إلَاّ طاهِرٌ".
قوله: "أن لا يمسَّ القرآن إلا طاهر": يعني: لا يجوز حملُ المصحف ولا مسُّه إلا طاهرًا.
روى هذا الحديث عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، اسم جد عمرو: زيد بن لوذان الخزرجي.
* * *
٣٢٣ - وقال ابن عمر - ﵄ -: مَرَّ رجلٌ على النبيِّ - ﷺ - وهو يَبُولُ، فسلَّمَ علَيْهِ، فلمْ يَرُدَّ عليهِ حتَّى كادَ الرَّجُلُ أنْ يَتوارى، فضَربَ بيدَيْهِ على الحائطِ ومسحَ بهِما وجهَهُ، ثمَّ ضربَ ضَرْبَةً أُخرى فمسحَ ذراعَيْهِ، ثمَّ رَدَّ على الرَّجُلِ السَّلامَ، وقال: "إنَّهُ لَمْ يمنَعْني أنْ أرُدَّ عليكَ السَّلامَ إلَاّ أنِّي لَمْ أَكُنْ على طُهْرٍ".
وروي: أنه لَمْ يَرُدَّ علَيْهِ حَتَّى توضَّأَ، ثمَّ اعتذَرَ إليْهِ فقال: "إنِّي كَرِهْتُ أنْ أَذْكُرَ الله إلَاّ على طُهْرٍ".
قوله: "أن يتوارى"؛ يعني: أن يستتر ويغيب.
"ضرب بيديه"؛ يعني: ضرب رسول الله - ﵇ - يديه على الجدار للتيمم، وهذا إن كان على الحائط ترابٌ طاهرٌ صحَّ التيمم بالاتفاق، وإن لم يكن على الحائط ترابٌ طاهر صحَّ عند أبي حنيفة ﵀؛ لأن أبا حنيفة جوَّز التيمم بضرب اليد على الحجر والأرض، وما كان من أجزاء الأرض، وإن لم يكن عليه تراب.
[ ١ / ٤٢٥ ]
وتيمُّمُ النبي - ﵇ - ثم ردُّ السلام يدلُّ على استحباب ذكر الله بالوضوء والتيمم؛ لأن السلام اسمٌ من أسماء الله، وردُّ السلام عليه بعد التأخير يدلُّ على وجوب ردِّ السلام.
قوله: "إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام" يدل على أن مَن قصر في جواب أحدٍ يُستحبُّ أن يعتذر إليه، ويخبرَه أنه لم يؤخِّر جوابه للتكبُّر، بل لعذر.
قوله: "وروي أنه لم يرد عليه " إلى آخره، معناه ظاهرٌ، والله أعلم.
* * *