هو أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر، الأنصاريّ الأندلسيّ القرطبي المالكيّ، ضياء الدين أبو العباس. الإمام الفقيه، المُحدِّث، المدرس، الشاهد بالإسكندرية. ولد سنة ٥٧٨ هـ في قرطبة، المدينة الأندلسية الكبيرة، وهي معدنُ الفضلاء، ومنبعُ النبلاء، وإليها ينتسب كثير من كبار العلماء، كبقيٍّ بن مخلد المتوفى سنة ٢٧٦ هـ، وابن عبد البر المتوفى سنة ٤٦٣ هـ، وأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن المفسر المتوفى سنة ٦٧١ هـ .. وغيرهم.
ولم تُسعفنا كتبُ التراجم بدقائق نشأةِ أبي العبَّاس القرطبيّ، إلا أننا نجدُ أنه عُرِفَ بابن المُزَيِّن (١)، ومن المرجَّح أن يكونَ هذا المُزيِّنُ (الحلَّاق) هو أحد أجدادِه، ونعرفُ أنه رحلَ مع أبيه من الأندلس في سن الصِّغَر (٢)، ولعلَّ هذه الرحلة كانت بقصد السَّماع من علماء المغرب، ونستشفُّ منها اهتمامَ الأب وحرصه على متابعة ابنه التحصيلَ العلميّ، بعد أن لمسَ منه الاستعداد والنبوغ.
_________________
(١) (*) انظر ترجمته في: الديباج المذهب (ص ٦٨ - ٧٠)، تذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٣٨)، نفح الطيب (٢/ ٦١٥)، الوافي بالوفيات (٧/ ٢٩٥)، العبر (٥/ ٢٢٦ - ٢٢٧)، البداية والنهاية (١٣/ ٢١٣)، حسن المحاضرة (١/ ٧٦٠)، شذرات الذهب (٧/ ٤٧٣).
(٢) الديباج المذهب، لابن فرحون ص ٦٨، وقد عرف بهذا اللقب كثير ممن تقدموه.
(٣) المصدر السابق.
[ ١ / ٣١ ]
ثم هاجرَ القرطبيُّ من الأندلس بعد أن أتمَّ سماعَه من شيوخ قرطبة.
وبعد أن بلغَ شأوًا من العلم، يُتيح له أن يتصدَّر حلقاتِ العلم في دَوْحات قرطبة الخضراء، وفي حلقات مساجدها الجميلة مدرِّسًا ومُحدِّثًا (١).
ولا شد أنه أتمَّ في طريق هجرته سماعَه على الشيوخ الكبار في كلٍّ من فاس وتلمسان (٢) وغيرهما من مدن المغرب، قبلَ أن يُلْقيَ عَصا التَّسيارُ في الإسكندرية.
ولم يتحدَّثْ القرطبي عن الأندلس في كتابه "المفهم" إلا في مناسبة واحدة، أشارَ فيها إلى أحوال أهلها التي أدَّتْ إلى سقوطها وضياعها:
"وقد كثر ذلك - أي: إخافة الطرق بإظهار السِّلاح قصدًا للغلبة على الفروج - في بلاد الأندلس، في هذه المدة القريبة، وظهرَ فيهم ظهورًا فاحشًا، بحيث اشتركَ فيه الشبَّانُ بالفعل، وأشياخهم بالإقرار عليه، وترك الإنكار، فسلَّطَ الله عليهم عدوَّهم، فأهلكهم، واستولى على بلادهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون".