[٢٩] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ رَسُولِ الله - ﷺ -، قَالَ: الإِيمَانُ بِضعٌ وَسَبعُونَ شُعبَةً، وَالحَيَاءُ شُعبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: بِضعٌ وَسَبعُونَ - أو بِضعٌ وَسِتُّونَ - شُعبَةً، فَأَفضَلُهَا: قَولُ لا إِلهَ إِلا اللهُ، وَأَدنَاهَا: إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ،
_________________
(١) وَمِن بَابِ الإِيمَانُ شُعَبٌ، وَالحَيَاءُ شُعبَةٌ مِنهَا (قوله: الإِيمَانُ بِضعٌ وَسَبعُونَ شُعبَةً) الإيمانُ في هذا الحديث يرادُ به: الأعمالُ، بدليل أنَّه ذكَرَ فيه أعلى الأعمال، وهو قولُ: لا إلهَ إلَاّ الله، وأدناها، أي: أقرَبَها، وهو إماطةُ الأذى، وهما عملان؛ فما بينهما مِن قبيل الأعمال. وقد قدَّمنا القولَ في حقيقة الإيمان شرعًا ولغةً، وأنَّ الأعمالَ الشرعيَّةَ تسمَّى إيمانًا مجازًا وتوسُّعًا؛ لأنَّها عن الإيمان تكونُ غالبًا. والبِضعُ والبِضعَةُ واحدٌ، وهو من العَدَدِ بكسر الباء، وقد تُفتَح وهو قليلٌ؛ ذكره الجوهريُّ. فأمَّا مِن بَضعِ اللحم فبِفَتح الباء لا غير، والبَضعَةُ من اللحم، بالفتح القطعةُ منه، واستعملَتِ العربُ البِضعَ في المشهور مِن كلامها: فيما بين الثلاثِ إلى العَشر، وقيل: إلى التِّسع، وقال الخليلُ: البِضعُ: سبع، وقيل: هو ما بين اثنَينِ إلى عَشر، وما بين عشَرَ إلى عشرين، ولا يقالُ في أحدَ عشَرَ، ولا في اثنَي عشر، وقال الخليلُ أيضًا: هو ما بين نِصفِ العَقد، يريد مِن واحدٍ إلى أربع. والشُّعبَةُ في أصلها: واحدةُ الشُّعَب، وهي أغصانُ الشجر، وهي بضمِّ الشين، فأمَّا شُعَبُ القبائل، فواحدُهَا: شَعبٌ بفتحها، وقال الخليل: الشَّعب: الاجتماعُ والافتراق. وفي الصحاح: هو من الأضداد. فيُراد بالشُّعبة في الحديث
[ ١ / ٢١٦ ]
وَالحَيَاءُ شُعبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ.
رواه أحمد (٢/ ٤١٤ و٤٤٥)، والبخاري (٩)، ومسلم (٣٥)، وأبو داود (٤٦٧٦)، والترمذي (٢٦١٤)، والنسائي (٨/ ١١٠)، وابن ماجه (٥٧).
ــ
الخَصلة، ويعني: أنَّ الإيمانَ ذو خصال معدودة، وقد ذكَرَ الترمذيُّ هذا الحديثَ، وسمَّى الشُّعبة بابًا (١)، فقال: بِضعٌ وستون أو بضع وسَبعُونَ، ولا يُلتَفَتُ لهذا الشكِّ؛ فإنَّ غيره من الثقات قد جَزَمَ بأنَّه بِضعٌ وسبعون، وروايةُ مَن جزَمَ أولى.
ومقصودُ هذا الحديثِ: أنَّ الأعمالَ الشرعيَّةَ تسمَّى إيمانًا على ما ذكرناه آنفًا، وأنَّها منحصرةٌ في ذلك العدد، غيرَ أنَّ الشرع لم يُعيِّن ذلك العدد لنا (٢) ولا فصَّله.
وقد تكلَّف بعضُ المتأخِّرين تعديدَ ذلك؛ فتصفَّحَ خِصَالَ الشريعةِ وعدَّدها، حتَّى انتهَى بها - في زعمه - إلى ذلك العَدَد، ولا يصحُّ له ذلك؛ لأنَّه يمكنُ الزيادةُ على ما ذكَرَ، والنقصانُ ممَّا ذكَرَ؛ ببيانِ التداخل.
والصحيحُ: ما صار إليه أبو سُلَيمان الخَطَّابيُّ وغيره: أنَّها منحصرةٌ في علمِ الله تعالى، وعِلمِ رسوله، وموجودةٌ في الشريعة، مفصَّلَةٌ فيها، غير أنَّ الشرعَ لم يُوقِفنَا على أشخاص تلك الأبواب، ولا عيَّن لنا عدَدَهَا، ولا كيفيَّةَ انقسامها، وذلك لا يَضُرُّنَا في عِلمنا بتفاصيلِ ما كُلِّفنا به مِن شريعتنا ولا في عملنا؛ إذ كلُّ ذلك مفصَّلٌ مُبيَّنٌ في جملةِ الشريعة، فما أُمِرنَا بالعَمَلِ به عَمِلنَاه، وما نُهِينَا عنه انتهَينَا، وإن لم نُحِط بِحَصرِ أعداد ذلك، والله تعالى أعلم.
والحياءُ: انقباضٌ وحِشمَةٌ يجدها الإنسانُ مِن نفسه عندما يُطَّلَعُ منه على
_________________
(١) قوله: وسمّى الشعبة بابًا، ساقط من (ع).
(٢) من (م) و(ط).
[ ١ / ٢١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما يُستَقبَحُ ويُذَمُّ عليه، وأصلُهُ غريزيٌّ في الفطرة، ومنه مكتسَبٌ للإنسان؛ كما قال بعضُ الحكماء في العقل:
رَأَيتُ العَقلَ عَقلَينِ فَمَطبُوعٌ وَمَصنُوعُ
وَلَا يَنفَعُ مَصنُوعٌ إِذَا لَم يَكُ مَطبُوعُ
كَمَا لَا تَنفَعُ العَينُ وَضَوءُ الشَّمسِ مَمنُوعُ (١)
وهذا المكتَسَبُ: هو الذي جعلَهُ الشرعُ من الإيمان، وهو الذي يُكلَّفُ به.
وأمَّا الغريزيُّ فلا يكلَّفُ به؛ إذ ليس ذلك مِن كسبنا، ولا في وُسعنا، ولم يكلِّفِ اللهُ نفسًا إلَاّ وسعها؛ غير أنَّ هذا الغريزيَّ يَحمِلُ على المكتسب، ويُعِينُ عليه؛ ولذلك قال ﵊: الحَيَاءُ لَا يَأتِي إِلَاّ بِخَيرٍ، والحَيَاءُ خَيرٌ كُلُّهُ (٢). وأوَّلُ الحياءِ وأَولَاه: الحياءُ من الله تعالى، وهو ألَاّ يراك حيثُ نهاك، وذلك لا يكونُ إلَاّ عن معرفةٍ بالله تعالى كاملة، ومراقبةٍ له حاصلَة، وهي المعبَّرُ عنها بقوله: أَن تَعبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ؛ فَإِن لَم تَكُن تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ (٣).
وقد رَوَى الترمذيُّ مِن حديث ابن مسعود أَنَّهُ - ﵊ - قال: استَحيُوا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ، فَقَالُوا: إِنَّا نَستَحيِي وَالحَمدُ للهِ، فَقَالَ: لَيسَ ذَلِكَ، ولكنَّ الاستِحياءَ من الله حقَّ الحَيَاءِ: أَن تَحفَظَ الرَّأسَ وَمَا حَوَى، وَالبطنَ وما وَعَى، وَتَذكُرَ المَوتَ وَالبِلَى، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ، فَقَدِ استَحيَا مِنَ اللهِ حَقَّ الحَيَاءِ (٤).
_________________
(١) الأبيات أوردها الماوردي في "أدب الدنيا والدين" ص (٢٩ - ٣٠) طبعة دار ابن كثير.
(٢) رراه مسلم (٣٧) (٦١).
(٣) سبق تخريجه برقم (٧) في تلخيص مسلم.
(٤) رواه أحمد (١/ ٣٨٧)، والترمذي (٢٤٦٠).
[ ١ / ٢١٨ ]
[٣٠] وَعَنِ ابنِ عُمَرَ، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِرَجُلٍ مِنَ الأَنصَارِ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ، فَقَالَ: الحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ.
رواه أحمد (٢/ ٥٦ و١٤٧)، والبخاري (٢٤)، ومسلم (٣٦)، وأبو داود (٤٧٩٥)، والترمذي (٢٦١٨)، والنسائي (٨/ ١٢١)، وابن ماجه (٥٨).
ــ
قال الشيخ: وأهلُ المعرفة في هذا الحياءِ منقسمون؛ كما أنّهم في أحوالهم متفاوتون كما تقدم، وقد كان النبيُّ - ﷺ - جُمِعَ له كمالُ نوعَيِ الحياء، فكان في الحياءِ الغريزيِّ أشدَّ حياءً من العَذراء في خِدرها، وفي حيائِهِ الكسبيِّ في ذِروتها.
و(قوله: مر بِرَجُلٍ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ) أي: يَعذِلُهُ على كثرته، ويزجُرُهُ عنه.
و(قوله - ﵊ -: دَعهُ) زجرٌ للواعظ؛ لأنَّه - ﵊ - عَلِمَ أنّ ذلك الشخصَ لا يضرُّهُ الحياءُ في دينه، بل ينفعُهُ؛ ولذلك قال له: دَعهُ، فَإِنَّ الحَيَاءَ لَا يَأتِي إِلَاّ بِخَير.
وقد يُفرِطُ الحياءُ على بعضِ الناس، حتَّى يمنعَهُ ذلك من القيامِ بحقِّ الله تعالى من الأمرِ بالمعروفِ وتغييرِ المنكر، ويحملَهُ على المداهنة في الحَقِّ، وكلُّ ذلك حياءٌ مذمومٌ شرعًا وطبعًا (١) يحرُمُ استعمالُهُ، ويجب الانكفافُ عنه؛ فإنَّ ذلك الحياءَ أحقُّ باسم الجُبنِ والخَوَر، وأَولَى منه باسمِ الحياءِ والخَفَر.
_________________
(١) قوله: شرعًا وطبعًا، من (م).
[ ١ / ٢١٩ ]
[٣١] وعَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: الحَيَاءُ لَا يَأتِي إِلَاّ بِخَير، فَقَالَ بُشَيرُ بنُ كَعبٍ: إِنَّهُ مَكتُوبٌ فِي الحِكمَةِ: أَنَّ مِنهُ وَقَارًا، وَمِنهُ سَكِينَةً، فَقَالَ عِمرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَن رَسُولِ الله - ﷺ -، وَتُحَدِّثُنِي عَن صُحُفِكَ؟ !
رواه أحمد (٤/ ٤٢٧)، والبخاري (٦١١٧)، ومسلم (٣٧)، وأبو داود (٤٧٩٦).
* * *
ــ
و(قولُ بُشَير بن كعب: إِنَّ مِنهُ وَقَارًا، وَمِنهُ سَكِينَةً) يعني: إنَّ منه ما يحملُ صاحبَهُ على أن يُوَقِّرَ الناسَ ويتوقَّرُ هو في نفسه، ومنه: ما يحملُهُ على أن يَسكُنَ عن كثيرٍ ممَّا يتحرَّكُ الناسُ إليه مِنَ الأمورِ التي لا تليقُ بذوي المروءات.
ولم يُنكِر عِمرَانُ على بُشَيرٍ هذا القولَ مِن حيثُ معناه، وإنَّما أنكرَهُ عليه مِن حيثُ إنَّه (١) أتى به في مَعرِضِ مَن يعارضُ كلامَ رسولِ الله - ﷺ - بكلامِ الحكماءِ، ويقاومُهُ به؛ ولذلك قال له: أُحَدِّثُكَ عَن رَسُولِ الله - ﷺ - وَتُحَدِّثُنِي عَن صُحُفِكَ! وقيل: إنَّما (٢) أنكَرَه عليه؛ لأنَّه خافَ أن يَخلِطَ بالسُّنَّة ما ليس منها؛ فَسَدَّ ذريعةَ ذلك بالإنكار، والله تعالى أعلم.
* * *
_________________
(١) ساقط من (ع).
(٢) في (ط): إنه إنما.
[ ١ / ٢٢٠ ]