[٤١] عَن أَبِي مَسعُودٍ، قَالَ: أَشَارَ النَّبِيُّ - ﷺ - نَحو اليَمَنِ، فَقَالَ: أَلَا إِنَّ الإِيمَانَ هاهُنَا،
ــ
أصحابٌ عند سيبوَيه: جمعُ صاحب؛ كشاهِدٍ وأشهاد، وليس جمعَ صَحب؛ لأنَّ فَعلًا لا يجمع على أفعال إلا في ألفاظ معدودة، وليس هذا منها.
والصُّحبَةُ: الخُلطَةُ والملابَسَةُ على جهة المحبَّة؛ يقال: صحِبَهُ يَصحَبُهُ صُحبَةً بالضم، وصَحَابةً بالفتح، وقد يراد به الأصحابُ، وجمع الصاحب: صَحبٌ؛ كراكبٍ ورَكب، وصُحبَةٌ بضم الصاد؛ كفَارِة وفُرهَة، وصِحَابٌ بالكسر؛ كجائِع وجِيَاع، وصُحبَان كشابٍّ وشُبَّان.
و(قوله: ثُمَّ إِنَّهَا تَخلُفُ مِن بَعدِهِم خُلُوفٌ) الروايةُ: أنَّهَا بهاء التأنيث فقط، وأعادها على الأُمَّة، أو على الطائفة التي هي معنى حواريِّينَ وأصحاب، ويَحتَمِلُ أن يكون ضميرَ القِصَّة.
والخُلوفُ بضمِّ الخاء: جمع خَلفٍ، بفتح الخاء وسكون اللام، وهو القَرنُ بعد القرن، واللاحقُ بعد السابق؛ ومنه قولُهُ تعالى: فَخَلَفَ مِن بَعدِهِم خَلفٌ ويقالُ فيه: خَلَفٌ، بفتح اللام؛ ومنه قولُهُ - ﵊ -: يَحمِلُ هذا العِلمَ مِن كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ (١)، وحكى الفَرَّاءُ الوجهَين في الذمِّ، والفتحَ في المدحِ لا غير، وحكَى أبو زَيدٍ الوجهَين فيهما جميعًا.
(١٨) وَمِن بَابِ الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالحِكمَةُ يَمَانِيَةٌ
(قوله: أَشَارَ النَّبِيُّ - ﷺ - نَحو اليَمَنِ، وَقَالَ: أَلَا إِنَّ الإِيمَانَ هاهُنَا) قيل: إنَّ
_________________
(١) رواه البيهقي كما في مشكاة المصابيح (٢٤٨).
[ ١ / ٢٣٦ ]
وَإِنَّ القَسوَةَ وَغِلَظَ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ عِندَ أُصُولِ أَذنَابِ الإِبِلِ،
ــ
هذه الإشارة صدَرَت عنه - ﵊ - وهو بتَبُوكَ، وبينه وبين اليمن مكةُ والمدينة؛ ويؤيِّد هذا قولُهُ في حديث جابر: الإِيمَانُ فِي أهل الحِجَازِ، فعلى هذا: يكونُ المرادُ بأهلِ اليمن: أهلَ المدينة ومَن يليهم إلى أوائلِ اليمن.
وقيل: كان بالمدينة؛ ويؤيِّده أنَّ كونَهُ بالمدينة كان غالبَ أحوالِهِ؛ وعلى هذا: فتكونُ الإشارة إلى سُبَّاقِ اليمن، أو إلى القبائل اليمنيَّة الذين وَفَدُوا على أبي بكر لفتحِ الشامِ وأوائلِ العراق؛ وإليهم الإشارةُ بقوله - ﵊ -: إنِّي لأَجِدُ نَفَسَ الرَّحمنِ مِن قِبَلِ اليَمَنِ (١)، أي: نَصرَهُ في حياتِهِ وتنفيسَه عنه فيها، وبعد مماته، والله تعالى أعلم. وسُمِّيَ اليَمَنُ يَمَنًا؛ لأنَّه عن يمين الكعبة، وسُمِّيَ الشامُ شامًا؛ لأنَّه عن يسارِ الكعبة، مأخوذٌ من اليدِ الشُؤمَى، وهي اليُسرَى.
و(قوله: إِنَّ القَسوَةَ وَغِلَظَ القُلُوبِ فِي الفَدَّادِينَ عِندَ أُصُولِ أَذنَابِ الإِبِلِ) القَسوَةُ وَغِلَظَ القُلُوبِ: اسمان لمسمًّى واحدٍ، وهو نحو قولِهِ: إِنَّمَا أَشكُو بَثِّي وَحُزنِي إِلَى اللَّهِ، والبَثُّ: هو الحُزن.
قال المؤلِّف: وَيَحتَمِلُ أن يقال: إِنَّ القسوةَ يرادُ بها: أنَّ تلك القلوبَ لا تَلِينُ لموعظة ولا تخشَعُ لِتَذكار، وغلظها: ألا تَفهَمَ ولا تَعقِل، وهذا أولى من الأوَّل.
والفَدَّادون مشدَّد الدال: جمعُ فَدَّاد؛ قال أبو عُبَيدٍ: هم المُكثِرون من الإبل، وهم جُفَاةٌ أهلُ خُيَلَاءَ، واحدهم: فدَّاد، وهو الذي يملكُ من المائتين إلى الألف. وقال أبو العبَّاس: هم الجَمَّالون والبَقَّارون، والحَمَّارون والرُّعيان. وقال الأصمعيُّ:
_________________
(١) قال العراقي: لم أجد له أصلًا. (كشف الخفاء ٨٠١).
[ ١ / ٢٣٧ ]
حَيثُ يَطلُعُ قَرنَا الشَّيطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ.
رواه أحمد (٢/ ٥٤١)، والبخاري (٣٣٠٢)، ومسلم (٥١).
ــ
هم الذين تعلو أصواتُهُم في حروثهم وأموالهم ومواشيهم، قال: والفديدُ: الصوت، وقد فَدَّ الرجلُ يَفِدُّ فديدًا؛ وأنشد (١):
أَعَاذِلُ مَا يُدرِيكَ أَن رُبَّ هَجمَةٍ لِأَخفَافِهَا فَوقَ المِتَانِ فَدِيدُ (٢)
ورجلٌ فدَّاد: شديدُ الصوت. وأمَّا الفَدَادون بتخفيف الدال: فهي البَقَرُ التي تحرُثُ، واحدها: فَدَّانُ بالتشديد، عن أبي عمرو الشَّيبانيِّ.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: وأمَّا الحديثُ فليس فيه إلَاّ روايةُ التشديد، وهو الصحيحُ على ما قاله الأصمعيُّ وغيره.
و(قوله: عِندَ أُصولِ أَذنَابِ الإِبِلِ) المراد به، والله أعلم: الملازمون للإبِلِ، السائقون لها. ويظهر لي: أنَّ الفَدَّادين هو العاملُ في غير مكانه. قال: المصوِّتون عند أذناب الإبِلِ سَوقًا لها، وحَدوًا بها.
و(قوله: حَيثُ يَطلُعُ قَرنَا الشَّيطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ) هذا تعيينٌ لمواضعهم؛ كما قال في الرواية الأخرى: رَأسُ الكُفرِ قِبَلَ المَشرِقِ.
واختُلِفَ في قَرنَيِ الشيطان: فقيل: هما ناحيتا رأسِهِ العُليَا، وهذا أصلُ هذا اللفظ وظاهره؛ فإنَّ قَرنَ الشيءِ أعلاه في اللغة؛ فيكونُ معناه على هذا: أنَّ الشيطاَن ينتصبُ قائمًا مع طلوعِ الشمس لِمَن يسجد للشمس؛ لِيُسجَدَ له، ويُعبَدَ بعبادتها، ويَفعَلُ هذا في الوقت
_________________
(١) هو الشاعر المعلوط السَّعدي.
(٢) "المتان": الفلاة. قال ابن دريد: ويروى البيت: فوق الفلاة فديد. و"فدَّت الإبل": شَدَخت الأرض بخِفافها من شدّة وطئها.
[ ١ / ٢٣٨ ]
[٤٢] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ؛ قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: جَاءَ أَهلُ اليَمَنِ، هُم أَرَقُّ أَفئِدَةً، وَأَضعَفُ قُلُوبًا،
ــ
الذي يسجُدُ لها الكُفَّار؛ كما قال - ﷺ -: إنَّ الشمسَ تَطلُعُ ومعها قَرنُ الشَّيطَان، فإذا ارتفعَت فارَقَهَا، ثُمَّ إذا استَوَت قارَنَهَا، فإذا زالَت فارَقَهَا، ثم إذا قارَبَتِ الغروبَ قارنَهَا، ثم إذا غرَبَت فارَقَهَا (١).
وقيل: القَرنُ الجماعةُ من الناس والأُمَّة؛ ومنه قوله - ﵊ -: خَيرُ أُمَّتِي قَرنِي، ثُمَّ الذين يَلُونَهُم، ثُمَّ الذين يَلُونَهُم (٢). وعلى هذا فيكونُ معنى قَرنَيِ الشيطان في الحديث: أنَّهما أُمَّتان عظيمتان يَعبُدُونَ غيرَ الله، ولعلَّهم في ذلك الوقت ربيعةُ ومُضَرُ المذكوران في الحديث، أو أُمَّتَانِ من الفُرسِ يعبدون الشمسَ، ويَسجُدُونَ لها مِن دون الله؛ كما جاء في الحديث: وحينئذٍ يَسجُدُ لها الكُفَّارُ (٣).
وقال الخَطَّابِي: قَرنُ الشيطانِ ضَرَبَ به المَثَلُ فيما لا يُحمَدُ من الأمور. وقيل: المرادُ بهذا الحديث: ما ظهَرَ بالعراق من الفتنِ العظيمة، والحروبِ الهائلة؛ كوقعةِ الجَمَل، وحروبِ صِفِّين، وحَرُورَاء، وفِتَنِ بني أميَّة، وخُرُوجِ الخوارج؛ فإنَّ ذلك كان أصلُهُ، ومنبعُهُ العراقَ ومَشرِقَ نَجد، وتلك مساكنُ ربيعةَ ومُضَرَ إذ ذاك، والله أعلم.
و(قوله في أهل اليمن: هُم أَرَقُّ أَفئِدَةً، وَأَضعَفُ قُلُوبًا) يعني: مِن أهلِ المشرق، لا مِن أهل الحجاز؛ لأنَّه - ﵊ - قد قال في الحديث الآخر: وَالإِيمَانُ فِي أهل الحِجَازِ، واليَمَنُ من الحجاز؛ كما سيأتي بيانُهُ إِن شاء الله تعالى.
وقد وصَفَ أهلَ اليمنِ في هذا الحديث بضدِّ ما وصَفَ به أهلَ العراق؛ فإنَّه قابَلَ وصفَي القسوةِ والغِلَظِ بوصفَيِ الرِّقَّةِ والضعف؛ والرقَّةُ في مقابلة القسوة،
_________________
(١) رواه مالك في الموطأ (١/ ٢١٩)، والنسائي (١/ ٢٧٥).
(٢) رواه البخاري (٣٦٥١)، ومسلم (٢٥٣٣)، والترمذي (٣٨٥٨).
(٣) سبق تخريجه قبل الحديث السابق، وأوله: "إن الشمس تطلع. .".
[ ١ / ٢٣٩ ]
الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالحِكمَةُ يَمَانِيَةٌ، السَّكِينَةُ فِي أهل الغَنَمِ، وَالفَخرُ وَالخُيَلَاءُ فِي الفَدَّادِينَ أهل الوَبَرِ قِبَلَ مَطلِعِ الشَّمسِ.
وَفِي رِوَايَةٍ: رَأسُ الكُفرِ قِبَلَ المَشرِقِ.
رواه أحمد (٢/ ٤٨٠ و٤٨٨)، والبخاري (٣٤٩٩)، ومسلم (٥٢).
ــ
والضعفُ يقابلُ الغِلَظَ، فمعنى أَرَقُّ: أخشَعُ، ومعنى أضعَفُ: أسرَعُ فَهمًا وانفعالًا للخير.
والأفئدة: جمعُ فؤاد، وهو القلبُ، وقيل: الفؤادُ داخلُ القلب، أي: اللطيفةُ القابلةُ للمعاني مِنَ العلومِ وغيرها.
وقوله: الإِيمَانُ يَمَانٍ، وَالحِكمَةُ يَمَانِيَةٌ، قد تقدَّم القولُ في الإيمان. والحِكمَةُ عند العرب: ما منَعَ من الجهل والجفاء، والحكيم: مَن منعهُ عقلُهُ وحِلمُهُ من الجهل؛ حكاه ابنُ عَرَفة، وهو مأخوذٌ من حَكَمَةِ الدابَّة، وهي الحديدةُ التي في اللجام، سُمِّيَت بذلك؛ لأنّها تمنعها.
وهذه الأحرف ح ك م حيثما تَصَرَّفَت فيها معنى المَنع، قال الشاعر (١):
أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحكِموا سُفَهَاءَكُم إِنِّي خَشِيتُ عَلَيكُم أن أَغضَبَا
وقيل في قوله تعالى: يُؤتِي الحِكمَةَ مَن يَشَاءُ: إنَّها الإصابةُ في القولِ والفهم؛ قال مالك: الحِكمةُ الفِقهُ في الدين.
و(قوله: وَالسَّكِينَةُ فِي أهل الغَنَمِ) أي: السكونُ والوَقَارُ والتواضع. والفَخرُ: التفاخرُ بالآباءِ الأشراف وكثرةِ الأموال والخَوَل (٢) والجاه، وغير
_________________
(١) هو جرير.
(٢) "الخول": الخَدَم.
[ ١ / ٢٤٠ ]
[٤٣] وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: غِلَظُ القُلُوبِ وَالجَفَاءُ فِي المَشرِقِ، وَالإِيمَانُ فِي أهل الحِجَازِ.
رواه أحمد (٣/ ٣٤٥)، ومسلم (٥٣).
* * *
ــ
ذلك مِن مراتب أهل الدنيا. والخُيَلَاء: ممدودة وزنُهُ عند سيبويه: فُعَلَاء، وهي التكبُّرُ والتعاظم؛ يقال: خالَ الرجلُ يَخُولُ، فهو خَالٌ وذو خَالٍ ومَخِيلَةٍ؛ ومنه قولُ طلحةَ لِعُمَرَ: إنَّا لَا نَخُولُ عليك، أي: لا نتكبَّر عليك، ويقالُ: اختالَ يختالُ فهو مختالٌ؛ ومنه قولُهُ تعالى: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُختَالٍ فَخُورٍ. وأهلُ الوَبَر، يعني به: أهلَ ذات الوبر، وهي الإبلُ، والوَبَرُ للإبل كالصوفِ للغَنَمِ، والشَّعرِ للمَعز؛ ولذلك قال الله تعالى: وَمِن أَصوَافِهَا وَأَوبَارِهَا وَأَشعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ. وهذا منه - ﷺ - إخبارٌ عن أكثرِ حالِ أهلِ الغنم، وأهلِ الإبلِ وأغلبه. ورَأسُ الكُفرِ: معظمُهُ ويريدُ: أنَّ كثرةَ أهلِهِ ورياستَهُم هناك. والحجاز سُمِّيَ بذلك؛ لِحَجزه بين نَجدٍ وتِهَامَةَ؛ قاله القتبي، وقال ابنُ دُرَيد: لحجزه بين نجد والسَّرَاة، قال الأصمعي: إذا انحدَرتَ من ثنايا ذاتِ عِرق، فقد أَتهَمتَ إلى البحر، فإذا استَقبَلَكَ الحِرَارُ، فذلك الحجاز، سمِّيت بذلك؛ لأنَّها حُجِزَت بالحِرَارِ الخَمس (١)، وقيل: حَدُّ الحجاز مِن جهة الشام: شَعبٌ، ومما يلي تِهَامَةَ: بَدرٌ وعُكَاظ. قال بعضُ علمائنا: يجوزُ أن يكون المرادُ بالحجاز في هذا الحديث: المدينةَ فقط؛ لأنه - ﵊ - قال: إِنَّ الإِيمَانَ لَيَأرِزُ إِلَى المَدِينَةِ (٢).
_________________
(١) الحرار الخمس هي: حرّة شَوْران، وحرّة ليلى، وحرّة واقم، وحرّة النار، وحرّة منازل بني سليم إلى المدينة. (معجم البلدان واللسان مادة: حجاز).
(٢) رواه البخاري (١٨٧)، ومسلم (١٤٧). " يأرز": يرجع.
[ ١ / ٢٤١ ]