[٤٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: لَا تَدخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى تُؤمِنُوا، وَلَا تُؤمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُم عَلَى شَيءٍ إِذَا فَعَلتُمُوهُ تَحَابَبتُم؟ أَفشُوا السَّلَامَ بَينَكُم.
رواه أحمد (٢/ ٣٩١)، ومسلم (٥٤)، وأبو داود (٥١٩٣)، والترمذي (٢٦٨٩).
ــ
(١٩) وَمِن بَابٍ المَحَبَّةُ فِي اللهِ تَعَالَى وَالنُّصحُ مِنَ الإِيمَانِ
و(قوله: لَا تَدخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى تُؤمِنُوا، وَلَا تُؤمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا) كذا صحَّت الروايةُ هنا: وَلَا تُؤمِنُوا؛ بإسقاطِ النون، والصوابُ: إثباتها كما قد وقع في بعض النسخ؛ لأنَّ لا نَفيٌ لا نهيٌ؛ فلزم إثباتها. والإيمانُ المذكورُ أوَّلًا هو: التصديقُ الشرعيُّ المذكورُ في حديث جبريل، والإيمانُ المذكور ثانيًا هو: الإيمانُ العمليُّ المذكورُ في قوله: الإيمانُ بِضعٌ وسبعون بابًا (١)، ولو كان الثاني هو الأوَّلَ، لَلَزِمَ منه أن لا يدخلَ الجَنَّةَ مَن أبغَضَ أحدًا من المؤمنين، وذلك باطلٌ قطعًا؛ فتعيَّنَ (٢) التأويلُ الذي ذكرناه.
وإِفشَاءُ السَّلَامِ إظهارُهُ وإشاعته، وإقراؤُهُ على المعروفِ وغيرِ المعروف. ومعنى قولِهِ: لَا تُؤمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أي: لا يكمُلُ إيمانكم ولا يكونُ حالُكم حالَ مَن كَمُلَ إيمانُهُ؛ حتى تُفشُوا السلامَ الجالبَ للمحبَّة الدينيَّة، والألفةِ الشرعيَّة.
_________________
(١) سبق تخريجه برقم (٢٩).
(٢) قوله: "من المؤمنين. . فتعين" ساقط من (ع).
[ ١ / ٢٤٢ ]
[٤٥] وَعَن تَمِيمٍ الدَّارِيِّ؛ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلنَا: لِمَن؟ قَال: للهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، ولِأَئِمَّةِ المُسلِمِينَ وَعَامَّتِهِم.
رواه أحمد (٤/ ١٠٢)، ومسلم (٥٥)، وأبو داود (٤٩٤٤)، والنسائي (٧/ ١٥٦).
[٤٦] وعَن جَرِيرٍ؛ قَالَ: بَايَعتُ رسولَ الله - ﷺ - عَلَى إِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصحِ لِكُلِّ مُسلِمٍ.
ــ
و(قوله: الدِّينُ النَّصِيحَةُ) هي مصدرُ: نَصَحَ يَنصَحُ، نَصِيحَةً، ونُصحًا بضم النون، فأمَّا نَصَحتُ الثوبَ، فمصدره: نَصحًا بفتح النون؛ قاله الجوهريُّ. وقال الخطَّابِيُّ: النصيحةُ كلمةٌ يعبَّر بها عن جملةِ هي إرادةِ الخَيرِ للمنصوح له، وهي في اللغةِ الإخلاصُ؛ من قولهم: نَصَحتُ العَسَلَ: إذا صَفَّيتَهُ. قال نِفطَوَيهِ: يقال: نَصَحَ له الشيءُ: إذا خَلَصَ، ونصَحَ له القولَ: أخلَصَهُ له.
وقيل: هي مأخوذةٌ من النَّصحِ بالفتح، وهي الخِيَاطةُ، والإبرة: المِنصَحَة، والنِّصَاح: الخَيطُ، والنَّاصِحُ: الخَيَّاط؛ فكأنَّ الناصحَ لأخيه يَلُمُّ شَعَثَهُ ويَضُمُّهُ كما تَضُمُّ الإبرةُ خَرقَ الثوب.
فالنصحُ للهِ تعالى: هو صحةُ الاعتقادِ بالوحدانيَّة لله تعالى، ووصفُهُ بصفات الإلهية، وتنزيهُهُ عن النقائص، والرغبةُ في محابِّه، والبُعدُ عن مَسَاخطه. والنُّصُحُ لكتابِ الله تعالى: هو الإيمانُ به، وتحسينُ تلاوته، وتفسير معانيه، وتدبُّرُ آياته، وتوقيرُهُ وتعظيمه، والدعاءُ إليه، والذَّبُّ عنه.
والنصحُ لرسولِ اللهِ - ﷺ -: هو التصديقُ بنبوَّته، والتزامُ طاعتِهِ فيما أمَرَ به ونَهَى عنه، وموالاةُ مَن والاه، ومعاداةُ مَن عاداه، وتوقيرُهُ وتعزيرُه (١)، ومحبَّتُهُ ومحبةُ آل بيته، وتعظيمُ سُنَّتِه، وإحياؤُهَا بعد موتِه، بروايَتِهَا وتصحيحها، والبَحثِ عنها والتفقُّهِ فيها، والذَّبِّ عنها ونَشرِها والدعاءِ إليها، والتخَلُّقِ بأخلاقِهِ الكريمة.
_________________
(١) "تعزيره": تأييده ونصرته.
[ ١ / ٢٤٣ ]
وَفِي رِوَايَةٍ: عَلَى السَّمعِ وَالطَّاعَةِ - فَلَقَّنَنِي: فِيمَا استَطَعتَ -: وَالنُّصحِ لِكُلِّ مُسلِمٍ.
رواه أحمد (٤/ ٣٥٨ و٣٦١ و٣٦٤ و٣٦٥)، والبخاري (٥٧)، ومسلم (٥٦)، وأبو داود (٤٩٤٥)، والنسائي (٧/ ١٥٣).
* * *
ــ
ونصيحةُ أئمَّةِ المسلمين: هي طاعتُهُم في الحقِّ، ومعونَتُهُم عليه، وتذكيرُهُم به، وإعلامُهُم بما غَفَلُوا عنه أو جهلوه في أمر دينهم ومصالح دنياهم، وبالجملة: بأَن يكونَ معهم كما قال - ﵊ -: أن تُؤتِيَهُم مَا تُحِبُّ أن يُؤتَى إِلَيكَ، وتَكرَهَ لَهُم ما تَكرَهُ لِنَفسِكَ (١). وقد تقدَّم القولُ على قولِهِ: لَا يُؤمِنُ أحدُكُم حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفسِهِ (٢). وإذا كان هذا في حَقِّ المسلمين، فالأمراءُ والأئمَّةُ بذلك أولى.
و(قولُ جرير: بَايَعتُ رسولَ الله - ﷺ - عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصحِ لِكُلِّ مُسلِمٍ) كانت مبايَعَةُ رسول الله - ﷺ - لأصحابِهِ مرَّاتٍ متعدِّدَةً في أوقاتٍ مختلفة، بحسَبِ ما كان يحتاجُ إليه مِن تجديدِ عهدٍ، أو توكيدِ أمرٍ؛ فلذلك اختلفَت ألفاظها؛ كما دلَّت عليه الأحاديثُ الآتيةُ.
و(قوله: فلَقَّنَني: فِيمَا استَطَعتَ) رويناه: بفتح التاء على مخاطبته إيَّاه؛ وعلى هذا: فيكونُ قوله: فِيمَا استَطَعتَ مِن قول النبيِّ - ﷺ - مخاطِبًا له به، فلا يحتاجُ جريرٌ إلى التلفُّظِ بهذا القول. ورويناه: بضمِّ التاءِ للمتكلِّم، وعلى هذا:
_________________
(١) لم نجده في الكتب الستة بهذا اللفظ، ولعله شرح للحديث من كلام المؤلف -﵀-.
(٢) سبق تخريجه برقم (٣٦).
[ ١ / ٢٤٤ ]