[٩] عَن طَلحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ، قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ - مِن أَهلِ نَجدٍ، ثَائِرُ الرَّأسِ،
_________________
(١) ومِن بَابِ وُجُوبِ التِزَامِ شَرَائِعِ الإِسلَامِ الشرائع: جمع شَرِيعَةٍ، وهي في أصل اللغة: مَشرَعَةُ الماء، وهي مَورِدُ الشارعة، فسمِّيَت شرائعُ الإسلام بذلك؛ لأنَّهَا الأحكامُ التي لا بُدَّ للمكلَّفين من الورود عليها والعمل بها. و(قوله: جاء رَجُلٌ مِن أهل نَجدٍ ثَائِرُ الرَّأسِ) قيل: إن هذا الرجل هو ضِمَامُ بنُ ثَعلَبَةَ الذي سمَّاه البخاريُّ في حديث أنسٍ المذكورِ بعدَ هذا، وإنَّ الحديثَين حديثٌ واحد، وهذا فيه بُعدٌ؛ لاختلافِ مساقهما، وتباينِ الأَسئلَةِ فيهما، ولزيادةِ الحجِّ في حديث أنس، ويبعُدُ الجَمعُ بينهما؛ فالأَولَى أن يقال: هما حديثانِ مختلفانِ، وكذلك القَولُ في كُلِّ ما يَرِدُ من الأحاديث التي فيها الأسئلةُ المختلفة؛ كحديث أبي أيُّوبَ، وجابرٍ، وغيرِهما ممّا يُذكَرُ بعد هذا. وقد رام بعضُ العلماءِ الجَمعَ بينها، وزَعَم أنَّها كلَّها حديثٌ واحد، فادَّعَى فَرَطَا، وتكلَّف شَطَطَا، من غير ضرورةٍ نقليّةٍ، ولا عقليّةٍ. والنَّجدُ: المرتفعُ من الأرض، والغَورُ: المنخفض منها، وهما بحكم العرف جهتانِ مخصوصتان. وثائرُ الرأس: منتفشُ الشَّعرِ مرتفعُهُ، مِن قولهم: ثار الشَّيءُ: إذا ارتفَعَ، ومنه: ثارَتِ الفتنةُ، وهذه صفةُ أهلِ البادية غالبًا.
[ ١ / ١٥٧ ]
يُسمَعُ دَوِيُّ صَوتِهِ، وَلا يُفقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَإِذَا هو يَسأَلُ عَنِ الإِسلامِ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: خَمسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَومِ وَاللَّيلَةِ، فَقَالَ: هَل عَلَيَّ غَيرُهُنَّ؟
ــ
و(قوله: نسمَعُ دَوِيّ صَوتِهِ ولا نفقَهُ مَا يَقُولُ) رويناه: يُسمَع، ويُفقَه بالياء اثنتين من تحتها مبنيًّا لِمَا لم يُسَمَّ فاعلُهُ، وبالنون فيهما للفاعل، وكلاهما واضحُ الصحَّة، وإنَّمَا لم يفهموا ما يقولُ؛ لأنَّه نادى مِن بُعدٍ، فلمَّا دنا فهموه؛ كما قال: حتَّى دَنَا مِن رَسُولِ اللهِ - ﷺ -.
و(قوله: فَإِذَا هو يَسأَلُ عَنِ الإِسلَامِ) إذا هذه هي المفَاجِئَةُ التي تقدَّم ذِكرها.
وهذا السائلُ إنَّما سَأَلَ عن شرائعِ الإسلام، لا عن حقيقة الإسلام؛ إذ لو كان ذلك، لأجَابَهُ بما أجاب به جبريلَ - ﵇ - في حديثه، ولِمَا رواه البخاريُّ (١) في هذا الحديث؛ فإنَّه قال: فأخبرَهُ رسولُ الله - ﷺ - بشرائعِ الإسلام، وكأنّ النبيَّ - ﷺ - فَهِمَ عنه أَنَّهُ إِنَّما (٢) سأل عمَّا تعيَّن فعلُهُ مِن شرائعِ الإسلام الفعليَّة لا القلبيَّة؛ ولذلك لم يذكُر له: أَن تشهَدَ أن لا إِلَهَ إلَاّ الله، وأنَّ محمَّدًا رسول الله، وكذلك لم يذكُر له الحَجَّ؛ لأَنَّهُ لم يكن واجبًا عليه؛ لأنَّه غيرُ مستطيع، أو لأنَّ الحجَّ على التراخي، أو لأنَّهُ كان قبل فَرضِ الحجِّ، والله أعلم، وسيأتي ذكر (٣) الاختلافُ في وقت فرضِ الحجِّ.
و(قوله: خمسُ صَلَواتٍ فِي اليَومِ واللَّيلَةِ، فَقَالَ: هَل عَلَيَّ غَيرُهُنَّ؟ فقال: لَا يدُلُّ هذا على أنَّ الوِترَ ليس بلازمٍ ولا واجب؛ وهو مذهبُ الجمهور، وخالفهم
_________________
(١) رواه البخاري (٢٦٧٨).
(٢) ساقطة من (ع).
(٣) من (ع).
[ ١ / ١٥٨ ]
فَقَالَ: لا، إِلَاّ أَن تَطَّوَّعَ، وَصِيَامُ شَهرِ رَمَضَانَ، فَقَالَ: هَل عَلَيَّ غَيرُهُ؟ قَالَ: لا، إِلاّ أَن تَطَّوَّعَ، وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ الله - ﷺ - الزَّكَاةَ، فقَالَ: هَل عَلَيَّ غَيرُهَا؟ قَالَ: لا، إِلاّ أَن تَطَّوَّعَ، قَالَ: فَأَدبَرَ الرَّجُلُ وهو يَقُولُ: وَالله، لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، وَلَا أَنقُصُ مِنهُ! !
_________________
(١) أبو حنيفة، فقال: إنَّه واجبٌ، ولا يسمِّيه فرضًا؛ لأنَّ الفرضَ عنده ما كان مقطوعًا بلزومه؛ كالصلوات الخمس. و(قوله: هَل عَلَيَّ غَيرُهُنَّ؟ فَقَالَ: لَا، إِلَاّ أَن تَطَّوَّعَ) ظاهرٌ في أنَّ معنى هذا الكلامِ: هل يجبُ عليَّ مِن تطوعِ الصلواتِ شيءٌ غيرُ هذه الخَمس؟ فأجابه: بأَنَّهُ لا يَجِبُ عليه شيءٌ، إلَاّ أن تَطَّوَّعَ، فَيَجِبُ عليك. وهذا ظاهرٌ؛ لأنَّ أصلَ الاستثناءِ من الجنس، والاستثناءُ من غير الجنس مُختَلَفٌ فيه، ثُمَّ هو مَجَازٌ عند القائلِ به. فإذا حَمَلنَاه على الاستثناءِ المتَّصِل، لَزِمَ منه أن يكون التطوُّعُ واجبًا، ولا قائلَ به؛ لاستحالتِهِ وتناقُضِهِ، فلم يَبقَ إلَاّ ما ذهب إليه مالكٌ، وهو أنَّ التطوُّعَ يصيرُ واجبًا بنفس الشروع فيه، كما يصير واجبًا بالنذر؛ فالشروعُ فيه التزامٌ له؛ وحينئذٍ: يكونُ معنى قوله: أن تَطَّوَّعَ: أن تشرَعَ فيه وتبتدئه، ومن ادَّعى أنَّه استثناءٌ من غير الجنسِ، طولبَ بتصحيحِ ما ادَّعاه، وتمسَّك مانعُهُ بالأصل الذي قرَّرناه. و(قوله: فأدبر الرجل وهو يقول: واللهِ لا أزيد على هذا ولا أنقص) قيل معناه: لا أُغيِّر الفروض المذكورة بزيادة فيها ولا نقصان منها. ولا يصحّ أن يقال: إنّ معناه: لا أفعل شيئًا زائدًا على هذه الفرائض المذكورة من السنن، ولا من فروض أُخَر إن فُرضت، فإنّ ذلك لا يجوزُ أن يقوله ولا يعتقده؛ لأنَّهُ مُنكَرٌ، والنبيُّ - ﷺ - لا يُقِرُّ على مثله.
[ ١ / ١٥٩ ]
فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: أَفلَحَ إِن صَدَقَ.
ــ
و(قوله: أَفلَحَ وأَبِيهِ إن صَدَقَ) أي: فاز بمطلوبه؛ قال الهَرَوِيُّ: العرب تقول لكلِّ من أصاب خيرًا: مُفلِح، قال ابنُ دُرَيدٍ: أَفلَحَ الرجلُ وأَنجَحَ: إذا أدرَكَ مطلوبَهُ. وأصلُ الفلاح الشَّقُّ والقطع؛ قال الشاعر:
. . . . . . . . . . . إِنَّ الحَدِيدَ بِالحَدِيدِ يُفلَحُ (١)
أي: يُشَقّ؛ فكأنَّ المُفلِحَ قد قطَعَ المصاعبَ حتَّى نال مطلوبَهُ. وقد استُعمِلَ الفلاحُ في البقاء. كما قال:
لَو كَانَ حَيٌّ مُدرِكَ الفَلَاحِ أدرَكَهَا مُلاعِبُ الرِّمَاحِ
وقال آخر:
نَحُلُّ بِلَادًا كُلُّهَا حُلَّ قَبلَنَا وَنَرجُو الفَلَاحَ بَعدَ عَادٍ وَحِميَرِ
و(قوله: وأبيه) الروايةُ الصحيحةُ التي لا يُعرَفُ غيرُها هكذا، بصيغة القسم بالأب. وقال بعضهم: إنَّما هي: واللهِ وصُحِّفَت بأَن قُصِرَتِ اللامان؛ فالتبسَت بأبيه؛ وهذا لا يُلتَفَتُ إليه؛ لأَنَّهُ تقديرٌ يَخرِمُ الثقةَ برواية الثقاتِ الأثبات.
وإنَّما صار هذا القائلُ إلى هذا الاحتمال؛ لِمَا عارضَهُ عنده مِن نهيه - ﷺ - عن الحلف بالآباء؛ حيثُ قال: لَا تَحلِفُوا بِآبَائِكُم؛ مَن كاَنَ حَالِفًا فَليَحلِف باللهِ أو لِيَصمُت (٢). وَيُنفَصَلُ عن هَذَا مِن وجهين:
أحدهما: أَن يقال: إنَّ هذا كان قبل النَّهيِ عن ذلك.
والثاني: أن يكونَ ذلك جَرَى على اللسان بِحُكمِ السَّبقِ مِن غَيرِ قَصدٍ
_________________
(١) هذا عجز بيت، وصدره: قد عَلِمَتْ خيلُكَ أنِّي الصَّحْصَحُ.
(٢) رواه البخاري (٦٦٤٦)، ومسلم (١٦٤٦) من حديث ابن عمر ﵄.
[ ١ / ١٦٠ ]
وَفِي رِوَايَةٍ: أَفلَحَ وَأَبِيهِ إِن صَدَقَ، أو: دَخَلَ الجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِن صَدَقَ.
رواه البخاري (٢٦٧٨)، ومسلم (١١)، وأبو داود (٣٩١)، والنسائي (١/ ٢٢٧) و(١٨/ ١١٨).
[١٠] وَعَن أَنَسِ بنِ مَالِك، قَالَ: نُهِينَا أَن نَسأَلَ رسولَ الله - ﷺ - عَن شَيءٍ، فَكَانَ يُعجِبُنَا أَن يَجِيءَ الرَّجُلُ مِن أهل البَادِيَةِ العَاقِلُ، فَيَسأَلَهُ وَنَحنُ نَسمَعُ،
ــ
للحَلِفِ به، كما جَرَى منه: تَرِبَت يمِينُكِ، وعَقرَى حَلقَى (١)، وهذه عادةٌ عربيَّةٌ بشريَّةٌ لا مؤاخذةَ عليها، ولا ذمَّ يتعلَّق بها.
وقد جاء في هذا الحديث: الصدقُ في الخبر المستقبل، وهو رَدٌّ على ابن قتيبة إذ قال: الصِّدقَ إنّما يدخُلُ على الماضي، والخُلفَ في المستقبل، ويَرُدُّ عليه أيضًا قولُهُ تعالى: ذَلِكَ وَعدٌ غَيرُ مَكذُوبٍ (٢).
و(قوله: أَفلَحَ وَأَبِيهِ إِن صَدَقَ أو: دَخَلَ الجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِن صَدَقَ) هذا شكٌّ من بعض الرواة في هذا الطريق، وقد جاء طريقٌ آخَرُ بالجزم على أحدهما؛ كما تقدَّم. ثم معنى اللفظَين واحدٌ، فلا يَضُرُّ (٣) الشكّ، وإنَّما ذكره الراوي متحرِّيًا.
و(قوله: نُهِينَا أَن نَسأَلَ رسولَ الله ﷺ - في القرآن - عَن شَيءٍ) يعني بذلك قولَهُ تعالى: لَا تَسأَلُوا عَن أَشيَاءَ إِن تُبدَ لَكُم تَسُؤكُم وقد تقدَّمَ سببُ ذلك، وسيأتي تكميله.
_________________
(١) "عقرى": أي: عَقَرَها الله وأصابها بعَقر في جَسَدها. و"حلقى": أي: أصابها وَجَع في حَلْقها.
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (م) و(ط) و(ل)، وأثبتناه من (ع).
(٣) في (ع): يضير.
[ ١ / ١٦١ ]
فَجَاءَ رَجُلٌ مِن أهل البَادِيَةِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتَانَا رَسُولُكَ فَزَعَمَ لَنَا أَنَّكَ تَزعُمُ أَنَّ اللهَ أَرسَلَكَ. قَالَ: صَدَقَ. قَالَ: فَمَن خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: اللهُ. قَالَ: فَمَن خَلَقَ الأَرضَ؟ قَالَ: اللهُ. قَالَ: فَمَن نَصَبَ هَذِهِ الجِبَالَ، وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: اللهُ. قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ، وَخَلَقَ الأَرضَ، وَنَصَبَ هَذِهِ الجِبَالَ، آللهُ أَرسَلَكَ؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَينَا خَمسَ صَلَوَاتٍ فِي يَومِنَا وَلَيلَتِنَا. قَالَ: صَدَقَ. قَالَ: فَبِالَّذِي أَرسَلَكَ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَم. قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَينَا زَكَاةً فِي أَموَالِنَا؟
_________________
(١) و(قوله: فَجَاءَ رَجُلٌ) هذا الرجلُ هو ضِمَامُ بن ثَعلَبَةَ أخو بني سعد بن بكر، قَدِمَ على رسول الله - ﷺ - سنَةَ تِسع؛ قاله أبو عُبَيدَ، وقيل: سنةَ سَبع، وقال محمَّد بن حَبِيب: سنةَ خَمس، وهو أبعدها؛ لأنَّ فرض الحَجِّ لم يكن نزل إذ ذاك، والله أعلم، وسيأتي ذلك في الحجِّ إن شاء الله تعالى. وقد خرَّج البخاريُّ هذا الحديثَ، وقال فيه: عن أنس - ﵁ -: بَينَمَا نَحنُ جُلُوسٌ فِي المَسجِدِ، دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ، فَأَنَاخَهُ فِي المَسجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: أيُّكم محمَّدٌ بن عبد الله؟ وَالنَّبيُّ - ﷺ - بين ظَهرانيهم، فقُلنا: هذا الرجل الأبيضُ المُتَّكِئُ، فقَالَ الرَّجُلُ: ابنَ عبدِ المُطَّلب؟ فقال لَهُ النَّبيُّ - ﷺ -: قَد أَجَبتُكَ، فقالَ الرَّجُلُ: إنِّي سَائِلُك فمُشَدِّدٌ عَلَيك في المَسأَلةِ، فلا تجِد عليَّ في نفسِكَ، فقَالَ: سَل عَمَّا بَدَا لَكَ فَقَال: أَسأَلُكَ بربِّكَ ورَبِّ مَن قَبلَكَ، آللهُ أرسَلَكَ إلَى النّاس كُلِّهِم؟ فقال: اللَّهُمَّ نعم. وذكر نحو حديثِ مسلم. وقد فَهِمَ البخاريُّ مِن هذا الحديثِ: أنَّ هذا الرجُلَ قد كان أسلَمَ على يدَي رسول رسولِ الله - ﷺ - حين جاءهم، وصَحَّ إيمانه، وحَفِظَ شرائعه، ثُمَّ جاء يَعرِضها على النبيّ - ﷺ -؛ أَلَا تَرَى البخاريّ كيف بوَّب على هذا بابُ: القِرَاءَةِ وَالعَرضِ على المحدِّث؟ وكأنَّ البخاريَّ أخذ هذا المعنى من قولِ الرجل في آخر الحديث: آمَنتُ
[ ١ / ١٦٢ ]
قَالَ: صَدَقَ. قَالَ: فَبِالَّذِي أَرسَلَكَ، آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَم. قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا. قال: صدق. قال:
ــ
بما جِئتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَن وَرَائِي مِن قَومِي، وفيه نَظَرٌ.
وأمَّا مساقُ حديثِ مسلم: فظاهره أنَّ الرجُلَ لم يَشَرِح صدرُهُ للإسلامِ بَعدُ، وأنَّه بَقِيَت في قلبه منازعاتٌ وشكوكٌ، فجاء مجيءَ الباحثِ المستَثبِت؛ أَلَا تراه (١) يقولُ: يا محمَّدُ، أتانا رسُولُكَ فزَعَمَ لنا أَنَّكَ تزعُمُ أنَّ الله أَرسَلَكَ؛ فإنَّ الزَّعم قولٌ لا يُوثَقُ به.
قاله ابن السِّكِّيتِ وغيرُهُ، غير أنَّ هذا الرجُلَ كان كاملَ العَقل، وقد كان نظر بعقله في المخلوقات، فَدَلَّهُ ذلك على أنَّ لها خالقًا خلقها (٢)؛ ألا ترى أنَّهُ استفهَمَ النبيَّ - ﷺ - عن خالقِ المخلوقاتِ استفهامَ تقريرٍ للقاعدة التي لا يَصِحُّ العلمُ بالرسول إلَاّ بعد حصولها، وهي التي تفيدُ العِلمَ بالمُرسِلِ، ثُمَّ إنَّهُ لَمَّا وافقَهُ على ما شَهِدَ به العقلُ، وأنَّ الله تعالى هو المُنفَرِدُ بِخَلقِ هذه المخلوقات: أقسَمَ عليه وسأله به: هل أرسلَهُ؟
ثمَّ إنَّ الرجُلَ استمرَّ على أَسئلتِه، إلى أن حَصَلَ على طَلِبَتِه، فانشرَحَ صدرُهُ للإسلام، وزاحَت عنه الشكوك والأوهام، وذلك ببركَةِ مشاهدِته أنوارِ رسولِ الله - ﷺ -؛ فلقد كان كثيرٌ من العقلاء يحصُلُ لهم العلمُ بصحَّةِ رسالَتِه، بنفسِ رؤيتِهِ ومشاهدتِه قبلَ النظر في معجزتِه؛ كما قال أبو ذرٍّ: فَلَمَّا رَأَيتُهُ عَلِمتُ أنَّ وَجهَهُ لَيسَ بِوَجهِ كَذَّابٍ، حتَّى قال بعضهم:
لَو لَم تَكُن فِيهِ آيَاتٌ مُبَيِّنَةٌ لَكَانَ مَنظَرُهُ يُنبِيكَ بِالخَبَرِ
والحاصلُ: مِن حال هذا السائل أنَّهُ حصَلَ له العلمُ بصدقِ رسولِ الله - ﷺ -، وبصحَّةِ رسالتِهِ لمجموع قرائن لا تتعيَّنُ إحداها ولا تنحصرُ أعدادها.
_________________
(١) قوله: (ألا تراه) ساقط من (ع).
(٢) ساقط من (ع).
[ ١ / ١٦٣ ]
فبالذي أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا. قال: صدق، قال: ثم ولى، قال:
_________________
(١) ويستفادُ من هذا الحديث: أنَّ الشرع إنَّما طلَبَ مِنَ المكلَّفين التصديقَ الجزم بالحقِّ، كيف حَصَل، وبأيِّ وجهٍ ثَبَت، ولم يَقصُرهُم في ذلك على النظر في دلالةٍ معيَّنة، ولا معجزةٍ ولا غيرها، بل كُلُّ مَن حصَلَ له اليقينُ بِصِدقِهِ: بمشاهدةِ وجهه، أو بالنظرِ في (١) معجزتِه، أو بتحليفهِ، أو بقرينةٍ لَاحَت له كان من المؤمنين، وكان مِن جُملَةِ عبادِ الله المخلصين؛ لكن دلالاتُ المعجزات هي الخاصَّةُ بالأنبياء، والطرقُ العامَّةُ للعقلاء. وقد روى ابنُ عبَّاس - ﵄ - حديثَ ضِمَامٍ هذا بأكملَ مِن هذا، وقال فيه ما يَدُلُّ على أنَّ ضِمَامًا إِنَّما أسلَمَ بعد أن أجابه رسول الله - ﷺ - على أسئلته المتقدِّمة، فلمَّا أن فرَغَ، قال ضِمَام: أَشهدُ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَشهَدُ أنَّ محمّدًا رسولُ اللهِ، وَسَأُؤدِّي هذه الفرائضَ، وَأَجتَنِبُ ما نهَيتَنِي عنه، ثمّ لا أزيد ولا أنقُصُ، فقال رسولُ الله - ﷺ -: إِن يَصدُق ذُو العَقِيصَتَينِ (٢) يَدخُلِ الجَنَّة (٣) ثُمَّ قَدِمَ عَلَى أهلِهِ، فَعَرَضَ عَلَيهِمُ الإِسلَامَ، فَمَا أَمسَى ذَلِكَ اليَومُ في حَاضرِهِ مِن رجُلٍ ولا امرأةٍ إلَاّ مسلمًا، قال ابنُ عَبَّاسٍ: فَمَا سَمِعنَا بِوَافِدٍ قَطُّ كَانَ أَفضَلَ مِن ضِمَامٍ. ونادى هذا الرجلِ النبيّ - ﷺ - يا محمَّد، ويا ابنَ عَبدِ المطَّلب، ولم ينادِه بالنبوَّةِ ولا بالرسالة، إمَّا لأنَّهُ لم يؤمن بَعدُ؛ كما قلناه، وإمَّا لأنَّهُ باقٍ على صفة أهلِ الباديةِ والأعراب؛ إذ لم يتأدَّب بَعدُ بشيء من آداب الشرع، ولَا عَلِمَ ما يجبُ عليه مِن تَعزِيرِ النبيِّ - ﷺ - وتوقيره؛ فإنّ اللهَ تعالى قد نهى أن ينادَى النبيُّ - ﷺ -: يا محمَّدُ، حين
[ ١ / ١٦٤ ]
والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن، فقال رسول الله ﷺ: إن صدق ليدخلن الجنة.
وَفِي رِوَايَةٍ: كُنَّا نُهِينَا فِي القُرآنِ أَن نَسأَل. . . وَذَكَرَهُ.
رواه أحمد (٣/ ١٩٣)، والبخاري (٦٣)، ومسلم (١٢)، وأبو داود (٤٨٦)، والترمذي (٦١٤)، والنسائي (٤/ ١٢١ - ١٢٤).
* * *
ــ
قال تعالى: لَا تَجعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَينَكُم كَدُعَاءِ بَعضِكُم بَعضًا، وأَولَى ما يقال: إنّ ضِمَامًا قَدِمَ على النبي - ﷺ - سنة تِسعٍ؛ كما قاله أبو عُبَيدَةَ وغيرُهُ من أهل التواريخ، ولأنَّها كانت سنةَ الوفود؛ وذلك أنَّ الله تعالى لمَّا فتَحَ على رسول الله - ﷺ - مَكَّةَ، وهزَمَ جَمعَ هَوَازِنَ، وأسلَمت قريشٌ كلُّها -: دوَّخَ اللهُ العرَبَ، ونصَرَ نبيَّه - ﷺ -، وذلك سنةَ ثمانٍ من الهجرة؛ فدخَلَ الناسُ في دين الله أفواجًا، وقَدِمَ رؤساءُ العربِ وفودا (١) على النبيِّ - ﷺ - سنة تسع، فَسُمِّيَت: سنةَ الوفود لذلك. وفي هذا الحديث أبوابٌ من الفقه لا تخفَى يطولُ تتبُّعُهَا.
* * *
_________________
(١) ساقط من (ع).
[ ١ / ١٦٥ ]