استقرَّ المقام بأبي العبَّاس في ثغر الإسكندرية مُطِّلًا على البحر الكبير (المتوسط) يتنسَّمُ من رَوْح شواطئه الرحبة عبيرَ الأندلس الحبيب، وأريجَ المغرب العربي الكبير.
وقدْ شمَّر القرطبي في موطنه الأخير الإسكندرية، عن ساعد الجد والاجتهاد في طلب العلم من علماء المشرق، وتحصيل السماعات والإجازات
_________________
(١) الوافي بالوفيات؛ للصفدي (٧/ ٢٦٥).
(٢) الديباج، لابن فرحون (ص ٦٩).
[ ١ / ٣٢ ]
في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، والقدس، والقاهرة، حتى اكتملَ له نصابُ المعرفة والحفظ، وتسنَّم عن جدارة منصبَ المدرس البليغ في علوم العربية، والمحدِّث الثبت في علوم الحديث رواية ودراية، والفقيه المستحضر في المذاهب الفقهية، والشاهد العدل في الحياة العلمية والاجتماعية. وأصبحَ بعد هذا التحصيل العلميّ والثقافيّ، منارة شامخة للعلم والمعرفة، تتوسط بين مشرق العالم العربي ومغربه، ويرتحل الناس إليه من جميع الأقطار، يأخذون عنه العلم والسماع، وينتفعون بكتبه (١) ومروياته، فاستحق ما أطلقه عليه الذهبي بحق "عالم الإسكندرية" (٢) بلا منافس ولا منازع.