[٥٩] عَن أَنَسٍ؛ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: حُبُّ الأَنصَارِ آيَةُ الإِيمَانِ، وَبُغضُهُم آيَةُ النِّفَاقِ.
رواه البخاري (١٧)، ومسلم (٧٤)، والنسائي (٨/ ١١٦).
_________________
(١) وَمِن بَابِ حُبُّ عَلِيٍّ وَالأَنصَارِ مِنَ الإيمَانِ (قوله: آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنصَارِ) الحديث، الآيةُ: العَلَامَةُ والدَّلَالة، وقد تكون ظَنِّيَّة، وقد تكون قطعيَّة. وحُبُّ الأَنصَارِ من حيث كانوا أنصارَ الدِّينِ ومُظهِريهِ، وباذلين أموالَهُم وأَنفُسَهُم في إعزازِهِ وإعزازِ نبيِّه وإعلاءِ كلمته دلالةٌ قاطعةٌ على صِحَّةِ إيمانِ مَن كان كذلك، وصحَّةِ محبَّته للنبيِّ - ﷺ -، وبُغضُهم كذلك دلالةٌ قاطعةٌ على النفاق. وكذلك القولُ في حُبِّ عليٍّ وبغضه؛ فمَن أحبَّه لسابقته في الإسلام، وقِدَمِهِ في الإيمان، وغَنَائِهِ فيه، وذوده عنه وعن النبيِّ - ﷺ -، ولمكانته من النبي - ﷺ - وقرابتِهِ ومصاهرته، وعلمِهِ وفضائله، كان ذلك منه دليلًا قاطعًا على صِحَّةِ إيمانه ويقينِهِ ومحبتِهِ للنبيِّ - ﷺ -، ومَن أبغضَهُ لشيء من ذلك، كان على العكس. قال المؤلف - ﵀ -: وهذا المعنَى جارٍ في أعيان الصحابة كالخلفاء، والعَشَرة، والمهاجرين، بل وفي كُلِّ الصحابة؛ إذ كُلُّ واحدٍ منهم له شاهد وغَنَاءٌ في الدِّين، وأَثَرٌ حَسَنٌ فيه؛ فحبُّهم لذلك المعنى محضُ الإيمان، وبُغضُهُم له محضُ النفاق، وقد دَلَّ على صحَّة ما ذكرناه: قوله - ﵊ - فيما أخرجه
[ ١ / ٢٦٤ ]
[٦٠] وعَنِ البَرَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ فِي الأَنصَارِ: لَا يُحِبُّهُم إِلَاّ مُؤمِنٌ، وَلَا يُبغِضُهُم إِلَاّ مُنَافِقٌ؛
ــ
البَزَّار في أصحابه كلِّهم: فَمَن أحبَّهم فبحبِّي أحبَّهم، ومَن أبغضَهُم فببغضي أبغَضَهُم (١). لكنَّهم لما كانوا في سوابقهم ومراتبهم متفاوتين، فمنهم المتمكِّن الأمكن، والتالي والمقدَّم، خَصَّ الأمكَنَ منهم بالذكر في هذا الحديث، وإن كان كلٌّ منهم له في السوابق أشرَفُ حديث، وهذا كما قال العليُّ الأعلى: لَا يَستَوِي مِنكُم مَن أَنفَقَ مِن قَبلِ الفَتحِ وَقَاتَلَ، إلى قوله: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الحُسنَى.
تنبيه: مَن أبغض بعضَ مَن ذَكَرنا من الصحابة من غير تلك الجهات التي ذكرناها، بل لأمرٍ طارئ، وحدَثٍ واقعٍ؛ من مخالفةِ غَرَضٍ، أو ضررٍ حصل، أو نحو ذلك: لم يكن كافرًا، ولا منافِقًا بسبب ذلك؛ لأنهم - رضي الله عن جميعهم - قد وقعت بينهم مخالفاتٌ عظيمة، وحروبٌ (٢) هائلة، ومع ذلك فلم يكفِّر بعضُهُم بعضًا، ولا حُكِمَ عليه بالنفاقِ لِمَا جرى بينهم من ذلك، وإنما كان حالُهُم في ذلك حالَ المجتهدين في الأحكام؛ فإمَّا أن يكونَ كلُّهم مصيبًا فيما ظهَرَ له. أو المصيبُ واحدٌ، والمخطئُ معذور، بل مخاطبٌ بالعملِ على ما يراه ويظنُّه مأجور.
فمَن وقع له بُغضٌ في واحد منهم لشيءٍ من ذلك، فهو عاصٍ يجبُ عليه التوبةُ من ذلك، ومجاهدةُ نفسه في زوال ما وقَعَ له من ذلك، بأن يذكر فضائلَهُم وسوابقَهُم، وما لهم على كلِّ مَن بعدَهم مِنَ الحقوقِ الدينيَّةِ والدنيوية؛ إذ لم يصل أحدٌ ممن بعدهم بشيءٍ من الدنيا ولا الدِّينِ إلا بهم، وبسببهم وأدبهم وصلَت
_________________
(١) الذي وجدنا في كشف الأستار (٦٥) حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من أحبَّني أحب الأنصار، ومن أبغضني فقد أبغض الأنصار، لا يحبهم منافق، ولا يبغضهم مؤمن. من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله".
(٢) ساقط من (ع).
[ ١ / ٢٦٥ ]
مَن أَحَبَّهُم أَحَبَّهُ اللهُ، وَمَن أَبغَضَهُم أَبغَضَهُ اللهُ.
رواه البخاري (٣٧٨٣)، ومسلم (٧٥)، والترمذي (٣٨٩٦).
[٦١] وَعَن زِرٍّ، عَن عَليٍّ قَالَ: وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ!
ــ
لنا (١) كلُّ (٢) النِّعَم، واندفَعَت عنا الجهالاتُ والنِّقَم، ومَن حَصَلَت به مصالِحُ الدنيا والآخِرَة، فبغضُهُ كفرانٌ للنِّعَمِ، وصفقتُهُ خاسِرَة.
و(قوله: فَمَن أَحَبَّهُم أَحَبَّهُ اللهُ، وَمَن أَبغَضَهُم أَبغَضَهُ اللهُ) هذا على مقابلة اللفظ باللفظ، ومعناه: أنَّ من أحبَّهم، جازاه الله على ذلك جزاءَ المحبوبِ المُحِبَّ من الإكرامِ، والتَّرفِيع، والتشفيع، وعكس ذلك في البغض. وظاهرُ هذا الكلام: أنَّه خبرٌ عن مآلِ كُلِّ واحدٍ من الصنفين. ويصلح أن يقال: إنَّ ذلك الخبر خرَجَ مخرجَ الدعاء لكلِّ واحدٍ من الصنفين؛ فكأنَّه قال: اللهمَّ، افعَل بهم ذلك، كما قال: صلَّى اللهُ على محمَّد وآله، والله أعلم.
و(قولُ عليٍّ - ﵁ -: وَالَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ) أي: شقَّها بما يخرُجُ منها؛ كالنَّخلة من النواة، والسنبلةِ مِن حَبَّةِ الحنطة، والحَبَّة بفتح الحاء: لما يُزرَعُ ويُستَنبَتُ، وبكسرها: لبذور بُقُولِ الصحراء التي لا تزرع.
و(قوله: وبَرَأَ النَّسَمَةَ) أي: خلقها، والنَّسَمَةُ: النَّفسُ، وقد يقال على الإنسان: نَسَمة، وقد يقال أيضًا على الرَّبو؛ ومنه الحديث: تنكَّبوا الغُبَارَ؛ فمنه تكونُ النَّسَمَةُ) (٣) أي: الرَّبو والبُهرُ، وهو امتلاءُ الجوف من الهواء.
_________________
(١) في (ل): إلينا.
(٢) ساقط من (ع).
(٣) ذكره الألباني في السلسلة الضعيفة رقم (٦).
[ ١ / ٢٦٦ ]
إِنَّهُ لَعَهدُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ - ﷺ - إِلَيَّ: أَلا يُحِبَّنِي إِلَاّ مُؤمِنٌ، وَلَا يُبغِضَنِي إِلَاّ مُنَافِقٌ.
رواه مسلم (٧٨)، والترمذي (٣٧٣٧)، والنسائي (٨/ ١١٧).
* * *
ــ
و(قوله: إِنَّهُ لَعَهدُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ ألَا يُحِبَّنِي إِلَاّ مُؤمِنٌ، وَلَا يُبغِضَنِي إِلَاّ مُنَافِقٌ) العهد: الميثاق. والأُمِّيُّ: هو الذي لا يَكتُبُ؛ كما قال: إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكتُبُ وَلَا نَحسُبُ (١)، وهو منسوبٌ إلى الأُمِّ؛ لأنَّه باقٍ على أصلِ وِلَادتها؛ إذ لم يتعلَّم كتابةً ولا حسابًا. وقيل: ينسبَ إلى معظمِ أُمَّةِ العرب؛ إذِ الكتابةُ كانت فيهم نادرةً. وهذا الوصفُ مِنَ الأوصافِ التي جعلها الله تعالى مِن أوصافِ كمال النبيِّ - ﷺ -، ومدَحَهُ بها، وإنَّما كان وصفَ نقصٍ في غيره؛ لأنَّ الكتابةَ والدراسةَ والدّربة على ذلك: هي الطرقُ الموصِّلَةُ إلى العلومِ التي بها تشرُفُ نفسُ الإنسان، ويعظُمُ قَدرُهَا عادةً.
فلمَّا خَصَّ اللهُ تعالى نبيَّنا محمَّدًا - ﷺ - بعلومِ الأوَّلين والآخرين مِن غير كتابة ولا مدارسة، كان ذلك خارقًا للعادة في حقِّه، ومِن أوصافه الخاصَّةِ به، الدالَّة على صدقه، التي نُعِتَ بها في الكُتُبِ القديمة، وعُرِفَ بها في الأممِ السابقة؛ كما قال الله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكتُوبًا عِندَهُم؛ فقد صارت الأُمِّيَّةُ في حقِّه من أعظمِ معجزاتِه، وأجلِّ كراماتِه، وهي في حَقِّ غيره نقصٌ ظاهر، وعجزٌ حاضر؛ فسبحان الذي صيَّر نقصَنَا في حقِّه كمالَا، وزادَهُ تشريفًا وجلالا.
و(قوله: ألَا يُحِبَّنِي) بفتح همزة أَلا؛ لأنَّها همزةُ أَنِ الناصبةِ للفعل المضارع، ويَحتمِل: أن تكون المخفَّفةَ من الثقيلة؛ وكذلك روي: يُحِبُّنِي، بضمِّ الباء وفتحها، وكذلك: يُبغِضني؛ لأنَّه معطوفٌ عليه. والضميرُ في إنَّه ضميرُ الأمر والشأن، والجملةُ بعده تفسيرٌ له.
_________________
(١) رواه أحمد (٢/ ٤٣ و٥٢ و١٢٩)، والبخاري (١٩١٣)، ومسلم (١٠٨٠)، وأبو داود (٢٣١٩ و٢٣٢٠ و٢٣٢١)، والنسائي (٤/ ١٣٩ و١٤٠) من حديث ابن عمر ﵄.
[ ١ / ٢٦٧ ]