نستطيعُ بكل ثقة أن نعدَّ أبا العبَّاس القرطبيّ من العلماء الجامعيين الذين وَعَوْا في صدورهم وعقولهم علومًا عديدة ومعارف متنوِّعة، تشملُ الفقه وأصوله، والحديث ورجاله، والعربية وعلومها المتعدِّدة، والتفسير والقراءات.
ويظهرُ هذا واضحًا من خلال عنوانات كتبه، ونلمسُه من ثنايا كتابه "المفهم"، وهو الوحيد الذي وصلَنا حتى الآن من مؤلفاته، إذ نجدُه يُمسِكُ بعِنانِ قلمه، وهو يَستنتجُ قاعدةً أصولية، أو يَشرح كلمةً غريبة، أو يُفسِّر آيةً قرآنية، أو يُوضِح حكمًا فقهيًا؛ فيوقفُ دفقَ معلوماته الغزيرة في المكان والزمان المناسب، حتى لا يضيعَ المُتلقِّي في استطراداتِ مملَّة، ويُصرِّح جازمًا: "وهذا مكان استيفائه في كتب الفروع" .. أو "وهذا استقصيناه في كتابنا الأصول".
ومع ذلك فنستطيعُ أن نقطعَ جازمين، من خبرة سنوات ثلاث، رافقنا فيها ضياء الدين القرطبي، وعشنا معه في علمه الغزير، وفكره الثاقب، وغيرته المُتَّقِدَة على الاسلام والمسلمين؛ أنه أولًا: نقيه مالكيٌّ بارعٌ ومتمكِّن، بل عُدَّ
_________________
(١) الديباج المذهب (ص ٧٠).
(٢) نفح الطيب (٢/ ٦١٥).
[ ١ / ٣٣ ]
من أعيان المذهب، وهذا واضحٌ في "المفهم" عندما يعرضُ لمذهب مالكٍ وطريقتِه في الاستدلال، ثم المذاهب الفقهية الموافقة والمخالفة، وطرق استدلالها، ويُعلنُ أبو العبَّاس في كثير من الأحيان رأيَه الحرّ من خلال الدليل، مؤيِّدًا أو مُعارِضًا، مُستَشْهِدًا بالأدلة الواضحة والرَّاجحة.
وأنه ثانيًا: محدِّث عارفٌ، وحافظ عدلٌ، تَلقَّى مرويَّاتِه، وبخاصة الصحيحين؛ سماعًا وقراءةً على الشيوخ الأثبات، وكان حرصه ظاهرًا على رواية كلَ لفظة بالضبط التام، وهذا من أعظم مميزات شرح المشكل من تلخيص كتاب مسلم كما سنرى في منهج المؤلف رحمه الله تعالى في كتابها "المفهم".