٩٤ - [٧٤] عَن أَبي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -؛ أَنَّهُ قَالَ: أَتَانِي جِبرِيلُ - ﵇ -، فَبَشَّرَنِي: أَنَّهُ مَن مَاتَ مِن أُمَّتِكَ لَا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، قُلتُ: وَإِن زَنَى وَإِن سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِن زَنَى، وَإِن سَرَقَ.
ــ
(٣١) وَمِن بَابٍ رُكُوبُ الكَبَائِرِ غَيرُ مُخرِجٍ للمُؤمن مِن إِيمَانِهِ
(قوله - ﵊ -: أَتَانِي جِبرِيلُ، فَبَشَّرَنِي: أَنَّهُ مَن مَاتَ مِن أُمَّتِكَ لَا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ) يدلُّ على شِدَّةِ تَهمُّمِ النبيِّ - ﷺ - بأمرِ أُمَّته، وتعلُّقِ قَلبِهِ بما يُنجِيهم، وخوفِهِ عليهم؛ ولذلك سكَّن جبريلُ قلبَهُ بهذه البشرَى. وهذا نحو مِن حديثِ عمرو بن العاص الذي يأتي بعد هذا، الذي قال فيه: إنَّ النبيَّ - ﷺ - تلا قولَ إبراهيمَ - ﵇ -: فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَن عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وقولَ عيسى: إِن تُعَذِّبهُم فَإِنَّهُم عِبَادُكَ وَإِن تَغفِر لَهُم فَإِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ. فرفَعَ النبيُّ - ﷺ - يدَيهِ وبكى (١)، وقال: رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، فنزَلَ عليه جبريلُ، فقال له مُخبِرًا عن الله تعالى: إِنَّ الله سيُرضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا يَسُوؤُكَ (٢). وهذا منه - ﷺ - مُقتَضَى ما جبله الله تعالى عليه من الخُلُقِ الكريم، وأنَّه بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم.
و(قوله: لَا يُشرِكُ بِاللهِ شَيئًا) معناه بحكم أصلِ الوضعِ: ألَاّ يَتَّخِذَ معه شريكًا في الألوهية، ولا في الخَلقِ؛ كما قدَّمناه. لكنَّ هذا القولَ قد صار بحكمِ العُرف: عبارةً عن الإيمان الشرعي؛ أَلَا تَرَى أنَّ من وحَّد الله تعالى ولم يؤمن
_________________
(١) ساقط من (ع).
(٢) الحديث في صحيح مسلم برقم (٢٠٢).
[ ١ / ٢٩١ ]
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ: عَلَى رَغمِ أَنفِ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: فَخَرَجَ أبو ذَرٍّ وهو يَقُولُ: وَإِن رَغِمَ أَنفُ أَبِي ذَرٍّ.
رواه أحمد (٥/ ٦١)، والبخاري (٢٣٨٨)، ومسلم (٩٤)، وأبو داود (٢٦٤٦).
* * *
ــ
بالنبيِّ - ﷺ -، لم ينفعهُ إيمانُهُ بالله تعالى، ولا توحيدُهُ، وكان من الكافرين بالإجماعِ القطعيِّ.
و(قوله: عَلَى رَغمِ أَنفِ أَبِي ذَرٍّ) رويناه بفتح الراء، وهي إحدى لغاته؛ فإنَّه يقال بفتحها وضَمِّها وكسرها، وهو مصدرُ رَغِمَ، بفتح الغين وكسرها، وهو مأخوذٌ من الرَّغَامِ، وهو التراب، يقال: أرغَمَ اللهُ أنفه، أي: أَلصَقَهُ بالتراب، ورَغِمَ أنفي لله، أي: خضَعَ وذَلَّ؛ فكأنَّه لَصِقَ بالتراب.
والمراغمةُ: المغاضبة، والمُرَاغَمُ: المذهَبُ والمَهرَب، ومنه: يَجِد فِي الأَرضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً. وإنما واجَهَ النبيُّ - ﷺ - أبا ذَرٍّ بهذه الكلماتِ؛ لِمَا فهم عنه من استبعادِهِ دخولَ مَن زنى ومن سرق الجَنَّةَ، وكان وقَعَ له هذا الاستبعادُ بسببِ ظاهرِ قَولِه - ﷺ -: لَا يَزنِي الزَّانِي حِينَ يَزنِي وهو مُؤمِنٌ (١). . الحديثَ، ومما هو في معناه، فردَّ النبيُّ - ﷺ - هذا الوَهمَ وأنكره، وكان هذا الحديثُ نَصًّا (٢) في الرَّدِّ على المُكَفِّرَةِ بالكبائر؛ كما تقدَّم. وخروجُ أبي ذَرٍّ قائلًا: وَإِن رَغِمَ أَنفُ أَبِي ذَرٍّ، رجوعٌ منه عمَّا كان وقَعَ له من ذلك، وانقيادٌ للحقِّ لمَّا تبيَّن له.
* * *
_________________
(١) رواه أحمد (٢/ ٣١٧)، والبخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧)، وأبو داود (٤٦٨٩)، والترمذي (٢٦٢٧)، والنسائي (٨/ ٦٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) ساقط من (ع).
[ ١ / ٢٩٢ ]